سواء تعجل الهجوم الأمريكي «الإسرائيلي» على
إيران أو تأجل، فإن أحدا لا يملك ترف الانتظار ولا عواقبه، والحرب المتجددة واقعة فعلا في الداخل الإيراني، وعلى مدى شهور أعقبت فشل حرب يونيو 2025 ذات الاثني عشر يوما ضد إيران، وتبين كذب مزاعم دونالد
ترامب بمحو البرنامج النووي الإيراني، وشل برنامج الصواريخ الباليستية المتطورة، وادعاء ترامب بالذات، أنه كان من الممكن اغتيال المرشد الإيراني على
خامنئي.
ومع تعاقب الشهور، كان الأوروبيون قد لحقوا بالأمريكيين في فرض عقوبات الحد الأقصى على الاقتصاد الإيراني، وإطلاق «آلية الزناد» مع نهاية المدة الافتراضية للاتفاق النووي الإيراني في أكتوبر 2025، وما أعقبه من تفاقم حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، والتدهور غير المسبوق في قيمة العملة الإيرانية إلى حد التلاشي تقريبا، ووصول سعر الدولار الأمريكي إلى نحو المليون ونصف المليون «ريال» إيراني، ما كان سببا مباشرا في تفجير غضب التجار في «بازار» طهران، الذين يعانون أصلا من ركود طويل المدى في الأسواق، ووصل تذمرهم حد إعلان الإضراب لأول مرة في تاريخ علاقتهم مع نظام «الجمهورية الإسلامية».
ثم توالت الاحتجاجات الشعبية في عدد كبير من المدن الإيرانية منذ 28 ديسمبر 2025، وبدا ذلك مفهوما ومشروعا، إلا أن الأخطر جرى في ما بعد، فقد تحولت المظاهرات إلى مواجهات دموية عنيفة، سقط فيها المئات، أغلبهم طبعا من المحتجين السلميين على تردى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، لكن عشرات قتلوا أيضا من رجال الأمن وقوات الشرطة، ما بدا في صورة حرب داخلية متسعة، لم تنخفض حدتها إلا مع نزول ملايين المؤيدين للنظام القائم إلى الشارع، بعد قطع اتصالات الإنترنت، ووضوح كثافة التدخل الأمريكي «الإسرائيلي» في حوادث إيران الداخلية، وصدور تصريحات علنية لمسؤولين أمريكيين كبار، تتحدث عن وجود عناصر «الموساد الإسرائيلي» إلى جوار المتظاهرين الإيرانيين المحتجين.
ولم يعد من أحد عاقل ينكر أو يقلل من حجم الدور الأمريكي «الإسرائيلي» والغربي عموما في الأحداث الإيرانية الداخلية، ومن أعلى المستويات الأمريكية وتوابعها «الإسرائيلية»، وحتى الأوروبية الفاقعة، على طريقة المستشار الألماني فريدريش ميريتس، الذي عكست تصريحاته العلنية جوهر أمنياته، كان ميريتس نفسه، قد أشاد بالكيان «الإسرائيلي» خلال حرب الاثني عشر يوما، وقال نصا، «إسرائيل تقوم بالأعمال القذرة بالوكالة عن الغرب كله»، وعاد ميريتس في الأيام الأخيرة إلى تكرار الأمنية نفسها.
وقال نصا «إن أيام النظام الإيراني باتت معدودة»، فيما لم يخف مجرم الحرب «نتنياهو» هدفه في خطاب مباشر للشعب الإيراني، أشاد بما سماه «بطولة الشجعان الإيرانيين» وتمنى أن يسقط النظام الإيراني، وأن تعاود الأمة الفارسية تعاونها مع «إسرائيل» لخدمة ما سماه «ازدهار المنطقة وسلامها»، وهؤلاء مع أشباههم، لا يعنيهم طبعا ما ينسب للنظام من أوصاف الديكتاتورية والقمع الدموي الوحشي، وكل ما يعنيهم ـ طبعا ـ تصفية التقدم العلمي والنووي والصاروخي والفضائي للنظام الإيراني، والأهم ـ عندهم ـ عداء نظام «الجمهورية الإسلامية» لكيان
الاحتلال «الإسرائيلي» والتوحش الأمريكي، وإسناد طهران لحركات المقاومة المسلحة في لبنان وفلسطين بالذات، بصرف النظر عن الدواعي، وعن النزعات الطائفية المستشرية في منطقتنا من زمن، فإن أحدا لا ينازع في حقيقة كون إيران داعما وحيدا بالسلاح والمال لحركات المقاومة العربية المسلحة.
