كم هي قاسية ومؤلمة، لكلّ أحرار العالم، صورةُ الرئيس الفنزويلي، نيكولاس
مادورو، وهو يُنقل يوم السبت 3 جانفي 2026 مقيَّد اليدين معصوب العينين على ظهر سفينةٍ حربية أمريكية إلى
الولايات المتحدة، حيث تنتظره محاكمةٌ صوريّة يُزجّ به بعدها في السجن لما تبقى من عمره، تمامًا كما حدث لرئيس بنما، مانويل نورييغا، في 3 جانفي 1990، حينما قامت قواتٌ أمريكية باعتقاله بأمر من الرئيس جورج بوش الابن ونقله من بلده إلى الولايات المتحدة ليحاكَم بتهمة “المتاجرة بالمخدرات”، وهي التهمة السَّخيفة ذاتها التي توجَّه الآن إلى الرئيس مادورو، تُضاف إليها تهمة “الإرهاب”؟!
وما بين اعتقال الرئيسين نورييغا ومادورو، قامت الولاياتُ المتحدة الأمريكية في مارس 2003 بغزو العراق واعتقال الرئيس صدام حسين بعد فترة قصيرة من اختفائه، وسلّمته لخصومه الذين جاءت بهم إلى الحكم على ظهور دبَّاباتها ليحكموا عليه بالإعدام وينفِّذوا الحكم في صبيحة عيد الأضحى الموافق لـ30 ديسمبر 2006، كما شاركت مع طيران “الناتو” سنة 2011 في تدمير الجيش الليبي، ما هيّأ الجوّ لـ”الثوار” لإسقاط القذافي والقبض عليه وقتله بوحشية خارج إطار العدالة، وبذلك حوّلت أمريكا ليبيا والعراقَ إلى دولتين فاشلتين إلى حدِّ السَّاعة.
الفارقُ بين الرؤساء الأربعة أنّ نورييغا قاوم 13 يوما ثمّ سلّم نفسه، وصدّام حارب 21 يوما قبل انهيار الجيش العراقي وسقوط بغداد واضطراره إلى الاختفاء عن الأنظار، والقذافي قاوم الناتو أسابيع عديدة قبل أن تتفكّك كتائبُه، أمَّا مادورو، فلم نرَ لجيشه أيَّ أثر خلال الهجوم الأمريكي المباغت والسريع، ويبدو أنّ هناك خرقا أمنيا كبيرا حدث وأدى إلى اختطافه بسرعة البرق، وفوّتت عليه فرصة القتال ولو وحده حتى يموت واقفًا.
لكنّ عزاءنا أنّ السيدة ديلسي رودريغيز، نائب الرئيس مادورو، خالفت كل التوقّعات بأنّ الرعب من مصير مادورو سيمتلكها وستستسلم بسهولة لعجرفة
ترامب وإملاءاته وتسلّم الحكم الفعلي لحاشيته وثروات البلاد النفطية والمعدنية النادرة لشركاته لتغرف منها ما تشاء.. فها هي السيدة رودريغيز تعقد مؤتمرًا صِحافيًّا مباشرة بعد مؤتمر ترامب وتردّ عليه بالقول إنّ مادورو لا يزال هو الرئيس الشرعي لفنزويلا، وأنّ الولايات المتحدة قد قامت بعمل وحشي وانتهكت القانون الدولي بغزو بلادها واختطافه، ويجب أن تطلق سراحه فورا، وأكّدت أنّ
فنزويلا لن تكون مستعمَرة لأحد… أليست هذه المرأة الحرّة بألف رجل، بل بعشرات الحكام في هذا العالم الخاضع للغطرسة الأمريكية؟!
في ذلك المؤتمر الصِّحافي الذي عقده الرئيس ترامب، ظهر جليًّا مدى سُخف تهمة “المتاجرة بالمخدرات” التي لفّقها لمادورو لتبرير غزو بلده وخطفه وسجنه؛ فقد تحدّث الرئيسُ الأمريكي مباشرة وبوضوح تامّ عن ضرورة حكم فنزويلا بعض الوقت إلى غاية إقامة نظام جديد موالٍ له، فضلا عن الاستيلاء على نفطها الذي أسال لعابه بامتلاكها أكبر احتياط مؤكَّد بـ303 مليار برميل، ما يعادل 17 بالمائة من احتياط النفط العالمي كلّه.
وقال ترامب إنّ الشركات النفطية الأمريكية الكبرى ستدخل فنزويلا قريبا لاستغلال هذا الثروة، علما أنّ الرئيس مادورو كان يفضّل التعامل مع الصين في استغلالها ولصالح شعبه فقط، وهذه هي “جريمتُه” الحقيقية التي ألّبت عليه ترامب ودفعته إلى غزو فنزويلا وخطفه ونقله إلى الأراضي الأمريكية بتلك الصورة المهينة لتخويف كلّ من يعارض سياسة البلطجة الأمريكية ودفعه إلى الاستسلام لإرادتها.
ولا ريب الآن أنّ مادورو سيدفع غاليا ثمن وقوفه ضدّ الأطماع الأمريكية في نهب ثروة بلاده النفطية والمعدنية
ولا ريب الآن أنّ مادورو سيدفع غاليا ثمن وقوفه ضدّ الأطماع الأمريكية في نهب ثروة بلاده النفطية والمعدنية، وقد يقضي باقي عمره في زنزانةٍ معزولة موحشة بسجنٍ أمريكي حتى يموت، لكنّ ما سيخلّده التاريخُ ويكتبه له بأحرف من ذهب أنّه عاش شامخًا أبيًّا حرًّا ورفض الانصياع للإملاءات الأمريكية إلى غاية غزو بلده وخطفه، وقد كان بإمكانه عقد صفقة مع ترامب وتقديم تنازلات له للبقاء رئيسًا لفنزويلا والتمتّع بما يدرُّه عليه المنصبُ الرفيع من امتيازات وريوع وجاه ونفوذ، لكنّه بقي متشبِّثا بمبادئه وفيًّا لقناعاته لا يساوم عليها إلى غاية اللحظة الأخيرة لسقوطه، في حين نرى حكَّاما عربا ومسلمين يتهافتون على الهرولة للاحتلال الصهيوني والتطبيع معه لكسب رضا الولايات المتحدة، ونرى آخرين يمنحونها تريليونات الدولارات بعد جولة قصيرة في عواصمهم لينالوا ودّها. وشتان بين صاحب القناعات التي لا يقبل التنازل عنها مهما كان الثمن الذي يدفعه، والمتشبِّثين بكراسي الحكم ولو سلّموا ثروات أوطانهم وشعوبِهم لأمريكا.
وحدها كوريا الشمالية أدركت منذ عقودٍ عديدة أنّ ما يُسمَّى “القانون الدولي” ليس سوى نكتة سمجة ابتدعها الغربُ لإلهاء الضعفاء في هذا العالم، في حين إنّه أوَّلُ من يخرقه من دون تردُّد حينما يتعارض مع مصالحه، فأصرّت على امتلاك السلاح النووي لحماية نفسها وردع الولايات المتحدة عن غزوها وإهانتها باختطاف رئيسها، وهو ما ينبغي أن تفعله بقيّةُ الدول التي تناوئ سياسة الهيمنة الأمريكية، وإلَّا سيلقى رؤساؤُها تِباعًا مصير مادورو ونورييغا أو مصير صدام حسين والقذافي- رحمهما الله-، فهذا العالمُ الظالم لا يؤمن إلا بالقوّة.
الشروق الجزائرية