في أروقة
واشنطن والمراكز الإعلامية التي تراقب الصراع في الشرق الأوسط، برزت
توقعات
متباينة للغاية بشأن ضربة أمريكية محتملة لإيران. لا تختلف هذه التوقعات في الدرجة
فحسب، بل في النوع أيضا، مما يكشف عن تباين عميق في الآراء بين محللين محنكين يقرؤون
البيانات نفسها. ويضع هذا الانقسام العالم أمام خيار صعب بين تنبؤين لا يمكن
التوفيق بينهما، في وقت يتعين فيه تقييم أحد أهم القرارات التي يجب على إدارة
ترامب اتخاذها.
يرى أحد
هؤلاء المحللين، وهو البروفيسور جون ميرشايمر من جامعة شيكاغو، أنه إذا حدث عمل
عسكري أمريكي بالفعل، فسيكون "ضبط نفس محسوبا"، وسيثبت في النهاية أنه
مجرد إجراء لـ"حفظ ماء الوجه". سيكون هذا العمل محدود النطاق، ويُنفذ من
جانب واحد، ويهدف قبل كل شيء إلى حل اللغز السياسي الذي يواجه ترامب حاليا. وفي
المقابل تماما، يشير تحليل ضابطي المخابرات السابقين في وكالة المخابرات المركزية
(CIA)، لاري جونسون وراي
ماكغفرن، إلى أن العمل العسكري الأمريكي قد يحدث في غضون أيام، مما سيؤدي إلى حريق
شامل يلتهم القواعد الأمريكية، وإسرائيل، والاقتصاد العالمي.
إن ما
يمكن اعتباره تباينا صارخا بين توقعين لا يجتمعان يقع في قلب هذا التحليل؛ فبينما
يرى البروفيسور ميرشايمر ضبط نفس محسوبا نابعا من العجز العسكري، يرى جونسون
وماكغفرن مسيرة لا يمكن وقفها نحو
الحرب.
حجة
"ضبط النفس المحسوب"
إن ما يمكن اعتباره تباينا صارخا بين توقعين لا يجتمعان يقع في قلب هذا التحليل؛ فبينما يرى البروفيسور ميرشايمر ضبط نفس محسوبا نابعا من العجز العسكري، يرى جونسون وماكغفرن مسيرة لا يمكن وقفها نحو الحرب
بنى
البروفيسور ميرشايمر إطاره التحليلي على واقع قاتم: وهو أن تغيير النظام في
إيران
لا يزال غير ممكن عسكريا وستترتب عليه عواقب إقليمية سلبية هائلة. وبالفعل، يشير
تحليله إلى أن القادة العسكريين الأمريكيين أبلغوا ترامب في 14 كانون الثاني/ يناير
أنهم لا يستطيعون ضمان تغيير النظام، خاصة بعد فشل الاحتجاجات التي خططت لها وكالة
المخابرات المركزية في شوارع إيران. وهذا يترك ترامب أمام سلسلة من الخيارات
المؤلمة.
يقول
ميرشايمر: "إن مجرد حشد المزيد من القوات العسكرية في المنطقة لا يجعل تغيير
النظام أكثر قابلية للتحقيق، وهذه هي بالضبط مشكلة ترامب التي جلبها لنفسه بخطابه
العدائي". ويضيف أن الخيار الوحيد المتبقي له الآن هو شن "ضربة محدودة،
تكون وسيلة لحفظ ماء الوجه لإعلان النصر ثم الانسحاب". ومع ذلك، فإن هذا أيضا
ينطوي على مخاطر جسيمة، حيث "أوضحت إيران أن أي ضربة عسكرية، مهما كانت
محدودة، ستؤدي إلى رد انتقامي كامل". سيكون من السهل التنبؤ بعواقب مثل هذا
الحدث: "صواريخ إيرانية تتساقط على أهداف أمريكية في جميع أنحاء الشرق
الأوسط، وهجمات على إسرائيل رغم محاولاتها البقاء خارج هذه الحرب، وربما حتى هجوم
على مضيق هرمز، وهو عمل سيكون له عواقب مدمرة على الاقتصاد العالمي".
ومن
الافتراضات الأساسية في حجة ميرشايمر تأكيده على أن السياسة الأمريكية تجاه إيران
لا تحركها مخاوف أمنية مشروعة، بل "اللوبي الإسرائيلي". واستشهد بمحاولة
تقارب إدارة كلينتون مع إيران كمثال على كيفية منع الرؤساء الأمريكيين من قبل
اللوبي (الصهيوني) من اتباع سياسات مفيدة، وكيف يخلق هذا خطرا دائما بنشوب حرب بين
البلدين، حتى عندما تكون هذه الحرب ضد المصالح الأمريكية.
التحذير
من كارثة وشيكة
لا تساور
جونسون وماكغفرن مثل هذه الشكوك. فبناء على وصولهما إلى مصادر استخباراتية وقنوات
اتصال خلفية، أفادا بأن "ضربة أمريكية قد تحدث في نهاية هذا الأسبوع أو
الأسبوع المقبل، مع إعلان إيران الحرب فورا".
