في الأسابيع الأولى من عام 2026، تحولت التوندرا في
غرينلاند إلى أخطر خط صدع في السياسة العالمية. فبعد نشوة القبض الجريء على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وجه دونالد
ترامب بوصلته شمالاً، ليتعامل مع أكبر جزيرة في العالم ليس كشعب أو إقليم، بل كفراغ استراتيجي ينتظر من يملأه. وصرح ترامب أمام تنفيذيي شركات النفط في 9 يناير قائلاً: "سنفعل شيئاً بشأن غرينلاند، إما بالطريقة الحسنى أو بالطريقة الأصعب"، ملوحاً بشبح التغلغل الروسي والصيني في "فجوة GIUK".
لم تكن تلك دبلوماسية، بل كانت إنذاراً نهائياً.
وما قاله ترامب علانية، صاغه منظرو بلاطه بشكل صريح. فقد شكك ستيفن ميلر، منظّر الإكراه المقيم في الإدارة، علناً في حق الدنمارك في السيادة، مستخفاً بقرون من قوانين المعاهدات بسخرية بيروقراطي إمبراطوري، حيث قال: "لا أحد سيحارب
الولايات المتحدة عسكرياً على مستقبل غرينلاند"، وكأن القوة في حد ذاتها حجة قانونية. وردد ماركو روبيو المنطق ذاته بلمسة سيناتور مصقولة، محذراً من أنه لا يمكن السماح لغرينلاند بأن "تسقط" في الأيدي الخطأ. أما بيت هيغسيث، "صليبي" أخبار الكابلات الدائم، فقد صوّر الضم كضرورة حضارية. ويشكل هؤلاء معاً جوقة من الازدراء للقواعد التي ادعت أمريكا يوماً أنها هي من وضعتها.
لم يعد هذا مجرد خيال عقاري فج كما طرحه ترامب في عام 2019، بل هو شيء أكثر خطورة بكثير: عقيدة—"قدر تجلى" (Manifest Destiny) من القرن الحادي والعشرين، يرتدي ثوب السياسة الأمنية، حيث تصبح السيادة اختيارية وتمنح القوةُ الشرعيةَ. لم يعد شمال الأطلسي فضاءً للتحالف في نظر واشنطن؛ بل أصبح بحيرة محلية.
إن الجشع الاستراتيجي عارٍ تماماً؛ فغرينلاند تحتوي على معادن نادرة ضرورية للبطاريات والصواريخ والإلكترونيات المتقدمة، والسيطرة عليها من شأنها أن تقوض هيمنة سلسلة التوريد الصينية بين عشية وضحاها. كما أن ذوبان الجليد في القطب الشمالي يفتح ممرات شحن وممرات بحرية جديدة يهوّس بها مخططو البنتاغون. وتكمن تحت الجليد هيدروكربونات غير مستغلة، محمية بشكل "مزعج" بقوانين الدنمارك البيئية. وإذا نزعنا البلاغة الخطابية، فما يتبقى هو دافع إمبراطوري مألوف: استولِ أولاً، وبرر لاحقاً.
تدرك أوروبا الخطر بالفطرة. وقد حذرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميت فريدريكسن من أن أي تحرك أمريكي ضد حليف في الناتو سيكون "لحظة مصيرية"، من شأنها أن تنهي نظام الأمن في مرحلة ما بعد الحرب. كانت رسالتها صريحة: إذا هاجمت أمريكا حليفاً، فإن الناتو سيكف عن الوجود كأي شيء سوى اختصار فارغ.
ومع ذلك، كشف رد فعل أوروبا عن عطبها الخاص. فبريطانيا، التي كانت يوماً الصدى الأعلى لواشنطن، تقدم الآن غموضاً بدلاً من الحزم. فقد دعم رئيس الوزراء كير ستارمر الدنمارك في البداية، ثم تراجع إلى التهرب عند الضغط عليه. وعندما سُئل عما إذا كان الهجوم الأمريكي على غرينلاند سيقتل الناتو، رفض الإجابة مباشرة، واصفاً إجبار المرء على الاختيار بين واشنطن وبروكسل بأنه "خطأ استراتيجي". لم تكن هذه حنكة سياسية، بل كان جبناً. وبرفضه رسم خط فاصل، ترك ستارمر الباب موارباً أمام العدوان الأمريكي وجرّ مصداقية بريطانيا في الوحل. ولا يسع المرء إلا أن يتخيل رد الفعل الساحق لجيريمي كوربين لو كان هو ساكن "10 داونينج ستريت".
داخل الولايات المتحدة، توجد مقاومة لكنها هشة. فقد قدم السيناتور روبن غاليغو تشريعاً لمنع تمويل الأعمال العدائية ضد غرينلاند، متهماً ترامب بالرغبة في امتلاك "جزيرة عملاقة تحمل اسمه". هو على حق، لكن التقليل من شأن الأمر يغفل حجم التهديد. فهذا ليس مجرد مشروع غرور، بل هو الامتداد المنطقي لإدارة ترى القانون عقبة، والحلفاء إزعاجاً، والقوة بديلاً عن الشرعية.
بدأت العواقب تتفشى بالفعل. ففي بروكسل، يناقش المسؤولون بهدوء "اليوم التالي" لحلف الناتو، وهو يوم يفترض أن عدم الموثوقية الأمريكية حالة دائمة. وفي بكين وموسكو، يراقب الاستراتيجيون بشيء يقرب من الرضا، حيث يتردد صدى نصيحة نابليون في الدواوين: "لا تقاطع عدوك أبداً وهو يرتكب خطأً".
تتبع مقامرة ترامب في غرينلاند نفس المسار التدميري لمغامرته في فنزويلا. فكلا العملين يقوضان المعايير ذاتها التي تعتمد عليها واشنطن لكبح جماح الآخرين. فعندما تختطف الولايات المتحدة زعيماً أجنبياً أو تهدد بالاستيلاء على أراضي حليف، فإنها تفقد السلطة الأخلاقية لإدانة أفعال مماثلة في أماكن أخرى. وهنا يتلاشى الخط الفاصل بين الردع وانعدام القانون.
يحوم الدين القومي الأمريكي الآن حول 38 تريليون دولار، ومع ذلك تظل الشهية للمغامرات الخارجية غير قابلة للإشباع. لقد استنزفت فيتنام البلاد لمدة خمسة عشر عاماً. وحطم العراق منطقة بأكملها وقوض المصداقية الأمريكية. بنما، هندوراس، ليبيا—كل تدخل تم الترويج له على أنه ضروري ومؤقت وعادل، وكل منها خلف وراءه حطاماً. وتهدد غرينلاند بالانضمام إلى تلك السلالة، ليس كساحة معركة، بل كاللحظة التي انكسر فيها نظام التحالف أخيراً.
إذا كان ترامب جاداً—وتحركات القوات والبلاغة الخطابية والاستعدادات تشير إلى أنه كذلك—فإن الناتو قد مات بالفعل من الناحية العملية. وما يتبقى هو قوة عظمى تقايض الشرف بالمعادن، والتحالفات بالترهيب، والقانون بالنزوات. العالم لا يشاهد قيادة، بل يشاهد انهيارها.
نادراً ما تسقط الإمبراطوريات بسبب التحدي، بل تسقط لأنها تتخلى عن ضبط النفس، وتخلط بين الخوف والاحترام، وتلتبس عليها القوة مع القدر. قد لا تشهد غرينلاند إطلاق رصاصة واحدة، وهي ليست بحاجة لذلك، فقد وقع الضرر بالفعل.
(
ميدل إيست مونيتور)