دور الظاهرة الإسلامية بين التحجيم والتفعيل.. مشاتل التغيير (56)

سيف الدين عبد الفتاح
"تلك الحركات صارت في موقف من الصعوبة بمكان وتتعلق بتشويه الصورة وصناعة الكراهية والشيطنة المتعمدة والمقصودة"- جيتي
"تلك الحركات صارت في موقف من الصعوبة بمكان وتتعلق بتشويه الصورة وصناعة الكراهية والشيطنة المتعمدة والمقصودة"- جيتي
شارك الخبر
يأتي مدخل الدور في ارتباط نظرية الدور بالسياقات السياسية والأدوار الاجتماعية على حد سواء، خاصة حينما نعتبر هذه الدائرة التي تمثلها الحركة الإسلامية باعتبارها حركة اجتماعية لها أدوار ووظائف ضمن محددات تتعلق بجوهر الدور وأدائه وموجهاته، فضلا عن الفاعلية التي تتعلق بهذا الأداء على المستويين الاجتماعي والسياسي، مع اعتبار السياقات الداخلية والاقليمية والدولية والتعرف على ما يتعلق بالدور والمؤثرات عليه بشأن تغيره أو تحولاته.

ولا شك أن حدثا كبيرا مثل الثورات العربية ومشاركة هذه الحركات الاجتماعية فيها؛ إنما شكل مختبرا مهما لمقولة الدور والتحولات التي طرأت عليه وتفعيل كل ما يتعلق بالأدوار الاجتماعية والثقافية والحضارية، وكذلك الأدوار السياسية فضلا عن الأدوار الدعوية والدينية، وهو أمر أدى في النهاية إلى ما يمكن تسميته بتنازعات الأدوار ضمن سياقات مواتية وأخرى غير مواتية، وسياقات تتعلق بالعلاقات مع القوى السياسية الأخرى وميراث الذاكرة في التعامل، رغم أن الثورات في بداية أمرها شكلت من خلال توافقات معينة حالةً تؤكد أن مسار بناء عملية التوافق السياسي لا بد وأن يرتبط بأدوار جوهرها يتمثل في الانتصار على فيروس الاستقطاب، وتأسيس بيئة تحتية للتوافق السياسي والاجتماعي ضمن رؤية لتعاقد سياسي واجتماعي جديد.

في محاولة تشريح وتقويم الظاهرة الإسلامية؛ تحاول نظرية الدور التعرف على ما يقوم به كل فرد أو تكوين أو جماعة من وظائف ومهام إذا كان عضوا في تنظيم، سواء أكان هذا التنظيم إداريا أو اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا. وفي هذا المقام فإننا نركز على التكوينات والحركات الاجتماعية فضلا عن تنظيمات من تيارات مختلفة، ويكون لتلك التكوينات أدوار محددة يجب عليها أن تقوم بها.

في محاولة تشريح وتقويم الظاهرة الإسلامية؛ تحاول نظرية الدور التعرف على ما يقوم به كل فرد أو تكوين أو جماعة من وظائف ومهام إذا كان عضوا في تنظيم، سواء أكان هذا التنظيم إداريا أو اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا

وفي حقيقة الأمر فإن الدور هو نمط أو نسق من الدوافع والأهداف والمعتقدات والقيم والاتجاهات والسلوك؛ يتوقع أعضاء الجماعة أن يروه فيمن يشغل وظيفة ما أو يحتل وضعا أو مركزا اجتماعيا معينا. والدور هو وصف للسلوك المتوقع لمثل هذه التكوينات أو الجماعات في موقف ما، وواقع الأمر أن الدور هو مجموعة من الأنشطة المرتبطة والأطر السلوكية التي تحقق ما هو متوقع منها في مواقف معينة، ومن ثم فإنه يرتبط في النهاية بمجموعة من الممارسات والتوقعات بمثل هذه الأدوار مع تداخلها وتشابكها.

ومن الجدير بالذكر أن توقعات الدور إنما تكون جزءا من الوسط أو البيئة المحيطة، وفي هذا المقام فإننا يمكن أن نحدد مجموعة من المداخل التي تتعلق بالدور تشريحا وتحديدا وممارسة وتقويما، أولها إدراك الدور الذي يظهر في كيفية رؤية تلك الجماعات بأدوارها في مواقف خاصة، أما سلوك الدور فهو الذي يتمثل في الأداء الفعلي أثناء قيام هذه الجماعة بدور معين، وكذلك توقعات الدور وما يُتوقع من سلوك في وقت معين، إذ مع تحديد الأدوار المتفق عليها يقوم على تنفيذها القائم بالدور من خلال المكانة والوظيفة والتوقعات.

وضمن هذا السياق فإن الدور يمكن أن يشكل إطارا وتصورا نظريا، كما أنه كذلك يعبر عن أدوار فعلية تتعلق بمقتضيات الممارسة والحركة، وهو أمر ربما يربط بين الدور الفعلي في مقابل الدور المتوقع، وفي هذا المقام قد يحدث ما يمكن تسميته بفجوة الدور.

