"إسرائيل الكبرى" مرةً أخرى!

حسين لقرع
جيتي
جيتي
شارك الخبر
أثار السفيرُ الأمريكي لدى الكيان الصهيوني، مايك هاكابي، ضجة واسعة فور إدلائه بتصريح لصِحافيٍّ أمريكي أيّد فيه ابتلاع الاحتلال أراضي 8 دول عربية، كليا أو جزئيا، لإقامة “إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات” وعدّ ذلك “حقا توراتيا” لليهود، وقال حرفيًّا: “لا مانع لو أخذوا كلَّ ذلك”!

تصريحُ السفير الأمريكي أثار غضبا واسعا لدى الدول العربية، وندّدت به 14 دولة، فضلا عن مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وعدَّته مخالفا للقانون الدولي، ولالتزامات الإدارة الأمريكية القائمة على “حل الدولتين”، واعتداءً سافرًا على سيادة 8 دول عربية معنية بـ”إسرائيل الكبرى” وهي، للتذكير: فلسطين ولبنان وسوريا والأردن والكويت كلها، وأجزاء واسعة من السعودية والعراق وصولًا إلى نهر الفرات ومصر وصولا إلى نهر النيل.

قبل تصريح السفير الأمريكي هاكابي، كان رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو قد أطلق أيضا تصريحا بالغ الخطورة في شهر أوت 2025، قال فيه لقناة “إي 24” العبرية، إنه “مرتبطٌ بشدّة بمَهمَّةٍ تاريخية وروحية تتعلّق برؤية إسرائيل الكبرى”، ويعني هذا التصريح لكلّ ذي عقل ولبّ أنّ نتنياهو سيحرص بنفسه على انجاز هذه “المهمة التاريخية والروحية”، وسيسعى إلى ذلك جاهدا بصفته رئيس وزراء الكيان، ومع ذلك لم يُثر تصريحُه الخطير سوى ردود أفعال عابرة، ثم تلاشى غضبُ القادة العرب، وعاد العديدُ منهم إلى الحديث مجدَّدا عن “حل الدولتين” و”ضرورة” نزع سلاح المقاومة في غزة، وسلاح حزب الله في لبنان لتحقيق “السلام العادل” مع الاحتلال؟!
نخشى أن يتكرّر السيناريو ذاتُه اليوم بعد إطلاق السفير الأمريكي اليهودي هاكابي تصريحه، وتتوقف الضجّة العربية بعد أيام قليلة من الآن

ونخشى أن يتكرّر السيناريو ذاتُه اليوم بعد إطلاق السفير الأمريكي اليهودي هاكابي تصريحه، وتتوقف الضجّة العربية بعد أيام قليلة من الآن، وهو بالمناسبة التصريح الثاني عن “إسرائيل الكبرى” في ظرف ستة أشهر فقط، ما يعني أنّ هناك تزايدا ملحوظا في اهتمام الكيان وحليفه الأمريكي بـ”إسرائيل الكبرى”، وربَّما رأى الطرفان أنّه الوقتُ المناسب لبداية تجسيد هذا المشروع الديني الصهيوني، الذي يتوارى الآن تحت اسم “تغيير خارطة الشرق الأوسط برمّتها” كما يردّد نتنياهو باستمرار.

المفارقة أنّنا بدأنا نسمع أصواتا عربية تتحدّث عن أن السفير الأمريكي في الكيان، هو يهوديٌّ متطرِّف، وأنّ تصريحه هذا شخصيٌّ ويعبّر عن وجهة نظره فقط، وليس عن موقف الرئيس ترامب، وتناسى هؤلاء الذين قرّروا دفن رؤوسهم في الرمال مرّة أخرى حتى لا يروا الحقيقة المُرعبة، أنّ الإدارة الأمريكية لم تُصدر أيَّ تعليق إلى حدّ الساعة تتبرّأ فيه من تصريح سفيرها، أو تقدِّم له -على الأقل- تصحيحا أو تأويلا يخفّف من غضب “حلفائها” العرب، ولزمت صمتا مطبقا يدلّ على رضاها الكامل عن هذا التصريح!

ثمّ، هل نسي هؤلاء المتحذلقون أن ترامب كان قد صرّح في 3 فيفري 2025 بأنّه يرى مساحة “إسرائيل” صغيرة جدا في الشرق الأوسط، وأنه “طالما فكّر في كيفية توسيعها”، والتصريحُ موثّقٌ بالصوت والصورة ومتاحٌ لكلّ من يريد الاطّلاعَ عليه؟!

وما دام السفير هاكابي قد صرّح بما يؤمن به مسؤولوه في البيت الأبيض، فإنّ القادة العرب، ولاسيما قادة الدول المعنية بـ”إسرائيل الكبرى” مدعوّون هذه المرة إلى أن يتعاملوا مع هذا الخطر الداهم بجدية كبيرة، خلافا لما حدث بعد تصريح نتنياهو في أوت 2025.. ينبغي أن يستفيق هؤلاء القادة من أوهامهم ويدركوا تمامًا أنّ اتفاقيات التطبيع لن تحمي دولهم من أطماع الاحتلال، فقد وقّعها في فترات سابقة حتى يتفرّغ لقضم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، ثم غزة الآن، وتهجير سكانهما تمهيدا لتصفية القضية الفلسطينية، وإذا نجح الاحتلالُ في ذلك، فستتّجه به أطماعُه إلى ابتلاع دول الجوار ولن يكترث بما وقّعه معها من اتفاقيات “سلام” لا يؤمن بها، واليهودُ معروفون بنقضهم العهود والمواثيق عبر التاريخ، وهذه حقيقة يؤكّدها القرآن الكريم في العديد من آياته، أفلا تتّعظون؟

في أوت الماضي، قلنا إن الدول العربية، وخاصة دول جوار فلسطين، مدعوّة الآن بعد أن أصدر نتنياهو تصريحه الخطير عن “مهمته الروحية والتاريخية”، إلى مراجعة مواقفها وسياساتها جذريًّا والكفّ عن معاداة المقاومة في غزة والضفة الغربية، والانتقال إلى دعمها بشتى الوسائل، وغضِّ الطرف عن تهريب السِّلاح إليها، إن لم يكن حبًّا فيها فمن باب المصلحة؛ لأن المقاومة هي خطّ الدفاع الأول عن دول الجوار، ومن مصلحتها أن تدعمها لمشاغلة العدوِّ ودفعه عنها..

وبرغم ذلك واصل بعضُهم ببلاهةٍ شديدة الحديث عن “ضرورة نزع سلاح المقاومة في غزة”! فهل يستيقظون هذه المرة على وقع تصريح هاكابي؟ نأمل ذلك، وإن لم يفعلوا وساهموا في القضاء على المقاومة في القطاع، فسيبتلع الاحتلال دولهم في مرحلة لاحقة الواحدة تلو الأخرى لإقامة “إسرائيل الكبرى”، وسيدفعون غاليًّا ثمن التعامي عن الحقيقة وإصرارهم على الانبطاح والخيانة.

الشروق الجزائرية
التعليقات (0)