من انهيار الدول إلى تفكك الإقليم.. القراءة الأخطر في مستقبل المنطقة

طارق الزمر
"تجد إسرائيل في ما بعد الدولة فرصة استراتيجية، حيث تغيب الكيانات القادرة على فرض توازن حقيقي"- جيتي
"تجد إسرائيل في ما بعد الدولة فرصة استراتيجية، حيث تغيب الكيانات القادرة على فرض توازن حقيقي"- جيتي
شارك الخبر
لم يعد الحديث عن تفكك الدول العربية والإسلامية ضربا من التهويل السياسي أو المبالغة الخطابية، بل توصيفا دقيقا لمسار يتقدم بثبات، وإن اختلفت سرعته من ساحة إلى أخرى. ما نشهده اليوم ليس أزمات منفصلة، ولا حروبا أهلية معزولة، بل عملية تفكيك ممتدة تُعاد فيها صياغة المنطقة من الداخل، عبر إنهاك الدول، وتفريغ السيادة، وتكسير الروابط الجامعة، وصولا إلى إنتاج فضاء إقليمي هش، قابل للاشتعال الدائم، وغير قابل للاستقرار المستدام.

الخطورة الحقيقية لا تكمن في انهيار دولة بعينها، مهما كان وزنها، بل في اكتمال مشهد تفكك إقليمي شامل، تتحول فيه الدولة من إطار جامع إلى عبء، ومن أداة حماية إلى ساحة صراع. عند هذه النقطة، لا يعود التفكك حدثا يمكن احتواؤه أو إعادة بنائه بسهولة، بل يصبح بيئة عامة، ومنطقا حاكما، ونمط إدارة دائما للصراع.

على المستوى الدولي، لا يبدو التفكك فشلا للنظام العالمي، بل أحد أدواته. تُدار الصراعات بدل حلها، وتُستثمر الفوضى بدل إنهائها

في السودان، لم يعد الصراع مجرد نزاع على السلطة، بل انكسار لفكرة الدولة نفسها، حيث تتآكل المؤسسة، وتتغول المليشيا، ويغيب المركز القادر على جمع الأطراف. في اليمن، لم تعد المشكلة في من يحكم صنعاء أو عدن، بل في أن الجغرافيا ذاتها فقدت معناها السياسي، وتحوّلت إلى خرائط نفوذ متداخلة. في سوريا، الدولة قائمة، لكنها بلا سيادة كاملة، رهينة توازنات خارجية، وأرضها مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين. في ليبيا، الاقتصاد يعمل دون دولة، والدولة قائمة دون مؤسسات. في الصومال، النموذج الأكثر قسوة لما بعد الدولة، حيث يستمر الكيان بلا أفق جامع منذ عقود. في العراق، تفكك صامت، مغطى بدستور وانتخابات، لكنه يقوم فعليا على مراكز قوى متوازية. في لبنان، الدولة تنهار من الداخل، عبر شلل مالي وسياسي شامل، دون حرب، لكن بنتائج لا تقل فداحة. في فلسطين، التفكيك ليس نتيجة فشل دولة، بل سياسة ممنهجة ضد قيامها أصلا. أما إيران، فإن أي تصدع واسع فيها، إن حدث، لن يكون أزمة داخلية، بل زلزالا إقليميا يعيد رسم الخريطة برمتها.

إذا اكتمل هذا المسار، فلن يبقى للمنطقة شكلها المعروف، لن يكون هناك شرق أوسط كما عرفناه، ولا عالم عربي أو إسلامي قادر على الفعل الجماعي. سنكون أمام فسيفساء من الكيانات الهشة، وحدود بلا مضمون، ومجتمعات تعيش على حافة العنف الدائم. الدول التي لم تنهَر بعد ستتحول إلى قلاع أمنية محاصرة، تستنزف مواردها في منع العدوى، لا في بناء المستقبل. الاستقرار ذاته سيتحول إلى عبء، لا إلى قيمة.

أخطر ما في التفكك أنه لا يعني غياب السلطة، بل تحللها. فالسلطة لا تختفي، لكنها تتشظى، تبقى أدوات السيطرة؛ السلاح، الجباية، القمع، بينما يختفي العقد الاجتماعي، ويُفرغ مفهوم السيادة من مضمونه. تتحول الدولة إلى جهاز ضبط، لا إطار تمثيل، وتصبح السياسة إدارة أمنية للأزمات، لا ساحة تفاوض اجتماعي.

أمنيا، يعني اكتمال التفكك نهاية الدولة كفاعل مركزي، وصعود الفواعل المسلحة غير الدولتية بوصفها القوة الحقيقية على الأرض. تتحول الجيوش إلى أطراف بين أطراف، وتصبح المليشيات أكثر فاعلية من المؤسسات. لا يعود الأمن مرتبطا بحماية المجتمع، بل بتأمين الممرات، والطاقة، والمصالح الدولية. يُعسكر المجتمع نفسه، لا ليحمي ذاته، بل لأنه فقد أي بديل آخر، ويصبح العنف لغة يومية، لا حالة استثنائية.