في حين تخضع أغلب الأنظمة العربية بدرجات متقاربة للأهداف والمطامع وحروب الإبادة «الإسرائيلية»، وقبلها للسياسات والتوجيهات الأمريكية، وبهدف نزع سلاح حركات المقاومة، والهدف الأعلى للأمريكيين و»الإسرائيليين» في هذه المرحلة بالذات، هو قطع الرأس الإيراني، إما بالهجوم العسكري الساحق، على طريقة ما جرى ويجري وسيجري، وإما بمساعدة الشعوب الإيرانية على التخلص من نظام المرشد خامنئي، وعلى طريقة ترامب المتبجحة، التي أعلنها صريحة، ودعا المتظاهرين الإيرانيين إلى السيطرة على «مؤسسات الدولة»، وقال لهم بوضوح إن «المساعدة» في الطريق إليكم .
والحقيقة الناطقة، أن «المساعدة» كانت وصلت بالفعل قبل أن يعلنها ترامب، ليس فقط بالدعم المالي، ولا بتسليح قطاعات «إرهابية» تخفّت في صفوف المحتجين، بل أيضا بمساعدات «تقنية» تمثلت في تقديم خدمة «ستار لينك»، وتوفير خدمة الإنترنت الفضائية عبر شبكة الأقمار الصناعية الخاصة بشركة الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، وقد فعلها ماسك بالتنسيق طبعا مع «الموساد» والمخابرات المركزية الأمريكية، وجرى توفير مئة ألف جهاز «موبايل» متطور، إضافة إلى 20 ألف طبق ومحطة استقبال أرضي للخدمة، لكن السلطات الإيرانية بدت مستعدة على ما يبدو للمواجهة التكنولوجية، وقامت بالتشويش الإلكتروني على محطات استقبال إشارات الأقمار الصناعية، وصادرت الكثير منها، كما نشر مدعما بالصور، وراحت تعتقل قادة الاحتجاجات الأعنف.
وأعلنت السلطة القضائية الإيرانية عن البدء في محاكمات عاجلة لمن وصفتهم بالجواسيس، وأيا ما كانت الموارد، التي اعتمدت عليها سلطات النظام الإيراني، وسواء كانت ذاتية، أو مقدمة كدعم تقنى من الأصدقاء الروس والصينيين، فإن النتائج كانت نجاحا ظاهرا للنظام الإيراني، وهزيمة مفاجئة مبكرة لشبكة «ستارلينك»، وعلى جبهة الحروب السيبرانية، حققت السلطات الإيرانية نجاحا حتى الآن في إحباط عمليات تعطيل شبكات «الإنترنت الداخلي» المسموح به في تشغيل مرافق حيوية كبرى.
