إدارة الهزيمة: كيف ارتدّت "الدولة العميقة" على وعي يناير؟

محمد عزت الشريف
"ما جرى بعد يناير لم يكن فشلا للثورة، بل نجاحا للخصم في إدارة هزيمته أمامها"- جيتي
"ما جرى بعد يناير لم يكن فشلا للثورة، بل نجاحا للخصم في إدارة هزيمته أمامها"- جيتي
شارك الخبر
لم تكن ذكرى 25 يناير في وجدان المصريين مجرد تاريخ في التقويم، بل كانت زلزالا وجوديا أطاح بالشرعية القسرية التي شيدها نظام مبارك عبر عقود. واليوم، ونحن في عام 2026، نحتاج إلى قراءة هذا المشهد ببرود المشرحة لا بحرارة الميدان؛ لا لاستدعاء الحنين، بل لفهم الكيفية التي نجحت بها الدولة العميقة في الانتقال من لحظة الاعتراف بالهزيمة وذهول الانكسار الذي تجلّى في 28 كانون الثاني/ يناير 2011، إلى المرحلة الأخطر والأكثر تركيبا: مرحلة إدارة الهزيمة.

انهيار الدولة العميقة: تحالف الجسد والظل

يجب تحطيم الوهم الذي يحاول الفصل بين "الدولة العميقة" و"النظام الشمولي المستبد"، فبينما يمثّل النظام القشرة السياسية الظاهرة، تظل الدولة العميقة هي العصب المظلم؛ شبكة المصالح الأمنية والمالية والقضائية التي لا تتنفس إلا برئة الاستبداد.

يجب تحطيم الوهم الذي يحاول الفصل بين "الدولة العميقة" و"النظام الشمولي المستبد"، فبينما يمثّل النظام القشرة السياسية الظاهرة، تظل الدولة العميقة هي العصب المظلم؛ شبكة المصالح الأمنية والمالية والقضائية التي لا تتنفس إلا برئة الاستبداد

لقد استوعب هذا الكيان صدمة يناير، ثم نفّذ ما يمكن تسميته بـ"Fast Break"؛ هجمة مرتدة انتقلت خلالها الدولة العميقة من موقع الدفاع إلى المبادرة، عبر عملية انتحال سيادة كبرى، استعارت أدوات الثورة ذاتها، لا لتطويرها، بل للارتداد بها على جوهرها، وارتداء ثوب "الحامي" لمطالب كانت هي المستهدف الأساسي منها.

إن هذا الانتحال ليس مجرد خداع بصري، بل هو استيلاء ممنهج على الشرعية الثورية، وتجييرها لصالح استمرارية القمع بأسماء جديدة.

قائد الثورة العبقري: "الهدف"

يحاول "مبرمجو الصمت" اليوم تصوير يناير كفعل ناقص بسبب غياب القيادة، غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن عبقرية الثورة كَمنَت في أن قائدها لم يكن شخصا، بل كان الهدف نفسه: "العيش- الحرية- الكرامة"، وهو قائد لا تملك أجهزة القمع كودا لاعتقاله.

حين يكون الهدف هو القائد، تتحول الثورة إلى فعل جراحي في نتائجه؛ ينتقل من السكون السلبي إلى حركة تاريخية لا يحدها زمان ولا يحتويها مكان. لقد منع غيابُ "الرأس" النظامَ من تنفيذ استراتيجيته التقليدية في قطع الرأس لإيقاف الجسد، فتحول الجسد كله إلى رأس مفكّر بالهدف. هكذا أصبحت الثورة حالة سيولة تاريخية يستعصي حصرها أو تجفيف منابعها.

هندسة التزييف وإعدام الحيز العام

تجلّت بشاعة إدارة الهزيمة في تصميم الوعي المزيّف؛ عبر صهر المتناقضات، وتحويل 25 يناير إلى مسخ هجين يجمع قسرا بين الثورة والجهاز الذي قامت ضده. ويظهر ذلك بوضوح في استراتيجية إعدام الحيز العام (Urbicide).

