في عامي 2017 و2018، وصل التصعيد بين أمريكا وكوريا الشمالية إلى ذروته. وحشدت أمريكا في المحيط الهادئ البوارج وحاملات الطائرات والترسانة العسكرية، وعاش العالم أجواء حرب منتظرة وحتمية.
وفي طبيعة الحال، فإن أي مواجهة أمريكية/كورية شمالية مخاطرها تكمن في الانزلاق نحو حرب نووية.
والتصعيد الأمريكي/الكوري لم يكن مسرحيًا أو استعراضيًا، بل حقيقيًا وخطيرًا، وتراكمت المخاطر عندما ظهر الرئيس الكوري الشمالي مهددًا بـ»الزر النووي». سارعت الدبلوماسية باستيعاب التصعيد والتوتر الأمريكي/الكوري. وظهر الرئيس الأمريكي
ترامب ورئيس كوريا الشمالية كيم كونغ في قمة يتصافحان ويتبادلان النكت، وطوي فصل من التصعيد العسكري، وفتحت قنوات سياسية ودبلوماسية، بعدما هدد ترامب بإزالة كوريا الشمالية عن الوجود.
ليست المواجهة الأولى بين أمريكا وفرقائها وخصومها من المحور العالمي المضاد للسياسة الأمريكية، وتنتهي إلى تفاوض وحلول دبلوماسية وسلمية وتخفيض للتوتر والتصعيد العسكري.
اليوم، الشرق الأوسط يشهد تحشيدًا عسكريًا ومسارًا أمريكيًا مفتوحًا إلى إسناد عسكري ولوجستي يحضر إلى حرب ما في الشرق الأوسط. حشود وتهديدات عسكرية، وتداخلات سياسية. ويبدو أن فكرة الحرب ليست موضوعًا نظريًا، وإنما في الحالة
الإيرانية تدخل في الحسابات شبه المحسومة في رأس ترامب والقيادة العسكرية الأمريكية.
الحرب على إيران ليست قرارًا مستجدًا في الإدارة الأمريكية. الإقليم من عامين يعيش على إيقاع تجارب قاسية ومواجهات متقطعة، وسياسة وقرار عسكري أمريكي وإسرائيلي يحضر ويمهد إلى حرب كبرى.
ويتجدد السؤال، وبعد فتح قنوات تفاوض بين واشنطن وطهران، ودخول روسيا وتركيا ومصر على خط التفاوض بين البلدين.
ما هي السيناريوهات المطروحة؟ وهل تنفذ أمريكا تهديدها على إيران؟ أم أن القنوات السياسية والدبلوماسية سوف تنجح في جر الصراع والتصعيد الأمريكي/الإيراني إلى حالة اللاحرب والاحتواء بدلًا من المواجهة المفتوحة بالسلاح.
التصعيد العسكري لا يعني أحيانًا إعلان حرب، لربما يكون فرض قوة لتحسين شروط التفاوض. وفي تاريخ الصراعات والحروب ثمة علاقة جدلية بين التفاوض والحرب.
ويأتي التفاوض ليردم فكرة الحرب، ويكشف أطراف الصراع خطورة الحرب، وأحيانًا الجاهزية، وأحيانًا ما وراء الحرب واليوم التالي.
كما في الأزمة الأمريكية/الكورية الشمالية. ففي عام 1962، وما يعرف بأزمة خليج الخنازير، بلغ التوتر الأمريكي/السوفيتي ذروته، صواريخ نووية وحصار بحري، وتهديدات متبادلة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، وذلك على خلفية نشر السوفييت لصواريخ نووية في كوبا.
وكادت أن تشتعل حرب نووية بين القطبين الأمريكي والسوفيتي. ولكن، ما بعد التهديدات والتوتر والتصعيد النووي والعسكري، فُتحت قنوات سياسية توافقت على خطر الحرب في حال اندلاعها، وما هي العواقب الوخيمة لحرب نووية؟
هل أمريكا تقدر في حساباتها اليوم التالي للحرب، وما بعد إزالة أو إسقاط نظام طهران؟
وتراجعت واشنطن وموسكو عن الخطوات والمسارات التصعيدية، وبرزت أصوات سياسية ودبلوماسية عقلانية احتوت الأزمة، وأسفرت عن انسحاب روسي من جزيرة كوبا وتفكيك الصواريخ النووية.
حروب أمريكا في القرنين العشرين والحادي والعشرين مشاريع فاشلة. وفي حرب العراق 2003 وسقوط نظام صدام حسين، اعترف سياسيون وعسكريون أمريكيون لاحقًا أنها حرب فاشلة، ولم تحقق أي مصالح استراتيجية أمريكية، وفتحت الإقليم أمام تداعيات خطيرة.
ولكن، الإدارة الأمريكية، والرئيس جورج بوش الابن والمحافظون الجدد في لحظتها أصروا على مشروع الحرب، وروجت واشنطن إلى افتراءات ضد نظام صدام حسين، وامتلاكه لسلاح نووي ودعمه لتنظيم القاعدة الإرهابي بعد أحداث 11 أيلول.
اليوم، في التصعيد الأمريكي/الإيراني يبدو أن فرضية الحرب ما زالت كاسحة ومتقدمة، ورغم فتح أبواب التفاوض وعبر قنوات إقليمية ودولية.
كلفة الحرب على إيران بالتأكيد مدرجة بالحسابات الأمريكية، وخصوصًا ما يتعلق بتأثيرات الحرب على الأمن البحري وحركة الملاحة، ومضيق هرمز وأمن الطاقة العالمي، وتوسع الحرب إقليميًا.
سيناريو وفكرة الحرب في المخطط الأمريكي لربما جاهزة ومحسومة. ولكن، هل أمريكا تقدر في حساباتها اليوم التالي للحرب، وما بعد إزالة أو إسقاط نظام طهران؟
وفي حسابات واشنطن، هل درسوا سيناريو وخيار الحرب الكبرى وانزلاق الإقليم إلى حرب مفتوحة؟لربما أن قرار الحرب قد تمت دراسته والاستعداد والتحضير له، وكما أن واشنطن تدير التصعيد مع إيران. ولكن، ماذا لو كانت الحرب على إيران شرارة لاندلاع حرب كبرى، وما وراء الإقليم؟!
لا ضمانات تُذكر، وعند وقوع الحرب والانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، لا تنفع كل الأمنيات والأعذار، وحتى العودة إلى طاولة التفاوض ستكون أعلى كلفة سياسيًا واستراتيجيًا.
في العالم والإقليم، لا أحد يريد الحرب على إيران إلا ترامب ونتنياهو. ما سوف يفرمل مشروع الحرب على إيران ظهور متغيرات في حسابات الأمريكيين فقط، ولا غيرهم. ومن يقرر الحرب واللاحرب هو ترامب، ولا أحد في العالم قادر على رفع رأسه أو إشارة حمراء في وجه وحش توج نفسه إمبراطورًا وحاكمًا للكرة الأرضية.
الدستور الأردنية