رمضان يغير وجه بنغلاديش

أحمد شوقي عفيفي
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
لا يعد شهر رمضان في حياة المسلمين في ببنغلاديش مجرد زمن تعبدي عابر، بل هو تجربة اجتماعية جامعة، تتغلغل آثارها في أعماق الفرد والاسرة والمجتمع على السواء. ففي هذا البلد الذي يناهز عدد سكانه مئة وسبعين مليون نسمة، يتبدل مع إشراقة رمضان نسق الحياة اليومية، وتتغير أنماط السلوك الاجتماعي، وتتشكل ملامح الثقافة الغذائية من جديد، بل تنعكس آثاره حتى على الوجدان الإنساني. وإلى جانب معاني الصيام من تزكية للنفس، وإقبال على العبادة، وسمو أخلاقي، يغدو رمضان في بنغلاديش مشهدا فريدا تتعانق فيه قيم الرحمة، وروح التكافل الاجتماعي مع عمق التراث الثقافي الأصيل.

رمضان والمشاعر الدينية لدى المسلم البنغلاديشي:

يحتل شهر رمضان مكانة سامية في وجدان المجتمع المسلم في بنغلاديش، حيث يستقبل بإجلال خاص وتوقير عميق. وفي مقارنة بسائر أشهر السنة، تتجلى في هذا الشهر يقظة دينية متنامية، وإقبال ملحوظ على العبادة ومظاهرها المتعددة. فلا تظل ممارسات الطاعة، من صلاة وتلاوة للقرآن ودعاء واعتكاف، حبيسة الإطار الفردي، بل تتجاوز ذلك لتضفي بظلالها على المشهد الاجتماعي العام.

وكثير من الأفراد الذين قد لا يداومون على ارتياد المساجد على مدار العام، يجدون في رمضان دافعا متجددا للالتزام بالصلاة وتعميق الصلة بالعبادة. وتكشف هذه الظاهرة عن حقيقة راسخة، مفادها أن شهر رمضان يشكل لدى المسلم البنغلاديشي محطة جوهرية للمراجعة الذاتية، وتطهير النفس، وإحياء الوعي الروحي، وتجديد العهد مع الله تعالى.

الحياة المرتكزة على المسجد وثقافة صلاة التراويح:

في شهر رمضان تستعيد مساجد بنغلاديش روحها الوضاءة ونبضها الإيماني، فتغدو عامرة بالمصلين، ويشهد عدد روادها تزايدا ملحوظا في الصلوات الخمس، ولا سيما في صلاتي الفجر والعشاء. وتأتي صلاة التراويح بوصفها إحدى السمات الأبرز لهذا الشهر الكريم، إذ تحول المساجد ليلا إلى منارات مضيئة بالذكر والقيام، وتكسوها أجواء من الخشوع والسكينة.

ومن المساجد الكبرى في المدن إلى المساجد المتواضعة في القرى، يتشكل حول صلاة التراويح مشهد إيماني عامر، يضفي على الليالي الرمضانية طابعا احتفاليا روحيا فريدا. ومع التلاوة المتتابعة لآيات القرآن الكريم، لا يقتصر أثر التراويح على تحصيل الأجر والثواب، بل يفتح للمصلين آفاقا أعمق للاتصال الروحي بكلام الله، ويجدد صلتهم بمعانيه وهداياته الخالدة.

السحور رمز الروابط الأسرية:

لا يغدو السحور في بنغلاديش مجرد موعد لتناول الطعام قبيل الفجر، بل يتجلى بوصفه علامة دافئة على تماسك الأسرة وعمق الروابط بينها. ففي سكون الليل تتقاسم العائلات لحظات اليقظة، وتلتف حول مائدة واحدة، حيث يمتزج الطعام بالحديث، ويستعاد دفء القرب والمودة. وفي خضم تسارع الحياة الحديثة، حينما تبهت أحيانا أواصر التواصل الأسري، يأتي سحور رمضان ليبعث فيها روحا جديدة، ويشد خيوطها من جديد.

وفي كثير من الأحياء ما تزال حية تقاليد إيقاظ الناس للسحور على مستوى الحارة والحي، في مشهد يعكس أبهى صور الانسجام الاجتماعي، ويقدم مثالا ناطقا على روح التآلف والتكافل التي تطبع المجتمع البنغلاديشي في هذا الشهر الكريم.

الإفطار تجلي الاجتماعية وروح المساواة:

يمثل الإفطار أحد أكثر المشاهد الرمضانية حضورا وتأثيرا في بنغلاديش، إذ تتبدى معالمه بوضوح في المدن والقرى على حد سواء. وقبيل غروب الشمس بقليل، تدب الحركة في البيوت والأسواق، فتعد الموائد، وتتنوع الأطعمة التقليدية التي ارتبطت بذاكرة رمضان ووجدان الناس ارتباطا وثيقا.