إنها الحرب إذن، وقعت وتتصل، وتجري معاركها سجالا على جبهات النار والتكنولوجيا وتجنيد الجواسيس، وفي إيران بيئة خصبة لعمل الجواسيس، وقد سقط الكثير منهم بعد حرب الاثني عشر يوما، لكن آلافا آخرين ربما يكون جرى تجنيدهم من أجهزة مخابرات أمريكا وإسرائيل والغرب عموما، ليس فقط بسبب تردي الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في الداخل الإيراني عموما، ولأسباب بعضها يتصل بسوء الإدارة والفساد الداخلي، وأكثرها ناتج عن آلاف العقوبات الغربية المفروضة على إيران، منذ انتصار ثورة الإمام الخميني في فبراير 1979، وفي سياقات الفقر عموما يسهل تجنيد الجواسيس، خصوصا لو أضفنا عمل بعض الجهات العربية «الثرية» المساندة الخادمة لنشاط المخابرات الغربية و»الإسرائيلية»، وفي التكوين الإيراني ذاته، ما يفيد عمل التجسس الخارجي، فإيران دولة متعددة القوميات، وأقل كثيرا من نصف السكان ينتمون للقومية الفارسية السائدة، والباقون من قوميات أخرى كثيرة، تبرز بينها القوميات الكردية والتركمانية والعربية والأذرية والبلوشية وغيرها، إضافة لجالية يهودية واسعة نسبيا.
وعلى الخرائط، تضاعف الجغرافيا من حجم الخطر، فكل القوميات غير الفارسية، تبدو متصلة عبر الحدود ببنى جلدتها، فالأكراد الإيرانيون متصلون بالأكراد في تركيا والعراق وسوريا، والأذريون الإيرانيون متصلون بدولة أذربيجان اللصيقة، والبلوش في إيران على تواصل جغرافي مباشر مع البلوش في باكستان، والعرب في الغرب الإيراني على الشاطئ الشرقي للخليج العربي، وهذه الجماعات القومية، لها تواريخ تمرد دموية مع المركز الإيراني الفارسي، ومن هنا يختلط معنى التمرد القومي مع مصالح التجسس الراغب في هدم النظام الإيراني، وبما يجعل أغلب حدود إيران مثقوبة مخترقة وربما مفتوحة عمليا، يفوت منها جمل السلاح المهرب وغيره، خصوصا إذا أضفنا حقيقة وجود قواعد عسكرية كبرى للأمريكيين و»الإسرائيليين» على حدود إيران.
وربما يستفيد التكوين الإيراني تجانسا من اتباع أغلب القوميات للمذهب الشيعي الاثنى عشري الحاكم، وإن كان المذهب الشيعي مفيدا بدواعيه الاستشهادية المدافعة عن نظام آيات الله، لكن المذهب نفسه قد ينطوي على نقطة ضعف، تتمثل في سلوك «التقية» الموروث، الذي قد يسمح لجواسيس في التظاهر بصورة الإخلاص الثوري الكذوب، وفي التاريخ الإيراني الأقرب، سقط عشرات الجواسيس من المقاعد الأمامية للنظام القائم.
ورغم وجود نقاط الضعف، فلا يبدو أن إيران الحالية ستكون صيدا سهلا في حرب جارية متجددة، حتى لو جرى خطف أو اغتيال المرشد نفسه، وقد أثبت النظام مقدرته الهائلة على الصمود والتجديد الفوري لقياداته، على النحو الذي جرت عليه الأمور في مفاجآت «حرب الاثنى عشر يوما»، وما من مكان للمفاجأة هذه المرة، فالحرب جارية منذ شهور، والقدرات الصاروخية للجيش و»الحرس الثوري» مستنفرة، ومستعدة لردع الهجوم الأمريكي «الإسرائيلي» بأكبر بكثير مما كانت عليه في الحرب السابقة، حتى لو استخدم العدو الأمريكي «الإسرائيلي» أقصى ما في وسعه عسكريا وتكنولوجيا، خصوصا مع دعم صيني وروسي محسوس لدفاعات إيران الجوية، وقد لا يتوقع عاقل أن يسقط النظام الإيراني بضربات الجو مهما بلغت ضراوتها، فوراء النظام كتلة شعبية صلبة لا تزال مؤثرة رغم الخنق الاقتصادي، والحرب المتجددة قد تتعدى حدود إيران، وبالذات مع الشهوة الأمريكية «الإسرائيلية» للقضاء على «حزب الله» في لبنان، وإمكانية اشتعال النيران العارمة مجددا من «غزة» إلى طهران .
القدس العربي