كذلك من المهم أن نميز في العناصر التي تتعلق بالأدوار وممارستها بين عناصرها؛ بين توقعات الدور وهي القواعد التي تنظم الأفعال السياسية، أي تلك الأفعال التي تتضمن مداخل التأثير وصنع القرار وتوزيع الموارد السياسية والقيم، كذلك من تلك العناصر ما يتعلق بتوجهات الدور وهي الأفكار الخاصة بالقائم بالدور أو الشاغل له، وهي من أهم محددات السلوك التي يقوم بها هؤلاء في وضع معين. وتعكس هذه الأفكار القواعد التي يضعها المجتمع وسياقات البيئة المحيطة والإدراك العام لمطالب الدور وتوقعاته، كما يرتبط مفهوم الدور بعدد من المفاهيم المتميزة والتي تشكل علاقات داعمة له؛ من مثل مفاهيم المركز ومفاهيم المكانة ومفاهيم النشاط ومفاهيم الوظيفة، إلا أن الدور في حقيقة الأمر يتأثر بكل تلك المفاهيم ويشكل بعضها جزءا منه ومن العمليات المرتبطة به.

وفي حقيقة الأمر فإن محاولة تصور تلك الأدوار التي تحددها الحركات الإسلامية بشكل أو بآخر؛ يمكن أن تشير إلى مجموعة من الأدوار قد تحدث فيما بينها صلات وعلاقات وتؤثر في بعضها البعض بالسلب أو الإيجاب، منها تلك الأدوار المتعلقة بالأدوار المجتمعية (المدنية والأهلية)، والأدوار الدعوية التي تشكل مدخلها وعناصر مكانتها المجتمعية ومحاولة التحامها مع عموم الناس، وكذلك الدور السياسي، وهو دور يقوم عليه هؤلاء عند اتخاذهم قرارا بالانخراط في الشأن العام والحياة السياسية، وكذلك الدور الحضاري والتربوي والقيمي. ومع وصف هذه الأدوار وجب الوقوف على تصنيفاتها وآلياتها والممارسات المتعلقة بها ومآلاتها.

كذلك من الأهمية بمكان أن نحيل إلى الدور عبر القومي لمثل تلك الحركات، من مثل التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ذلك أن الأدوار عبر القومية كانت محلا للتخوف، كذلك محلا للدخول في مساحات ربما تصنع حالة من الحشد والخوف من أطراف متعددة في الداخل والخارج، ولعل هذا الإشكال عُبر عنه بصورة أو بأخرى في إطار مفاهيم الدولة القومية والمفاهيم التي تتعلق بالسيادة وكذلك بعض الأمور التي تتعلق بالاستقواء بالخارج وغير ذلك من أمور.

وأيا كانت هذه الأدوار، فإنها تظل محل انتقاد من السلطات، وكذلك محل اتهام من الأجهزة الأمنية ضمن عمليات المواجهة لمثل تلك الحركات؛ بما تمثله من سلوكيات وأداءات تعتبرها الدولة القومية وأجهزتها فضلا عن النظم السلطوية والاستبدادية خصما من سلطانها، وهو ما أدى إلى وقوع سلسلة من المواجهات تداعت في الذاكرة التاريخية وأثرت على أدوار هذه الحركات تأثيرا سلبيا، وعلى أدائها خاصة مع ذلك الانفتاح الذي حدث مع قيام الثورات العربية وإفساح المجال لتلك الحركات في الساحة السياسية؛ ليس فقط للمشاركة في المؤسسات البرلمانية أو بإعلان أحزاب لها بل إن بعضها وصل إلى السلطة وشارك فيها.

كل تلك الأمور أثرت على تصور الأدوار وعلى أخطاء في الأداء والسلوك وعلى الفجوات المختلفة في القيام بالدور؛ ضمن مقتضيات تتعلق بالجماعة السياسية وضرورات التعاقد السياسي والاجتماعي بين القوى السياسية المختلفة بما فيها القوى الإسلامية. وبرز ذلك واضحا ضمن قضايا متعددة أثرت تأثيرا مباشرا وغير مباشر على علاقات القوى الإسلامية بغيرها من قوى، وعلى أدوارها المتوقعة وعلى ممارستها وأدائها على نحو ربما كان محل اعتراضات من خلال مواجهة تمت على أكثر من مستوى، واستطاعت سلطات الدولة العميقة أن تقوم بكل ما من شأنه صناعة الفرقة التي بعد ذلك تحولت إلى صناعة الكراهية وكذلك صناعة الاتهام والتجريم، وهو أمر أثر بشكل حقيقي وكبير على أدوار تلك الحركات الإسلامية ومستقبل هذه الأدوار. في غالب الأمر ارتبط ذلك بأدوارها السياسية، وكذلك أدوارها المجتمعية، فضلا عن التلويح بتجريم جماعات الإخوان واتهامها بكونها حركات إرهابية.

