عند
الفجر، كانت أمٌّ يمنية تُمسك بيد طفلها وتعدّ خطواتها بين الركام، بينما كان
الرصاص يقطع الصمت من فوقها. لم تكن تعرف مَن يقاتل مَن، ولا لماذا تغيّر اسم
العدو كل عام، لكنها كانت تعرف أن مدينتها لم تعد لها. في لحظة واحدة، تحوّل وطنٌ
كامل إلى ساحة
صراع مفتوحة.. وهنا يبدأ السؤال: لماذا تتكدّس الصراعات في المنطقة
الإسلامية؟
تكاد لا
تخلو خريطة الصراعات العالمية المعاصرة من حضورٍ كثيفٍ للمنطقة الإسلامية، من
المشرق
العربي إلى جنوب آسيا، ومن القرن الأفريقي إلى الساحل وغرب أفريقيا، وصولا
إلى آسيا الوسطى وشرقها. وهي مناطق تتصدر مؤشرات القتل في الحروب الأهلية، والنزوح
القسري، والتدخلات العسكرية الخارجية، وانهيار الدول أو تفككها. وقد بدا هذا
الواقع، في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي السائد، وكأنه دليل على "خصوصية
ثقافية" أو يجعل الإسلام ومجتمعاته مولّدا دائما للعنف وعدم الاستقرار.
إرجاع الصراعات في المنطقة الإسلامية إلى الإسلام أو الثقافة ليس فقط تفسيرا كسولا، بل هو سردية وظيفية، تُستخدم للتستر على الأسباب الحقيقية، وإعفاء النظام الدولي والتدخلات الخارجية ونماذج الحكم المحلية من مسؤوليتها المباشرة عن إنتاج العنف واستدامته
غير أن
هذا التفسير، رغم انتشاره وسهولة تداوله، لا يصمد أمام الفحص التاريخي والتحليل
السياسي المقارن. فالدين، أيّ دين، لا يعمل في فراغ، ولا يُنتج
العنف بمعزل عن
البنى السياسية والاقتصادية والجيوسياسية التي تحيط به. إن إرجاع الصراعات في
المنطقة الإسلامية إلى الإسلام أو الثقافة ليس فقط تفسيرا كسولا، بل هو سردية
وظيفية، تُستخدم للتستر على الأسباب الحقيقية، وإعفاء النظام الدولي والتدخلات
الخارجية ونماذج الحكم المحلية من مسؤوليتها المباشرة عن إنتاج العنف واستدامته.
أولى هذه
الأسباب تتمثل في الإرث الاستعماري الثقيل الذي ورثته أغلب دول العالم الإسلامي.
فالاستعمار الأوروبي لم يترك وراءه دولا وطنية مكتملة التكوين، بل كيانات سياسية
رُسمت حدودها وفق مصالح القوى الكبرى لا وفق حقائق الاجتماع السياسي أو التكوينات
التاريخية للمجتمعات. لقد قُسّمت المنطقة إلى دول قُطرية مصطنعة، جُمعت فيها
جماعات متنافرة أحيانا، وفُصلت عنها امتداداتها الطبيعية أحيانا أخرى.
نتج عن
ذلك دول بلا هوية جامعة، ومجتمعات منقسمة إثنيا وطائفيا وقبليا، وغياب عقد اجتماعي
متماسك يربط الدولة بالمجتمع. لم تُبنَ الدولة بوصفها تعبيرا عن إرادة جمعية، بل
بوصفها جهاز سيطرة وإدارة. وحين غادر الاستعمار العسكري، ترك وراءه فراغا سياسيا
ملأته نخب محلية ورثت أدوات القمع لا آليات التمثيل.
ومع موجات
الاستقلال في منتصف القرن العشرين، انتقلت السلطة الشكلية إلى هذه النخب، لكن
السيادة الفعلية لم تنتقل كاملة. بقي الاقتصاد تابعا للأسواق الخارجية، وبقي الأمن
مرتهنا للتحالفات الدولية، وبقي القرار السياسي هشا أمام الضغوط والابتزاز. وهكذا
وُلدت دول "مستقلة اسما، هشّة مضمونا"، تحمل بذور الانفجار في بنيتها
الداخلية.
السبب
الثاني، وربما الأعمق، هو فشل الدولة الوطنية بعد الاستقلال. ففي معظم المنطقة
الإسلامية، لم تتطور الدولة التمثيلية القائمة على المشاركة وتداول السلطة، بل
حلّت محلها أنماط من الحكم العسكري أو السلطوي أو الوراثي. جرى تجفيف السياسة،
وإغلاق المجال العام، وتحجيم الأحزاب، وتحييد المجتمع المدني، وتحويل الدولة إلى
جهاز أمني ضخم.
في هذا
السياق، أصبحت الدولة قوية في أدوات القهر، ضعيفة في قدرتها على إنتاج الشرعية.
وحين تُغلق السياسة، لا تختفي الصراعات الاجتماعية والاقتصادية والهوياتية، بل
تتراكم تحت السطح، وعندما تنفجر، لا تجد قنوات سلمية للتعبير أو التفاوض، فتتحول
إلى عنف مفتوح.
هنا يُساء
فهم دور الدين، فالدين لا يظهر بوصفه سببا أوليا للعنف، بل بوصفه لغة تعبئة بديلة
في ظل غياب السياسة. وحين تُمنع الأيديولوجيات السياسية والتنظيمات المدنية، تصبح
الهويات الدينية والطائفية والعرقية هي الإطار الأكثر جاهزية للحشد والتنظيم. إنها
نتيجة انسداد السياسة المقصود، لا أصل المشكلة.