ولا يقف الإفطار عند حدود البيت والأسرة، بل يمتد إلى الفضاء العام، حيث تتحول المساجد، ومفارق الطرق، والمؤسسات التعليمية، والهيئات الاجتماعية إلى موائد مفتوحة تجمع الناس على اختلاف طبقاتهم وأحوالهم. وفي هذا المشهد الإنساني الجامع، حين يجلس الغني والفقير، والمتعلم وغير المتعلم، في صف واحد يتقاسمون لقمة الإفطار، تتجسد في أبهى صورها قيم المساواة، وروح الأخوّة، ومعاني التضامن التي يقوم عليها الإسلام.

الثقافة الغذائية ورمضان:

يطل شهر رمضان على بنغلاديش حاملا معه تنوعا مميزا في ملامح الثقافة الغذائية، حيث تتصدر مائدة الإفطار أطعمة مخصوصة تستعيد حضورها مع هذا الشهر، وتكاد تغيب في سائر أوقات السنة. ولا يقف هذا التنوع عند حدود المذاق وحسب، بل يتجاوزها ليعانق الذاكرة الاجتماعية، ويتجذر في عمق العادات والتقاليد التي تشكل جزءا من الهوية الرمضانية للمجتمع.

وفي موازاة ذلك، يبث رمضان في النفوس دروسا عميقة في الاعتدال وضبط الشهوة، فعلى الرغم من مظاهر الكثرة والتنوع، يحرص كثير من الناس في هذا الشهر على تقليص مظاهر الإسراف، والحد من هدر الطعام، وتنمية حس المشاركة والعطاء تجاه الفقراء والمحتاجين، في تجسيد حي لقيم التكافل، والرحمة، والشعور بالمسؤولية الاجتماعية.

الصدقة والزكاة وروح المسؤولية الاجتماعية:

يتجلى شهر رمضان في المجتمع البنغلاديشي موسما سخيا للعطاء، حيث تتقدم معاني الصدقة والزكاة إلى واجهة الوعي الديني والاجتماعي، ويستشعر كثير من الناس واجبهم الشرعي والأخلاقي في الوقوف إلى جانب الفقراء والمحرومين. وفي هذا الشهر المبارك، تتسع رقعة الرحمة، ويتعمق الإحساس بآلام الآخرين واحتياجاتهم، فتغدو المشاركة في تفريج الكرب ضربا من العبادة وسبيلا للتقرب إلى الله.

وفي هذا السياق، تضطلع المؤسسات الدينية والاجتماعية بدور فاعل، إذ تنشط في تنظيم حملات توزيع الغذاء، وإقامة موائد الإفطار الجماعية، وتقديم المساعدات النقدية للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع. ويعكس هذا الحراك التكافلي حقيقة واضحة، مفادها أن رمضان في بنغلاديش ليس مجرد زمن للعبادة الفردية، بل هو أيضا مناسبة مركزية لترسيخ قيم المسؤولية الاجتماعية، وتجديد معاني التضامن، وبناء جسور التراحم بين أفراد المجتمع.

اختلاف ملامح رمضان بين المدينة والريف:

على الرغم من تباين صور الحياة بين المدينة والريف في بنغلاديش، فإن روح رمضان تظل واحدة لا تتبدل. ففي المدن، يحل الشهر الكريم حاملا معه إيقاعا مختلفا للحياة اليومية، تتغير مواعيد العمل، وتزدحم أسواق الإفطار مع اقتراب الغروب، وتمتد حركة المدينة ونبضها إلى ساعات متأخرة من الليل.

أما في القرى البنغلاديشية، فيغدو رمضان أقرب إلى السكينة والطمأنينة، حيث تتجلى بساطة العيش ودفء العلاقات الإنسانية. وتبرز الروابط الأسرية، وروح الجوار، والتواصل الاجتماعي في صور أكثر عمقا وصفاء، بينما تسهم موائد الإفطار الجماعية، والعبادات المشتركة، في توثيق عرى المجتمع، وتعزيز مشاعر التآلف والتكافل بين أفراده.

المرأة والشباب ورمضان:

يأتي شهر رمضان في بنغلاديش ليشكل محطة مضيئة في حياة المرأة، إذ تنهض بدور أصيل في تدبير شؤون الأسرة، وإحياء موائد الإفطار، إلى جانب حضورها الفاعل في ميادين العبادة والطاعة، بما يسهم في حفظ الروح الرمضانية وبثها في تفاصيل الحياة اليومية. وكثير من النساء يجدن في هذا الشهر فسحة أوسع للإقبال على تلاوة القرآن، والتعمق في طلب العلم الديني، وترقية الوعي الروحي والمعرفي.

