الفكرة الرئيسية التي أطرحها هنا والتي
أعتقد أنها قد تغير من تعاطينا مع الصراع مع الكيان الصهيوني، بين الساعين لزواله،
وبين الساعين لتثبيته، هي أن أي فعل عسكري ضد الكيان في ظل التوازن الواقعي
والظروف الإقليمية والدولية، لا يكون بهدف الكسر والهدم، بل كمحفز لعملية التفكيك
الداخلي للكيان.. لماذا ؟
مع فهم حقيقي لطبيعة العدو، وتكوينه الجيني،
وواقعه البنيوي الآن بعد 77 سنة من محاولات الدمج والتشكيل القسري، وبعد ما أنتجه
الطوفان من تحول لمكان ومكانة الكيان وفلسفته الأمنية والإنقلاب الاستراتيجي في
البيئة الجيوسياسية، وتوازن النظام الدولي، وانحسار تاريخي وحاسم في النفير
العالمي للمشروع الصهيوني.
كيان يعيش أزمة في الدمج الداخلي، والاندماج الخارجي، تصادمي متطرف، مرتبك في سياسته الأمنية، ويعاني عزلة يفقد على إثرها النفير العالمي، يعيش لحظة تحول عالمي جيوسياسي، في وضع يجعله يبدي صلابة خارجية عنيفة، تغلف هشاشة داخلية رخوة ومتحللة، وأسئلة وجودية داخلية علي المستوى الفردي والإجتماعي بلا إجابات، بعد معركة صفرية فجرت كل التناقضات والمخاوف.
مع إدراك وتحليل لحجم التحديات الداخلية
للكيان، والتهديدات الوجودية المتفاقمة للمشروع من داخله "بغض النظر عن
التهديدات الخارجية"، التحديات الداخلية مثل (أزمة هجرة العقول ـ التجنيد ـ
التوازن الديمغرافي العلماني الحريدي ـ أزمة المناطق المهمشة ـ اليمين المتطرف
والتصادم الأيديولوجي والقومي ـ أزمة النخبة والبدائل القيادية ـ أزمة الحكم
وتوازن السلطات ـ أزمة نظرية الأمن ـ أزمة العنصرية ـ أزمة الميزانية والإنفاق
العسكري...) العشرات من الأزمات التي حفزها بقوة الفعل العسكري لطوفان الأقصى
بجبهاته، مضافاً إليه التأثير المزلزل لحرب الـ 12 يوم مع إيران، التي ساهمت
بإكمال تأثير الطوفان لتحويل القلق الوجودي، إلى خوف وجودي.
كذلك الإرتباك في السياسة الأمنية للكيان،
خاصة بعد طوفان الأقصى وحرب الإبادة، وتحرير دمشق، وبروز أزمة المضائق المائية بعد
الإنقلاب الجيوسياسي الذي أنتجه مبادرة إسناد الحوثي في اليمن، وتحول المزاج
الإقليمي الرسمي بعد ضربة قطر وعزلة الحليف الإماراتي بعد حرب السودان، وانكشاف
مشروعه في اليمن، ونمو المخاوف الإقليمية من الجموح
الإسرائيلي خاصة بعد إجراءات
أرض الصومال وتبين ملامح المشروع الصهيوني للسيطرة علي خليج عدن.. كل ذلك واكب
صعود اليمين المتطرف في إسرائيل وسيطرته علي القرار الأمني والعسكري والسياسي، وهو
بالكامل تحول يجنح للتصادم والصفرية، ويبتعد عن أي آفاق للترتيب السياسي ووضع
سياسة أمنية مستقرة تشاركية.
كذلك الخلل المتزايد في المناعة التقنية،
فالكيان الذي بني علي فرضية تقنية، وتأسس ليكون كياناً تقنياً يستخدم التقنية
كسلاح، ويحتمي بها، ويعتمد عليها كرافعة للاجتماع والرفاهية.. يواجه تحديات
أساسية علي هذا المستوى الذات، فالتقنية لم تمنحه الحصانة (لا في 7 أكتوبر ـ ولا
في الحرب الإيرانية) وهو ما حفز الخيال لدى المستوطن بما يمكن أن يحدث في المستقبل
لدولة تعتمد في وجودها علي الأكواد البرمجية، إن أُعطبت، أو أخطأت، فنيَا.. كذلك
تلك التقنية التي تحولت إلى لعنة اقتصادية، حيث اقتصاد يقوم علي تصدير التقنية
البرمجية، يمكن ببساطة أن يعاني في عالم متسارع التطور، ويبرز فيه لاعبون جدد كل
يوم، ويتجه أكثر للاعتماد علي الصناعات التكنولوجية الكبرى للكيانات الكبرى، أكثر
من الاعتماد علي البرمجيات، التي تحولت إلى لعبة الصغار في عالم اليوم..
التكنولوجيا ذاتها التي تحولت إلى لعنة مع وجود دولة تكنولوجية بالكامل علي
سيرفرات يستهدفها القراصنة من كل الكوكب علي مدار الساعة، ويسربون أعمق بياناتها
مجاناً عبر الشبكة.
كل ذلك في ظل مستجد مهم متعلق بضيق المساحة
الزمنية المتاحة لإسرائيل للنجاة من هذا المأزق وإعادة بناء مشروعها الداخلي، وتموضعها
الإقليمي، حيث أصبح واضحاً أن عهدة ترامب الحالية هي سقف زمني حاكم لكل الإجراءات،
بعد التغيرات الكبيرة الحاصلة في الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وحجم التحول
الكبير في مزاج الشارع والانحسار المتسارع في تأثير الإيباك في السياسة الأمريكية،
هذا التدهور يشكل ضاغط زمني علي صانع القرار الإسرائيلي لاتخاذ إجراءات سريعة
لتجاوز كل الأزمات السابقة وتثبيت أوضاع يمكنها الصمود أمام التحولات القادمة في
النظام العالمي، والسياسة الأمريكية.
كل هذه العوامل معاً يمكننا تلخيصها بالشكل
التالي:
ـ كيان يعيش أزمة في الدمج الداخلي،
والاندماج الخارجي، تصادمي متطرف، مرتبك في سياسته الأمنية، ويعاني عزلة يفقد على إثرها
النفير العالمي، يعيش لحظة تحول عالمي جيوسياسي، في وضع يجعله يبدي صلابة خارجية
عنيفة، تغلف هشاشة داخلية رخوة ومتحللة، وأسئلة وجودية داخلية علي المستوى الفردي
والإجتماعي بلا إجابات، بعد معركة صفرية فجرت كل التناقضات والمخاوف.
هذه وصفة مثالية لخصوم المشروع الصهيوني
لإطلاق عملية تفكيك التفكيك يعني
تحفيز التحلل الداخلي.
وهي عملية تعتمد على التخطيط والتناسق
الذكي، وليس على القوة والموارد، عملية يمكن تصميمها، والعمل عليها بأدوات مختلفة،
سياسية، وإعلامية، وتقنية، ودبلوماسية، وشعبية، تندمج في استراتيجية واحدة، يمكنها
أن تنجز الكثير خلال وقت قصير، وهو مسار لا يمكن منعه أو إجهاضه، لأنه لا مركزي،
يمكن تجنيد طاقات الأمة فيه عبر الحدود والقارات، ونمتلك فيه بالفعل أدوات القوة
المناسبة.
هذا إذا آمن بهذه الإمكانية العدد الكافي من
الأفراد والجهات، التي تغرد الآن منفردة بلا استراتيجية. استراتيجية تقوم علي فكرة
أن "تفكيك الكيان أقرب من كسره".