كما تقع
المنطقة الإسلامية في قلب الجغرافيا السياسية العالمية: فوق أهم احتياطيات الطاقة،
وعلى أخطر الممرات البحرية، وعند عقد الربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا؛ هذه
الجغرافيا جعلتها ساحة تنافس دائم بين القوى الكبرى، ومنطقة لا يُسمح لها
بالاستقرار الكامل. فالاستقرار الحقيقي يعني استقلال القرار، وتوازن المصالح،
وبناء قوة ذاتية، وهو ما يتعارض مع منطق الهيمنة الدولية.
لهذا
السبب، لم تكن معظم حروب المنطقة حروبا داخلية خالصة، بل حروبا بالوكالة، تُدار
عبر مليشيات محلية، وتُموَّل وتُسلَّح من الخارج، وتُستخدم لتصفية حسابات إقليمية
ودولية. العراق، سوريا، اليمن، ليبيا، أفغانستان، السودان.. كلها مسارح مختلفة
للصيغة نفسها: صراع داخلي مُستثمر خارجيا، يُطيل أمد الحرب ويمنع الحسم.
في هذا
الإطار، تصبح الدولة الوطنية مجرد ساحة، والمجتمع وقودا، والدم أداة تفاوض غير
مباشرة بين قوى أكبر.
وضمن هذه
البنية، جرى تطييف الصراعات وعسكرتها. كثير من النزاعات في المنطقة بدأت سياسية أو
اجتماعية: مطالب عدالة، أو تمثيل، أو توزيع ثروة، لكنها تحولت إلى حروب أهلية بفعل
هشاشة الهوية الوطنية وسهولة تعبئة الهويات الأولية.
الطائفية
هنا ليست سببا أصيلا، بل أداة سياسية. تُستخدم الطائفية لإعادة تعريف الصراع، من
صراع على السلطة أو الحقوق إلى صراع وجودي بين جماعات. وهذا التحول يخدم منطق
إطالة الحرب، لأنه يمنع التسويات الوسط، ويقوّض إمكان بناء جبهة وطنية جامعة.
وغالبا ما تُغذّى هذه الانقسامات من الخارج، لأنها تُسهّل التحكم في مسار الصراع
وتكلفته.
من فلسطين
المحتلة، حيث الاحتلال والحروب المتكررة والهندسة الديمغرافية، إلى سوريا واليمن
وليبيا والسودان، حيث تفكك الدولة والحروب الأهلية؛ ومن أفغانستان وكشمير، إلى
الساحل الأفريقي ونيجيريا؛ ومن الروهينغا في ميانمار، إلى الإيغور في تركستان
الشرقية.. تتكرر الصورة ذاتها بأشكال مختلفة: عنف منظم، واضطهاد سياسي أو هوياتي،
يُنتج نزوحا دائما، ويحوّل ملايين البشر إلى لاجئين ونازحين.
هذه
الخريطة الواسعة تكشف أن النزوح في العالم الإسلامي ليس حادثا طارئا، بل نتيجة
بنيوية لنمط حكم عالمي وإقليمي يُدير الأزمات بدل حلّها، ويُحوّل البشر إلى أرقام
في تقارير إنسانية.
السؤال الحقيقي، إذن، ليس: لماذا تتصارع المنطقة الإسلامية؟ بل: متى يتوقف العالم عن جعلها ساحة دائمة للصراع؟ ومتى تُمنح شعوبها الحق في حريتها والحق في دولة عادلة، وسياسة مفتوحة، وتنمية حقيقية، بعيدا عن الوصاية، والشيطنة، وإدارة الدم بالوكالة؟
يُضاف إلى
ما سبق عامل الاقتصاد الريعي والفقر البنيوي. فرغم الثروات الهائلة التي تمتلكها
كثير من دول المنطقة، فشلت التنمية، وغابت العدالة، واتسعت الفجوة الطبقية. الريع،
سواء كان نفطيا أو مساعدات خارجية، أعفى الدولة من الحاجة إلى عقد اجتماعي حقيقي،
وربطها بالأسواق والتحالفات لا بالمجتمع.
البطالة،
خاصة بين الشباب، تحولت إلى وقود دائم للعنف، وبيئة خصبة للتجنيد في الجماعات
المسلحة، أو للهجرة القسرية. وحين يغيب الأفق الاقتصادي، يصبح العنف أو الهجرة
خيارين شبه وحيدين أمام قطاعات واسعة.
وهكذا،
فكثافة النزاعات في المنطقة الإسلامية لا تعكس خللا في الدين أو الثقافة، بل تكشف
أزمة عميقة في النظام الدولي ونماذج الحكم المحلية. إنها نتيجة تراكب فشل الدولة
الوطنية، وانسداد السياسة، والتدخل الخارجي، وسوء إدارة الموارد، وتوظيف الهويات
في الصراع.
إن تصوير
الإسلام بوصفه المشكلة يخدم فقط من يريدون التستر على الاسباب الحقيقية أو الهروب
من مواجهة هذه الحقائق، فهو يبرر استمرار التدخل، ويُضفي شرعية ثقافية زائفة على
إدارة الصراعات بدل حلّها.
السؤال
الحقيقي، إذن، ليس: لماذا تتصارع المنطقة الإسلامية؟ بل: متى يتوقف العالم عن
جعلها ساحة دائمة للصراع؟ ومتى تُمنح شعوبها الحق في حريتها والحق في دولة عادلة،
وسياسة مفتوحة، وتنمية حقيقية، بعيدا عن الوصاية، والشيطنة، وإدارة الدم بالوكالة؟