التئام
الجولة الأولى للمفاوضات
النووية بين المفاوضين
الإيرانيين والأمريكيين في العاصمة
العمانية مسقط مساء الجمعة، وصدور تصريحات إيجابية من وزير الخارجية الإيراني عباس
عراقجي، ومضيفه العُماني بدر البوسعيدي، وتاليا من الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب؛ لا
تعني زوال الخيار العسكري، فالحشود العسكرية الأمريكية استمرت بل تصاعدت قبيل
وخلال
المفاوضات من خلال استعراض حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن عضلاها
أمام السواحل الإيرانية، وهو ما استفز إيران التي أرسلت مسيّرة استكشافية أسقطتها
على الفور طائرة أمريكية، كما حاولت قبل أيام قليلة من المفاوضات اعتراض سفينة
تحمل العلم الأمريكي في مضيق هرمز، وفي الوقت نفسه حرصت على استعراض قوتها
الصاروخية عبر إطلاق أحدث منتجاتها الصاروخ "خورمشهر 4" الذي يصل مداه
حوالي 3000 كيلومتر، بما يعني أنه يطال كل الأهداف الإسرائيلية والأمريكية في
المنطقة، كما يصل إلى بعض المواقع الأوروبية، وهو فرط صوتي سرعته 16 ضعف سرعة
الصوت، بما يجعله أكثر قدرة على الإفلات من أحدث النظم الدفاعية الإسرائيلية
والأمريكية، كما يستطيع حمل رؤوس نووية حتى 1800 كيلوجرام، مع انخفاض هامش الخطأ
فيه لأقل من 30 متر، في حين يستطيع تدمير مساحة كيلومتر، وضرب تحصينات عميقة تحت
الأرض.
نحن
إذن أمام مفاوضات تجري تحت أزيز الطائرات، والمسيّرات، واختبارات الصواريخ الجديدة.
تتحرك الإدارة الأمريكية من عقيدة تحقيق السلام من خلال التهديد بالقوة، ولا تطيق
صبرا على مفاوضات لمدة طويلة، بل تحبذ فكرة الصفقات السريعة. ورغم أن ترامب زعم أن
المفاوضات سارت بشكل جيد، وأن هناك متسعا من الوقت لإكمالها في جولة جديدة مطلع
الأسبوع، إلا أن ذلك قد لا يكون تعبيرا عن نوايا صادقة بل جزءا من خداع إيران.
رغم أن ترامب زعم أن المفاوضات سارت بشكل جيد، وأن هناك متسعا من الوقت لإكمالها في جولة جديدة مطلع الأسبوع، إلا أن ذلك قد لا يكون تعبيرا عن نوايا صادقة بل جزءا من خداع إيران
تدرك
إيران من ناحيتها أن قبول إدارة ترامب التفاوض وحديثها الإيجابي عن الجولة الأولى لا
يعني تخليها عن الخيار العسكري الذي أكملت له عدته، ولا ينقصه سوى الكبس على الزر،
وقد ظهر هذا الإدراك الإيراني في تغريدة عراقجي قبيل جولة المفاوضات أن إيران
"تدخل ساحة الدبلوماسية بعيون مفتوحة وذاكرة ثابتة لأحداث العام الماضي"،
كما أنه صرح عقب جولة المفاوضات أن بلاده ترغب في إبرام اتفاق ولكنها في الوقت
نفسه مستعدة للحرب.
نتذكر
هنا أن الغارات الأمريكية على إيران في حزيران/ يونيو من العام الماضي جرت، بينما
كان وفدا البلدين يستعدان لجولة مفاوضات جديدة في مسقط أيضا، لكن تلك الغارات
أعادت الأمور إلى نقطة الصفر، وكشفت أن إدارة ترامب مدفوعة أيضا بضغط إسرائيلي قوي
تفضل العمل العسكري حتى وإن أعلنت خلاف ذلك، وإذا وجدت هذه الإدارة خطة عسكرية
محكمة وقادرة على تحقيق أهدافها بتدمير المشروع النووي الإيراني مع ضمان تحييد
الرد الإيراني؛ فإنها لن تتوانى لحظة في إصدار الأوامر ببدء التنفيذ حتى خلال
جلسات المفاوضات.
تتحرك
الإدارة الأمريكية بعقيدة قتالية دينية عبّر عنها وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث
(الخميس) بأن "أمريكا تأسست كدولة مسيحية، وستبقى كذلك في جوهرها، وإن هذا
الأمر موجود في (DNA) الخاص بنا إن استطعنا الحفاظ عليها. وبصفتنا
مسؤولين حكوميين، يقع على عاتقنا واجب مقدس، بعد مرور 250 عاما، وهو تمجيد
الله"، مضيفا: "نتحدث كثيرا عن السلام من خلال القوة، لكننا بحاجة أيضا
إلى تذكر أننا نستمد قوتنا من الإيمان ومن خلال الحق ومن كلمة الله"..
