لم تكن
ثورة الخامس والعشرين من يناير مجرد احتجاج عابر في سجل السياسة
المصرية، ولا محطة
انتهت بانتصار أو هزيمة، بل كانت لحظة فاصلة أعادت تعريف العلاقة بين الدولة
والمجتمع، وكسرت واحدة من أعمق المسلّمات التي حكمت التاريخ المصري الحديث: أن
الشعب خارج المعادلة، وأن السياسة شأن مغلق على النخبة والسلطة. بهذا المعنى، تمثل
يناير حدثا مركزيا في التاريخ المصري المعاصر، ليس فقط بما وقع خلالها، بل بما
فتحته من أفق جديد للوعي، وبما طرحته من أسئلة لا تزال حاضرة بقوة في قلب الواقع
المصري اليوم، وستظل كذلك في أي تصور جاد للمستقبل.
من هنا،
فإن
توثيق ثورة يناير لا يتعلق بالماضي وحده، بل بالحاضر والمستقبل معا. إنه ليس
حنينا إلى لحظة انتهت، ولا دفاعا عاطفيا عن تجربة أُجهضت، بل معركة على الذاكرة
والمعنى والشرعية. فالثورات التي تُهزم سياسيا لا تنتهي بالضرورة، بل تنتقل إلى
مستوى أعمق من الصراع: من يملك حق رواية ما جرى؟ وكيف يُفهم؟ وما الذي يُراد له أن
يبقى أو يُمحى من الوعي الجمعي؟
توثيق ثورة يناير لا يتعلق بالماضي وحده، بل بالحاضر والمستقبل معا. إنه ليس حنينا إلى لحظة انتهت، ولا دفاعا عاطفيا عن تجربة أُجهضت، بل معركة على الذاكرة والمعنى والشرعية
لقد أدركت
السلطة مبكرا أن السيطرة على السردية التاريخية لا تقل أهمية عن السيطرة الأمنية، فالتاريخ
غير الموثق، أو المشوَّه، يصبح أداة فعالة لإعادة إنتاج الخضوع، وتجريم الفعل
الشعبي، وتحويل الثورة من تعبير عن كرامة جماعية إلى "مؤامرة" أو "فوضى".
وفي الحالة المصرية، لم يكن الهجوم على يناير مجرد اختلاف في التقييم، بل مشروعا
متكاملا لنزع الشرعية عن فكرة التغيير نفسها، وتحويلها إلى خطر وجودي في الوعي
العام.
من هنا
تتجلى أهمية توثيق ثورة يناير بوصفه فعلا سياسيا واستراتيجيا بامتياز. فالتوثيق
ليس عملا أرشيفيا محايدا، ولا نشاطا ثقافيا للنخبة، بل هو خط الدفاع الأول عن
الحقيقة التاريخية، وعن حق المجتمع في أن يعرف ما جرى كما جرى، لا كما أُعيدت
صياغته لاحقا. التوثيق الجاد لا يهدف إلى تمجيد يناير أو تحويلها إلى أسطورة، بل
إلى تثبيتها في سياقها الواقعي، بما لها وما عليها، كمسار إنساني وسياسي معقد، لا
كحكاية مبسطة للاستهلاك الدعائي.
كما أن
توثيق يناير ضرورة أخلاقية تجاه الفاعلين الحقيقيين فيها. فالثورة لم يصنعها خطاب
سياسي أو قيادة مركزية، بل ملايين المصريين الذين خرجوا من هامش الخوف إلى قلب
الفعل العام. الشهداء، والمصابون، والمعتقلون، والناس العاديون الذين كسروا جدار
الصمت، جميعهم يملكون حقا أصيلا في أن تُحفظ تجربتهم من المحو والتشويه. إن إهمال
توثيق هذه التجارب يفتح الباب لإعادة كتابة التاريخ من أعلى، وتحويل الشعب من فاعل
إلى متهم.
وعلى
المستوى الاستراتيجي، يمثل توثيق ثورة يناير استثمارا في وعي الأجيال القادمة.
فجيل جديد نشأ بعد 2011 لم يعش الميدان، لكنه يعيش آثار الثورة وإجهاضها. هذا
الجيل بحاجة إلى معرفة متماسكة، لا روايات متناقضة، تساعده على الفهم لا على
التقديس أو الرفض المطلق. فالتوثيق هنا لا يقدم نموذجا يُستنسخ، بل خبرة تاريخية
تُستوعب، بما فيها من نجاحات وإخفاقات، لتكون قاعدة لأي تفكير مستقبلي في التغيير.