من المؤكد أن هذه الأحوال والظرف والبيئة المحيطة وتراجع الثورات العربية ونجاح المضادين للثورات في إجهادها والإجهاز عليها أدى في النهاية إلى جولة خطيرة من الصراع بين تلك الحركات والنظم السياسية، بل والسياق الدولي الذي قامت كثير من تلك النظم بتحريضه على تثبيت وصف تلك الحركات بالإرهاب ومحاولة إخراجها من الميدان السياسي، بل ووضع أصحابها في السجون والمعتقلات ومطاردتهم إلى المنافي. ولكن في واقع الأمر أن تعاملات السلطة والنظم السياسية في الدول القومية وفي الدول العربية والإسلامية لم تقف موقفا واحدا ضمن هذا السياق في مواجهة تلك الحركات، بل إنها قامت بتزكية مواقف معينة من مثل ظاهرة "المداخلة" وكذلك "التدين الصوفي" في طبعاته الأخيرة، وبدأ مثل هؤلاء بتقديم الإسلام والتدين ضمن وجوه أخرى حاولوا من خلالها أن يتحدثوا عن طبيعة التدين المطلوب ضمن السياقات المعاصرة.

كذلك فقد أشارت نظرية الدور إلى ما يمكن تسميته بالفجوات الحادثة التي نتجت عن أحداث مفصلية كبرى في تصور الأدوار، وفي الضرورات الدافعة لتحول هذه الأدوار ضمن بيئة وسياقات للأدوار السابقة ربما كانت تسمح بهامش حركة يمكن أن تمارس فيه الحركات الإسلامية تصوراتها وفاعلياتها، إلا أن ما آلت إليه تلك الثورات وصعود حلف المضادين للثورة وتبنيه استراتيجية بالهجوم على "الإسلامي السياسي؟"؛ يعني أن تلك الحركات صارت في موقف من الصعوبة بمكان وتتعلق بتشويه الصورة وصناعة الكراهية والشيطنة المتعمدة والمقصودة ومحاولات بعض العلمانيين للهجوم على جوهر الدين في ذاته.

كل هذه الأمور تتطلب تصورات بصيرة وواعية لتحولات الدور في هذه البيئة غير المواتية ووضع خطط استراتيجية لاستعادة الأدوار الفاعلة، إلا أنه في حقيقة الأمر سنرى أن دعوات كثيرة برزت في الآونة الأخيرة تحاول الإشارة إلى اختفاء هذه التيارات الإسلامية من الساحة السياسية وتحول أدوارها، وظلت هذه الدعوات تتشكل في مطالبات مختلفة في هذا المقام.

إلا أن رأينا في هذا المقام يؤكد على ثلاث نقاط محورية:
عملية التغيير القادم لا يمكنها بأي حال أن تستثني الإسلاميين ولا يمكن أن تتم بمعزل عنهم أو بعزلهم، ولكن في حقيقية الأمر أنها أيضا لا يمكن أن تتم وهم في صدر المشهد

الأولى أن الحركات الاجتماعية لا تختفي بجرة قلم أو قرار من سلطة أو مطالبات من خصوم، ولكنها في واقع الأمر تتطلب أبعادا داخلية وشعورا أساسيا بالفجوات في الأدوار حتى يشكل هذا الإدراك داعيا لتصورات جديدة لأدوار مختلفة جديدة.

الأمر الثاني أن تحولات الأدوار هي جزء لا يتجزأ من عمليات المراجعة والنقد الذاتي الذي يجب أن يمارس على أوسع نقاط، وضمن حوارات متعددة داخل تلك التيارات الإسلامية، وكذلك خارجها مع القوى السياسية المختلفة، وأيضا مع إدراك بصير للمتغيرات الإقليمية والدولية.

والأمر الثالث أن عملية بناء الدور الجديد والمستجد هي عملية استراتيجية ترتبط بمستلزمات أخرى تتعلق بضرورة بناء الخطاب الجديد، وهو ما يتوافق مع تلك الأحوال التي وصلت إليها تلك الثورات، ومع الإمكانات الأساسية والمتطلبات الضرورية لمسالك الإحياء الثوري الجديد والمستأنف والأدوار التي يمكن أن تقوم بها الحركات الإسلامية في هذا المقام.

إن عملية التغيير القادم لا يمكنها بأي حال أن تستثني الإسلاميين ولا يمكن أن تتم بمعزل عنهم أو بعزلهم، ولكن في حقيقية الأمر أنها أيضا لا يمكن أن تتم وهم في صدر المشهد وفي مقدمة العمل السياسي؛ هذه المعادلة إذا وضحت للجميع سيكون لها أثر في تصور مستقبل هذه الحركات بعد السنوات العجاف التي أعقبت الثورات العربية. من الواجب الخروج من الأزمات والفجوات وتلمس الفرص الحقيقية لاستعادة تلك الثورات والتأهب والاستعداد للتغيير الاستراتيجي القادم؛ والحركة ضمن مشاتله ومسالكه ببصيرة واعية وأساليب وأدوات فاعلة.

x.com/Saif_abdelfatah
التعليقات (0)