معركة السرديات.. هل تقتصر كتابة التاريخ على "المنتصرين"؟

قطب العربي
"اجتهدتُ أن أقدم شهادة من داخل مركز صناعة القرار الإعلامي في تلك الفترة لتستفيد منها الأجيال التي لم تشهدها، وكذا للباحثين عن الحقيقة"- عربي21
"اجتهدتُ أن أقدم شهادة من داخل مركز صناعة القرار الإعلامي في تلك الفترة لتستفيد منها الأجيال التي لم تشهدها، وكذا للباحثين عن الحقيقة"- عربي21
شارك الخبر
"التاريخ يكتبه المنتصرون".. مقولة راجت طيلة العقود الماضية ينسبها البعض للزعيم البريطاني ونستون تشرشل، أو للزعيم النازي أدولف هتلر، أو لليميني الفرنسي المتطرف روبار برازياك، وأيا كان صاحب المقولة الأصلي، فهي ليست قاعدة دينية أو قانونية أو علمية، بل هي محض تعبير شخصي في لحظة معينة، وهي في تقديري تعبير عن قوة المنتصر في فرض رؤيته وسرديته، ولو لبعض الوقت، وكذا فرض وقائع جديدة على الأرض ومحو اسم وإنجازات من سبقه.. إلخ.

نعم المنتصرون يكتبون تاريخهم ويفرضونه بسطوتهم، لكن هذا لا يعني البتة أن المنهزمين أو الخاسرين لا يستطيعون كتابة روايتهم، الصحيح أنهم مطالبون بكتابة هذه الرواية حتى وإن لم يتمكنوا من إعلانها في وقتها، فسيأتي الوقت الذي تظهر فيه هذه الرواية والتي ستجد من يستمع إليها، وحتى من ينحاز لها، ويعيد قراءة وتفسير الأحداث على هداها، بل إن هذا الخاسر لجولة قد يعود منتصرا في جولة تالية فيكون لديه توثيق ورواية متماسكة للجولة الخاسرة يستفيد بها في جولته الجديدة..

* * *
نحن أمام معركة سرديات، ومن لا يستطيع تقديم روايته وسرديته سيجد نفسه أمام سردية ورواية خصومه وأعدائه، التي ستنطلق في فراغ لتملأه

نحن أمام معركة سرديات، ومن لا يستطيع تقديم روايته وسرديته سيجد نفسه أمام سردية ورواية خصومه وأعدائه، التي ستنطلق في فراغ لتملأه. من هنا سارعت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بتسجيل ونشر سرديتها لطوفان الأقصى، وقد نجحت طيلة فترة الحرب عبر بياناتها وتصريحاتها في مواجهة سردية الكيان رغم ما حققه من دمار للبشر والحجر في غزة، ورغم انحياز معظم المنابر الإعلامية العالمية التقليدية له ولروايته، لكن إعلام المقاومة، وروايتها للتطورات نجحت في الوصول إلى جماهير واسعة الشباب في الغرب وخاصة الولايات المتحدة، وقد شهدنا مظاهرات ذلك الشباب في الجامعات العالمية الكبرى التي تخرج قادة المستقبل.

معركة السرديات قائمة في أكثر من ميدان، سواء على الصعيد العالمي أو حتى المحلي، فالحكام المتغلبون يفرضون سرديتهم في بلدانهم، يفرضونها على كتب التاريخ التي تدرس في المدارس والجامعات، ويفرضونها في الأعمال الثقافية والفنية التي تصيغ عقول الشعب. لم نكن نعرف ونحن صغار في مصر أن أول رئيس لمصر هو محمد نجيب، بل كنا نردد اسم جمال عبد الناصر بلا أدنى تلعثم، لقد محوا اسم محمد نجيب من التاريخ بينما كان الرجل لا يزال حيا في مقر إقامته الجبرية. وقد روى في مذكراته "كنت رئيسا لمصر" (والتي ساهمت بالمناسبة في رد جزء من الاعتبار له) أن موظفا في جهاز الإحصاء الحكومي زاره في بيته لتسجيل بياناته ضمن مشروع للتعداد السكاني، وسأله عن وظيفته فأخبره أنه رئيس سابق، وغضب الموظف ظنا أن الرجل يسخر منه، لأنه لا يعرف رئيسا سابقا في ذلك الوقت سوى جمال عبد الناصر!!