غير أن
السؤال الجوهري لا يقتصر على "لماذا نوثّق؟"، بل يمتد إلى "كيف
نوثّق؟". فتوثيق يناير لا يمكن أن يكون انتقائيا أو أحادي المنهج. المطلوب
مقاربة متعددة المستويات، تجمع بين التاريخ الشفوي، والتوثيق الوثائقي، والتحليل
الأكاديمي النقدي. التاريخ الشفوي، عبر تسجيل شهادات المشاركين من مختلف الطبقات
والمناطق والانتماءات، يلتقط البعد الإنساني والنفسي للثورة، ويكشف ديناميات
الشارع التي لا تظهر في الوثائق الرسمية. لكنه في الوقت ذاته يحتاج إلى تدقيق
ومقارنة، حتى لا يتحول إلى روايات فردية معزولة عن السياق.
أما
التوثيق الوثائقي، فيشمل جمع البيانات، والقرارات الرسمية، والخطابات السياسية،
والمحتوى الإعلامي، والصور، والفيديوهات، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي. هذه
المواد، حين تُؤرشف وتُصنف زمنيا وموضوعيا، تتيح قراءة تطور الثورة ومسارها بعيدا
عن الذاكرة الانتقائية أو الانطباعات اللاحقة. ويأتي التحليل الأكاديمي ليمنح هذه
المادة عمقها، عبر ربط الحدث ببنية الدولة، وطبيعة الاقتصاد السياسي، ودور المؤسسة
الأمنية، والعوامل الإقليمية والدولية التي أسهمت في تشكيل المسار الثوري وإجهاضه.
ليست الغاية أن تبقى يناير ذكرى احتفالية، بل أن تبقى سؤالا مفتوحا عن الحرية والعدالة والكرامة، وعن العلاقة بين الدولة والمجتمع. ومن يربح معركة الذاكرة اليوم، يملك فرصة حقيقية للتأثير في معركة المستقبل
وفي العصر
الرقمي، لا يكتمل التوثيق دون أرشفة إلكترونية مفتوحة. فالذاكرة المحفوظة في
الأدراج مهددة بالضياع أو المصادرة، بينما تتيح المنصات الرقمية حفظ المواد
وإتاحتها للباحثين والجمهور، وتحويل التوثيق من نشاط نخبة إلى معرفة عامة. كما
تسمح هذه المنصات بتوظيف مواد التوثيق في معركة الوعي على وسائل التواصل
الاجتماعي، عبر سرديات مدعومة بالوثائق، تربط الماضي بالحاضر، وتواجه محاولات
التشويه بلغة العصر وأدواته.
غير أن
التوثيق، كي يؤدي دوره، لا بد أن يلتزم بمعايير صارمة من النزاهة الفكرية. فلا
قيمة لتوثيق يتحول إلى دعاية مضادة، أو يتجاهل أخطاء الفاعلين الثوريين. إن
الاعتراف بالإخفاقات، والانقسامات، وسوء التقدير، لا يُضعف يناير، بل يحصّنها من
الابتذال، ويحولها من أسطورة إلى تجربة إنسانية قابلة للتعلم. فالفرق جوهري بين
نقد المسار الثوري، وبين شيطنة الفعل الثوري ذاته، والتوثيق الجاد هو ما يميز بين
الاثنين.
إن أخطر
ما تواجهه ثورة يناير اليوم ليس القمع وحده، بل النسيان المنظم. فمع مرور الزمن،
وتبدل الأولويات، تتآكل الذاكرة العامة، ويصبح تمرير رواية رسمية واحدة أمرا سهلا.
لذلك، فإن توثيق يناير ليس عملا مؤجلا إلى "ما بعد السياسة"، بل شرط من
شروط استعادة السياسة ذاتها، فالأمم التي تفقد ذاكرتها تفقد قدرتها على التعلم،
وتُحكم عليها بتكرار الأخطاء.
في
النهاية، يمكن القول إن توثيق ثورة يناير هو معركة هادئة لكنها حاسمة: معركة على
المعنى، وعلى حق المجتمع في امتلاك تاريخه. ليست الغاية أن تبقى يناير ذكرى
احتفالية، بل أن تبقى سؤالا مفتوحا عن الحرية والعدالة والكرامة، وعن العلاقة بين
الدولة والمجتمع. ومن يربح معركة الذاكرة اليوم، يملك فرصة حقيقية للتأثير في
معركة المستقبل.