فحصار مسجد القائد إبراهيم بالكتل الخرسانية لم يكن فعلا معماريا محايدا، بل محاولة مقصودة لحجب أفق الحرية عن البحر، وقطع الصلة بين الذاكرة والمكان. هذه الجدران ليست تعبيرا عن القوة، بل اعترافا صريحا برهاب المكان. إنها سعي لإشاعة الصمت عبر تشويه الجغرافيا التي شهدت ولادة الوعي.

السيادة المختطفة: خصخصة الإنتاج كأداة للهيمنة

لم تقتصر إدارة الهزيمة على المجال السياسي، بل امتدت إلى الاقتصاد عبر ما يمكن تسميته بالخصخصة السيادية. لقد جرى تفكيك الاقتصاد الوطني وتحويله إلى إقطاعيات سيادية تسيطر عليها الشبكة ذاتها من المصالح، بحيث أصبحت الدولة العميقة هي المالك والمنتج والمراقب في آن واحد.

أدى هذا التغوّل إلى إزاحة القطاع الشعبي والخاص الحقيقي، ليحل محله اقتصاد إحكام الحصار؛ اقتصاد يربط رغيف الخبز بالولاء السياسي.

إن هذه الخصخصة هي الوجه الاقتصادي لانتحال السيادة، فحين تُبتلع أصول الدولة لتصبح وقودا لبقاء العصب المظلم، يتحول المجتمع بأكمله إلى رهينة معاشية. ولا يمكن لوعيٍ أن يتحرر وهو مرتهن لجوعٍ تمت برمجته بعناية، فمن لا يملك قوت يومه، يظل عرضة لابتزاز سلطة تساوم الإنسان على كرامته مقابل لقمة عيش مغموسة بالتبعية.

المسار البديل: من الاحتجاج إلى التأسيس السيادي
لمواجهة إدارة الهزيمة، لا يكفي الاستمرار في خانة الاحتجاج. المطلوب هو الانتقال إلى التأسيس السيادي عبر مسارات موازية

لمواجهة إدارة الهزيمة، لا يكفي الاستمرار في خانة الاحتجاج. المطلوب هو الانتقال إلى التأسيس السيادي عبر مسارات موازية:

- اقتصاديا (تفكيك إقطاعيات السيادة):

البدء في تأسيس تعاونيات إنتاج شعبي عابرة للجغرافيا التقليدية، والرهان على السيادة الغذائية والمعلوماتية كفعل تحرري موازٍ. ويبدأ ذلك بتجارب صغيرة قابلة للتكرار، لا بمشاريع كبرى يسهل احتواؤها أو اختراقها.

- إعلاميا (تحطيم هندسة الصمت):

التوقف عن لعب دور الصدى داخل إمبراطوريات إعلامية تتبنى سردية الجاني. المطلوب هو خلق مصطلحاتنا السيادية الخاصة، وتأسيس منصات لا تمر عبر بروتوكولات "الحياد الزائف". ويبدأ ذلك بتفكيك لغة السلطة قبل تفكيك خطابها، لأن السيطرة تبدأ من المفردة لا من المنصة.

الختام

ما جرى بعد يناير لم يكن فشلا للثورة، بل نجاحا للخصم في إدارة هزيمته أمامها. خلف الاستعلاء الأمني، تكمن حالة ذعر الجذور. فالثورة تحولت إلى فعل بنيوي يؤسس لسيادة تبدأ من استقلال الرغيف، وتحرير الوعي من هندسة الحصار.

لسنا بصدد انتظار انتصارات خاطفة، بل نحن في مرحلة التجذّر العميق؛ حيث تبني يناير وعيا عابرا للقمع، يثبت أن إرادة الحياة هي القانون الوحيد الذي لا يقبل الفناء، وأن الدولة العميقة -مهما تضخمت- تظل ظلا يتبدد أمام ضوء الحقيقة المنطقية والوجدانية.
التعليقات (0)