* * *

في مصر أيضا وبعد انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013 جرى -ولا يزال يجري- تشويه التاريخ الذي عاشه المصريون واقعا، وكانوا جزءا منه، وتم حذف جزء كبير من أرشيف ثورة يناير، ودور القوى التي صنعتها أو شاركت فيها، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وبقية القوى الإسلامية وبعض القوى المدنية، من الصحف والمواقع الإخبارية وحتى القنوات الفضائية؛ أتحدث هنا عن تجربة شخصية فكثير من مقالاتي ومشاركاتي لم أعد أجدها حين أبحث عنها في الأرشيف، وهو أمر تكرر مع كتاب وشخصيات كثيرة غيري، وفي مقابل ذلك سعى النظام الجديد من أول يوم له إلى فرض رؤيته وسرديته؛ بدءا بصور جرى عليها كثير من التزييف والتضخيم لمظاهرات 30 حزيران/ يونيو 2013، ثم حكايات وقصص كاذبة لا شاهد عليها إلا راويها، بينما ترقد أطرافها الأخرى إما في المقابر، أو تقبع في زنازين السجون، ليس مسموحا لها الحديث، أو حتى استقبال زيارات ذويها، ثم يتم توثيق هذه السردية المضللة في كتب وروايات وأفلام ومسلسلات تصرف عليها المليارات.

بهذا الفهم لمعركة السرديات اجتهدتُ في تقديم سردية موضوعية لتعامل الرئيس الراحل محمد مرسي وإدارته للمشهد الإعلامي خلال سنة حكمه (حزيران/ يونيو 2012- حزيران/ يونيو 2013)، وضمنتها في كتاب "مرسي والإعلام معركة الذاكرة.. رؤية من الداخل"

في المثل الشعبي المصري "الزن على الأذن أمرّ من السحر"، وهو ترجمة شعبية لمقولة وزير الإعلام النازي جوبلز "اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس".. لا يهم هؤلاء الكذابين أن يوصفوا بهذا الوصف في الدنيا أو الآخرة (لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)؛ كل ما يهمهم هو فرض رواية لتثبيت سلطتهم، وتشويه خصومهم، وإقناع الشعب بها.

* * *

حماية الذاكرة فرض كفاية، ينبغي القيام به حتى لا يأثم الجميع، على من يشارك في العمل العام، سواء بحمل مسئولية سياسية أو تنفيذية أو دعوية أو اجتماعية.. الخ، توثيق شهادته، وما واجهه من تحديات وعقبات؛ هذا التسجيل هو حفظ للذاكرة الوطنية، وليس من أعمال الرياء كما فهم البعض، ودفعهم هذا الفهم لحجب إنجازاتهم تجنبا لتلك الشبهة. هذا حق طبيعي للمجتمع، سواء للأجيال الحالية أو الأجيال المقبلة، فكثير من الأحداث والمعلومات والأسرار ماتت بموت أصحابها قبل أن يسجلوها، ونجح خصومهم وأعداؤهم في فرض روايات كاذبة، أصبحت هي التاريخ المعتمد والذي يدرس.

بهذا الفهم لمعركة السرديات اجتهدتُ في تقديم سردية موضوعية لتعامل الرئيس الراحل محمد مرسي وإدارته للمشهد الإعلامي خلال سنة حكمه (حزيران/ يونيو 2012- حزيران/ يونيو 2013)، وضمنتها في كتاب "مرسي والإعلام معركة الذاكرة.. رؤية من الداخل"، والذي تواكب نشره مع الذكرى الخامسة عشر لثورة يناير المصرية وللربيع العربي عموما.

اجتهدتُ أن أقدم شهادة من داخل مركز صناعة القرار الإعلامي في تلك الفترة لتستفيد منها الأجيال التي لم تشهدها، وكذا للباحثين عن الحقيقة سواء كانوا إعلاميين أو باحثين أو سياسيين.. إلخ، حاولت خلال هذه الشهادة أن أضع يدي على نجاحات وإخفاقات التجربة، والتحديات التي واجهتها، سواء كانت داخلية ممثلة في الدولة العميقة وشبكة تحالفاتها المحلية، أو القوى الإقليمية الرافضة لانتصار الثورة المصرية، ولوصول رئيس ذي خلفية إسلامية للحكم، وأُنفقت مليارات الجنيهات لتشويه الثورة وفترة حكم الرئيس مرسي. وكم أتمنى أن يسارع من يمتلكون مهارة الكتابة والتسجيل ممن تولوا المسئولية لتسجيل شهاداتهم، أو حتى أن يستعينوا بكتاب محترفين لتسجيل تلك الشهادات، وهذا أمر متعارف عليه في كتابة المذكرات، حتى وإن لم يستطيعوا نشرها حاليا، فسيمكن نشرها لاحقا.

x.com/kotbelaraby
التعليقات (0)