أما
الصعوبات العملياتية التي يعرضانها فهي هائلة؛ حيث زُعم أن السعودية وعُمان وقطر
والإمارات رفضت السماح للولايات المتحدة باستخدام مجالها الجوي، مما ترك حاملات
الطائرات في مواقع ضعيفة قبالة سواحلها. ويحسب جونسون، أن صواريخ الدفاع الجوي
للأسطول البحري ستنفد في غضون 10 أيام من القتال دون الوصول إلى ميناء آمن للتزود
بالذخيرة، في حال تعرضت البحرين لهجوم.
يصرح
جونسون بوضوح: "من المرجح أن تعلن إيران الحرب"، محددا النهج الثلاثي
الذي ستتخذه طهران: مهاجمة القواعد الأمريكية في المنطقة، ومهاجمة إسرائيل، وإغلاق
مضيق هرمز. ويشير جونسون إلى أن إيران توضح نواياها للدول المعتمدة على النفط في
الخليج وآسيا، آملة بأن تضغط هذه الدول على الولايات المتحدة للتراجع.
أما
ماكغفرن، فيرسم العواقب المحتملة بألوان أكثر قتامة، مشيرا إلى أن ترامب قد يرتكب
الخطأ القاتل المتمثل في "قانون العواقب غير المقصودة"، والذي قد يدفع
إيران إلى القيام بـ"إبادة" إسرائيل. ويشير ماكغفرن إلى أن مبرر الحرب
واضح؛ فقد خلصت تقييمات الاستخبارات الأمريكية إلى أن إيران "قد تفكر في
احتمال" استئناف برنامجها النووي، وهو ما لا يعد مبررا لإطلاق العنان لكارثة
محتملة.
مرة أخرى،
يشير ماكغفرن إلى دور إسرائيل كقوة دافعة وراء الولايات المتحدة، قائلا إن
"98 في المئة من سبب ذهابنا إلى الحرب مع إيران يعود إلى أولويات الحكومة في
القدس، وهي مقدسة في واشنطن". ولكن على عكس سيناريو ميرشايمر، يوضح ماكغفرن
أنه لا يوجد دليل على تراجع إيران. ويشير جونسون إلى أن عملية حزيران/ يونيو لم
تنجح حتى في شل قدرة إيران على الرد، إذ جاء الانتقام في غضون عشر ساعات.
لغز
الاستخبارات
تداعيات هذا الخلاف التحليلي كبيرة، فنتائج الحرب مع إيران ستكون كارثية، ليس فقط على الشرق الأوسط، بل على العالم أجمع؛ إذ تمتلك هذه الحرب القدرة على خلق أزمة اقتصادية عالمية، فضلا عن احتمال استدراج روسيا والصين، نظرا لمصالحهما الكبيرة في حقول النفط الإيرانية
ما الذي
يفسر هذه الاستنتاجات المتباينة؟ بينما يتفق التحليلان على أن المتغيرات المؤثرة
هي موقف ترامب المتشدد، وقدرة الردع الإيرانية، ومصالح إسرائيل، واستحالة تغيير
النظام، إلا أنهما يصلان إلى استنتاجات مختلفة فيما يتعلق بتوقيت واحتمالية نشوب
مثل هذه الحرب.
تستند
استنتاجات ميرشايمر إلى "نظرية الفاعل العقلاني"، التي ترى أن استحالة
العمل العسكري والعواقب الكارثية ستملي في النهاية سلوك الأطراف. أما استنتاجات
جونسون وماكغفرن، فتستند إلى معلومات من الداخل، حيث يرى الاثنان أن زخم الموقف قد
تجاوز قدرة الأطراف على التفكير بعقلانية واستراتيجية.
إن
تداعيات هذا الخلاف التحليلي كبيرة، فنتائج الحرب مع إيران ستكون كارثية، ليس فقط
على الشرق الأوسط، بل على العالم أجمع؛ إذ تمتلك هذه الحرب القدرة على خلق أزمة
اقتصادية عالمية، فضلا عن احتمال استدراج روسيا والصين، نظرا لمصالحهما الكبيرة في
حقول النفط الإيرانية.
والسؤال
الذي يجب على المراقب المهتم طرحه هو: أي تفسير للمعلومات الاستخباراتية ذاتها يجب
تصديقه؟ هل نصدق البروفيسور الذي يعتقد أن الشلل الاستراتيجي الناجم عن الاستحالة
العسكرية هو ما سيحكم الأفعال، أم خبراء الاستخبارات الذين يعتقدون أن هناك زخما
لا يمكن وقفه للصراع القادم، زخما لا يستطيع أحد السيطرة عليه بمجرد انطلاقه؟
ستحدد
الإجابة على هذا السؤال ما إذا كانت الأسابيع القادمة ستشهد مناورات دبلوماسية
متوترة أم اندلاع أخطر صراع في الشرق الأوسط منذ عقود. والمؤكد هو أن نتائج أي
ضربة محدودة لحفظ ماء الوجه أو حرب شاملة قادمة سيُشعر بها بعيدا جدا عن حدود
الخليج العربي.