وفي المقابل، ينعكس رمضان بآثاره الإيجابية على فئة الشباب، فيوقظ فيهم روح الالتزام، ويحفزهم على التوجه إلى المساجد، والمشاركة في الأعمال التطوعية، والانخراط في المبادرات ذات البعد الاجتماعي. ومن خلال هذه الممارسات، يتحول رمضان إلى فرصة سانحة لربط الجيل الشاب بالقيم الأخلاقية والإنسانية، وتنمية حس المسؤولية، وتعزيز الانتماء إلى المجتمع بروح واعية ومتوازنة.

الإعلام ورمضان:

يتبدى حضور شهر رمضان في المشهد الإعلامي البنغلاديشي حضورا لافتا، حيث تفسح وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والرقمية حيزا واسعا لبرامج دينية وروحية خاصة بهذا الشهر المبارك. فتتعالى عبر الشاشات والأثير تلاوات القرآن الكريم، ودروس التفسير، والحوارات الإيمانية إلى جانب البرامج المرتبطة بالسحور والإفطار، بما ينقل نفحات رمضان إلى البيوت، ويعمق الإحساس بروحانيته، ويوقظ في النفوس مشاعر الوعي الديني والتعلق بالقيم الإيمانية.

وفي موازاة ذلك، تضطلع وسائل الإعلام بدور توعوي بارز، إذ تسلط الضوء على قضايا الأخلاق، والمسؤولية الاجتماعية، والقيم الأسرية، والمعاني الإنسانية التي يجسدها رمضان. كما تحرص كثير من القنوات على تقديم محتوى تربوي وديني موجه للأطفال والشباب، يسهم في وصل الأجيال الناشئة برسالة هذا الشهر ومقاصده السامية. وإلى جانب الإعلام التقليدي، تؤدي منصات التواصل الاجتماعي دورا متناميا في إبراز أنشطة الصدقة، وحملات إفطار الصائمين، والمبادرات التطوعية، مما يوسع دائرة العمل الخيري، ويعزز الطابع الجماعي والتكافلي لرمضان في المجتمع البنغلاديشي.

رمضان والتماسك الاجتماعي:

يحل شهر رمضان على المجتمع البنغلاديشي حاملا معه نفحات من التماسك الأخلاقي والوئام الاجتماعي، فتتشكل في فضائه العام حالة مميزة من الانسجام والتقارب الإنساني. وفي هذا الشهر الكريم، تتعاظم قيم التسامح، والصبر، وضبط النفس، ويترسخ الاحترام المتبادل بين الأفراد، فيسعى الناس، أفرادا وجماعات، إلى تهذيب سلوكهم، ومراجعة علاقاتهم بروح أكثر وعيا واتزانا. ونتيجة لذلك، تخف حدة الخلافات الاجتماعية، وتهدأ النزاعات الأسرية، وتتراجع الخصومات الشخصية، في مشهد يعكس الأثر الأخلاقي العميق لرمضان في بنية المجتمع.

وفي موازاة ذلك، يوقظ رمضان في القلوب روح التعاطف، ويجدد الإحساس بالمسؤولية المشتركة تجاه الآخر. فيكثر تفقد أحوال الجيران، وتتسع مظاهر الوقوف إلى جانب الفقراء والمحتاجين، وتغدو موائد الإفطار المشتركة، والمشاركة في المبادرات الاجتماعية، جسورا حية للتواصل والتراحم. كما تسهم العبادات الجماعية في المساجد، وموائد الإفطار العامة، وأنشطة الصدقة والعطاء، في جمع الناس على اختلاف طبقاتهم وأوضاعهم في صف واحد، فتذوب الفوارق، وتتعزز معاني الأخوّة، ويتكرس التماسك الاجتماعي بوصفه إحدى الثمرات الكبرى لشهر رمضان المبارك.

الخاتمة:

يتجلى شهر رمضان في بنغلاديش بوصفه لوحة متكاملة تتعانق فيها العبادة مع الثقافة ونبض الحياة الاجتماعية، فيتحول فيه التدين من إطار فردي محدود إلى ممارسة جماعية تتجسد في السلوك اليومي والعلاقات الإنسانية. ومن خلال إحياء قيم الاعتدال، والتراحم، والسمو الإنساني، ينهض رمضان بدور فاعل في ترقية الحس الاجتماعي، وتعميق مشاعر التعاطف، وتعزيز أواصر الوحدة والتماسك داخل المجتمع البنغلاديشي.

وتبرهن هذه التجربة الثرية على أن رمضان لا يقتصر على كونه شهرا للصيام والامتناع عن الطعام، بل يشكل فرصة نادرة لإعادة بناء الوجدان الأخلاقي للمجتمع، وتجديد معاني المسؤولية والالتزام، وهي فرصة تتجسد في بنغلاديش عاما بعد عام، وتترك بصماتها العميقة في الوعي الفردي والجماعي، مؤكدة أن لرمضان رسالة تتجاوز الزمن إلى صناعة الإنسان والمجتمع.
التعليقات (0)