سياسيا، يتآكل مفهوم الدولة الوطنية، وتظهر شرعيات محلية متنافسة، كل منها يدّعي تمثيل جزء من المجتمع. تحكم الوقائع لا الدساتير، وتُدار السلطة بمنطق الغلبة لا التوافق. ومع غياب مركز جامع، يختفي المجال السياسي العام، ويصبح الاختلاف خطرا وجوديا، لا ممارسة طبيعية. هكذا تتحول السياسة من أداة حل إلى وقود صراع.

اقتصاديا، يولد ما يمكن تسميته باقتصاد الفوضى، اقتصاد الحرب، حيث يصبح استمرار الصراع مصلحة، اقتصاد المساعدات، حيث تُدار المجتمعات على حد الكفاف، اقتصاد التهريب، حيث تتحول الحدود إلى فرص ربح لا خطوط سيادة. ومع الوقت، تتحول المنطقة إلى عبء عالمي: مصدر اضطراب في الطاقة، وموجات هجرة، وتطرف، وعدم يقين اقتصادي.

اجتماعيا وثقافيا، تتفكك الهويات الوطنية، وتصعد الهويات الفرعية القاتلة. ينشأ جيل كامل بلا دولة، بلا ثقة في السياسة، بلا أمل في العقد الاجتماعي. يتطبع العنف، ويصبح الانقسام هو الحالة الطبيعية، ومع كل عام يمر، تتآكل إمكانية إعادة البناء، لأن الأجيال الجديدة لم تعرف معنى الدولة أصلا.

الدول التي لا تزال متماسكة نسبيا ليست في مأمن؛ مصر وتركيا ودول الخليج والمغرب والجزائر وباكستان وإندونيسيا وماليزيا ستجد نفسها محاطة بأحزمة تفكك. استنزاف الجوار سيضغط على الاقتصاد والأمن والسياسة، ومع غياب رؤية إقليمية جماعية، سيبقى السؤال معلقا: من الدولة التالية؟ التفكك لا يحتاج إلى ثورة أو حرب أهلية كي يبدأ، يكفي تآكل بطيء في الشرعية، وتغول أمني، وفقدان الأمل.

استعادة معنى الدولة، وتجديد العقد الاجتماعي، وبناء أمن إقليمي جماعي، هي الشروط الدنيا لمنع الأسوأ، دون ذلك سننتقل من تفكك الدول إلى تفكك الإقليم، ومن أزمات قابلة للإدارة إلى فوضى بلا سقف

على المستوى الدولي، لا يبدو التفكك فشلا للنظام العالمي، بل أحد أدواته. تُدار الصراعات بدل حلها، وتُستثمر الفوضى بدل إنهائها. الولايات المتحدة تميل إلى إدارة الكلفة لا بناء النظام، قوى أخرى تدخل من بوابة المصالح، شركات أمن خاصة تحل محل الجيوش. وفي هذه البيئة، تجد إسرائيل في ما بعد الدولة فرصة استراتيجية، حيث تغيب الكيانات القادرة على فرض توازن حقيقي.

هل التفكك قدر محتوم؟ ليس بالضرورة، لكنه مسار إذا لم يُواجه فسيكتمل. ما فات كثير، لكن ليس كل شيء، يمكن وقف الانهيار الشامل إذا أُعيد الاعتبار لفكرة الدولة العادلة، لا الدولة الأمنية فحسب، إذا فُصل بين بقاء النظام وبقاء الدولة، إذا بُنيت تحالفات إقليمية هدفها منع التفكك، لا إدارة نتائجه، وإذا استُعيد دور المجتمعات بوصفها شريكا في الإنقاذ، لا مجرد موضوع للضبط.

المواجهة الحقيقية ليست عسكرية فقط، بل فكرية وسياسية واجتماعية. استعادة معنى الدولة، وتجديد العقد الاجتماعي، وبناء أمن إقليمي جماعي، هي الشروط الدنيا لمنع الأسوأ، دون ذلك سننتقل من تفكك الدول إلى تفكك الإقليم، ومن أزمات قابلة للإدارة إلى فوضى بلا سقف.

الخطر الأكبر أن نعتاد هذا المشهد، وأن يصبح التفكك هو الطبيعي، والدولة هي الاستثناء. عندها، لن يكون السؤال كيف نُنقذ دولة هنا أو هناك، بل كيف نعيش في إقليم بلا دولة، أو بدول معزولة داخل بحر من الفوضى. والتحذير الأخير واضح، فما بعد التفكك أخطر من التفكك ذاته، لأن إعادة البناء بعده قد لا تكون ممكنة أصلا.
التعليقات (0)