إيران ليست فنزويلا

حسين لقرع
جيتي
جيتي
شارك الخبر
تتّجه أنظارُ العالم إلى مدينة إسطنبول التركية، حيث تُجرى يوم الجمعة مفاوضاتٌ جديدة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن عدّة قضايا أبرزها البرنامج النووي الإيراني وبرنامجها الصاروخي.

وتخوض إيران هذه المفاوضات ويدُها على الزناد تحسُّبا لتكرار خديعة جوان الماضي؛ إذ كانت تفاوض المبعوثين الأمريكيين في سلطنة عمان ثم جنيف السويسرية بشأن القضايا ذاتها، لكنْ سرعان ما تبيّن أنّ تلك المفاوضات كانت مجرّد غطاءٍ أمريكي مُخادِع لعدوان عسكري صهيوني واسع باغتَ إيران وقضى على العشرات من كبار قادتها العسكريين وعلمائها النوويين وألحق بها خسائر مادية فادحة.

اللافتُ في مفاوضات إسطنبول، أنّ الولايات المتحدة اشترطت مسبقا على إيران ثلاثة شروط لتجنُّب شنّ عدوان عسكري جديد عليها، وهي: تسليم 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصَّب بدرجة 60 بالمائة، وتدمير صواريخها بعيدة المدى التي يمكنها الوصول إلى الكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة، وقطع علاقاتها بـ ”محور المقاومة” في المنطقة، ويتمثل في “حماس” و ”الجهاد” في غزة، و ”حزب الله” اللبناني، و ”أنصار الله” الحوثيين في اليمن، وفصائل “الحشد الشعبي” العراقي.

وإذا تشبّثت الولايات المتحدة بهذه الشروط الثلاثة، ورفضت أيّ تراجع عنها وأصرّت على أن تلبّيها إيران كاملةً، فمعنى هذا أنّها مصرّة على الحرب وهي تخوض مفاوضات إسطنبول بهدف إقامة الحجة فقط على إيران وتحميلها مسؤولية اندلاع الحرب أمام العالم؛ ذلك أنّ أقصى تنازلٍ يمكن أن تقدّمه طهران هو فقط تسليم الـ400 كلغ من اليورانيوم المخصَّب إلى روسيا –وليس إلى أمريكا- تمامًا كما فعلت في عام 2015 تلبية لشرط مجموعة الست للوصول إلى اتفاق نووي، وأمضِيَ الاتفاق آنذاك لكن ترامب الذي وصل إلى الرئاسة بعدها سارع إلى نقضه من جانب واحد في 2018 وفرض جملة من العقوبات الجديدة على إيران، واليوم تريد طهران توفير الأجواء لتوقيع اتفاق نووي جديد مع أمريكا يشبه اتفاق 2015، تعود فيه إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 بالمائة فقط وتسلّم اليورانيوم المخصَّب بنسبة 60 بالمائة إلى روسيا…

أما الشرطَان الآخران فيستحيل تلبيتُهما لأنّ قطع العلاقة مع محور المقاومة يعني تخلّي إيران عن نفوذها الإقليمي وعن القضية الفلسطينية ودعم المقاومة، أما الثاني فيعني التخلي عن مصدر قوّتها وردعها، وتمكين الاحتلال من ضربها كما يشاء وفي أيّ وقت كما يفعل الآن في لبنان وغزة من دون أن تستطيع الردّ.. والواقع أنّ شرط التخلي عن الصواريخ بعيدة المدى والاكتفاء بصواريخ لا يتعدّى مداها 200 كيلومتر هو شرطٌ تعجيزيٌّ ومُهين، وكأن ترامب يريد أن يقول للإيرانيين بسخرية: اتركوا الصهاينة يضربونكم كما شاؤوا وردّوا أنتم على النجف وكربلاء!

لذلك قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إنّ بلاده تريد مفاوضات في “أجواء خالية من التهديدات وبعيدة عن الإملاءات غير المنطقية، وتحترم السيادة الوطنية”، وهو كلامٌ منطقي يؤكّد أنّ إيران ماضية نحو المفاوضات لتجنّب الحرب وما تجلبه من دمار ومعاناة إضافية للإيرانيين، ولكن ليس بتقديم تنازلات مهينة ولا عبر الاستسلام الذليل للعجرفة الأمريكية والإملاءات الصهيونية، بل ببحث مخارج لبرنامجها النووي الذي تصرّ دائما على أنّه سلميٌّ وحقٌّ لها تكفله القوانين الدولية، واستبعاد أي حديث عن محور المقاومة والصواريخ بعيدة المدى خلال المفاوضات المرتَقبة.
الكيان الصهيوني يسعى جاهدا إلى جرّ الولايات المتحدة إلى خوض حرب مع إيران لتدمير ما بقي من قدراتها النووية والصاروخية

والواضح تماما أنّ الكيان الصهيوني يسعى جاهدا إلى جرّ الولايات المتحدة إلى خوض حرب مع إيران لتدمير ما بقي من قدراتها النووية والصاروخية نيابة عنه، ومن ثم تكريس مخطط نتنياهو لتغيير خارطة الشرق الأوسط جذريًّا وتدمير محور المقاومة وتصفية القضية الفلسطينية والبدء في إقامة “إسرائيل الكبرى”..

وإذا اندلعت هذه الحرب، فستتعرّض إيران بالتأكيد لخسائر بشرية ومادية كبيرة بالنظر إلى اختلال ميزان القوى كلّيا لصالح الولايات المتحدة، القوة الأعظم في العالم، لكنّ ينبغي التذكير أنّ أمريكا لن تجد السهولة ذاتها التي وجدتها في فنزويلا إذا شنّت حربا على إيران، فهي ليست فنزويلا التي أختُطف رئيسُها من قصره الرئاسي من دون أي مقاومة تُذكر من جيشها، إيران تختلف كلّيا، ويكفي فقط العودة إلى حرب الـ12 يوما في جوان الماضي لتأكيد هذه الحقيقة، إذ قاومت العدوان الصهيوني والأمريكي وأمطرت الكيان بوابل من الصواريخ والطائرات المسيَّرة التي خلّفت خسائر غير هيّنة ودفعت ترامب إلى التوسُّط لإنهاء الحرب.

وإذا اندلعت حربٌ جديدة فسيكون الكيان الصهيوني مجددا هدفا للصواريخ فرط صوتية والمسيَّرات الإيرانية، فضلا عن ضرب القواعد الأمريكية الـ55 بالمنطقة وحاملتي طائراتها وبوارجها وسفنها الحربية، وستحولّها إلى حرب إقليمية، وسيشارك فيها حزب الله والحوثيون وحتى الفصائل العراقية، وستضطرب الملاحة العالمية في مضيق هرمز وبحر العرب والبحر الأحمر وستقع أزمة طاقة عالمية كبيرة ترفع أسعار النفط إلى السقف… ولذلك قد يفضّل ترامب في آخر المطاف تجنُّب هذه الحرب غير مضمونة العواقب، والذهاب إلى تسوية مع القادة الإيرانيين تشمل البرنامج النووي الإيراني دون برنامجها الصاروخي.

الشروق الجزائرية
التعليقات (0)