من
سوء حظ هذه الإدارة ووزير دفاعها أنها تواجه عدوا يحمل أفكارا مماثلة من خلال
عقيدته الدينية أيضا، أي انه ليس خصما سهلا، بل خصم عنيد مستعد للقتال بجنون، وقد
كشفت حرب حزيران/ يونيو 2025 أن القوة الأمريكية لم تستطع تحقيق هدفها كاملا بتدمير
المشروع النووي الإيراني، وإن ألحقت اضرارا بالغة به، كما أنها فشلت في الهدف
السياسي وهو إسقاط الحكم الإيراني، وهذا ما يفرض على الإدارة مراجعة حساباتها
بدقة.
تسعى كل من واشنطن وطهران لتوظيف المفاوضات لصالح خططها الخفية، فطهران تريد كسب الوقت، وإثبات رغبتها في الحل السياسي ريثما تتمكن من تطوير المزيد من أسلحتها، وواشنطن تريد فرض شروطها عبر المفاوضات، وتحقيق هدفها بتدمير المشروع النووي الإيراني
هل
يعني ذلك أن إيران قادرة على خوض مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة؟ الحقائق
العسكرية والاقتصادية تنفي ذلك، والإيرانيون رغم تصريحاتهم العنترية يدركون ذلك،
ولذا فهم حريصون على تجنب هذه المواجهة المفتوحة، وجاهزون لتقديم بعض التنازلات في
الملف النووي مثل خفض التخصيب لنسب مقبولة من واشنطن، أو حتى تجميد التخصيب لمدة
محددة، وتقديم كل الضمانات بعدم التحول إلى برنامج نووي عسكري، علما أنهم يبرزون
دوما فتوى المرشد الأعلى خامنئي التي أصدرها في العام 2003 بعدم جواز امتلاك سلاح
نووي عسكري، لكنهم متمسكون بحقهم في الاستخدام السلمي للطاقة النووية وفقا
للمعايير الدولية.
تطويع
النظام الإيراني هدف رئيس لإدارة ترامب، وإسقاطه هدف عاجل للكيان الصهيوني الذي
يرى في إيران خطرا شديدا عليه، وقد اكتوى بنيران صواريخها المباشرة، أو صواريخ
حلفائها من الشمال والجنوب والشرق، وقد حاولت إدارة ترامب استغلال المظاهرات
الشعبية المناهضة للحكم الإيراني خلال الشهرين الماضيين، وأعلن ترامب دعمه
للمظاهرات ووعد المتظاهرين بتقديم الدعم لهم، لكنه لم يفعل شيئا، وربما تسعى
الإدارة لترتيب مظاهرات جديدة بعد أن تعد بديلا سياسيا مقنعا.
تسعى
كل من واشنطن وطهران لتوظيف المفاوضات لصالح خططها الخفية، فطهران تريد كسب الوقت،
وإثبات رغبتها في الحل السياسي ريثما تتمكن من تطوير المزيد من أسلحتها، وواشنطن
تريد فرض شروطها عبر المفاوضات، وتحقيق هدفها بتدمير المشروع النووي الإيراني
سلما، وإن لم تستطع فإنها ستلجأ للخيار العسكري، وستزعم أن المفاوضات وصلت إلى
طريق مسدود (بعد الجولة الأولى)، وأن إيران تعنتت، ولم تغتنم الفرصة الذهبية التي
أتاحتها لها إدارة ترامب!!
حال
تحديد جولة جديدة في مسقط أو غيرها فإن المفاوضات لن تمضي بيسر، حيث تصر واشنطن
وبإلحاح إسرائيلي على ضم ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية، وملف الأذرع الخارجية
الإيرانية (حزب الله، الحوثيين، وغيرهم)، وهو ما ترفضه إيران بشدة، وتصر على قصر
المفاوضات على الملف النووي، وهو الذي بدأت به الأزمة بعد إلغاء واشنطن من طرف
واحد لاتفاق 2015 الذي رأته غير كاف. هو إذن صراع إرادات، والمخفي فيه أكثر من
المعلن، وستكشف الأيام بل ربما الساعات المقبلة ما يخفيه كلا الطرفين.. وفي كل
الأحوال لا يتمنى أحد اندلاع الحرب بين الطرفين، فهي ستكون وبالا عليهما وعلى عموم
المنطقة.
x.com/kotbelaraby