ليست
ثورة
يناير في
مصر عام 2011، ولا طوفان الأقصى في
غزة عام 2023، مجرد حدثين منفصلين في
سياقين مختلفين، بل هما تعبيرتان متباعدتان زمنيا ومتقاربتان معنويا عن حقيقة
إنسانية واحدة: أن الرغبة في التحرر قادرة على كسر هيبة القوة، ولو مؤقتا، وأن
ميزان الحق لا يُقاس دائما بعدد الجنود ولا بنوع السلاح.
ودعونا
نستخرج اهم ما يربط الحدثين:
أولا:
لحظة الانفجار.. حين يبلغ الظلم منتهاه
في يناير
2011، خرج المصريون إلى الشوارع بلا سلاح، مدفوعين بإحساس خانق بالمهانة، وانسداد
الأفق، وغياب العدالة والأمل. لم يكن أحد يتوقع أن نظاما متجذرا لعقود، مدعوما
بأجهزة أمنية ضخمة، يمكن أن يهتز أمام حشود تهتف للحرية.
هناك لحظات تنهار فيها أسطورة القوة المطلقة، لا لأن الخصم ضعيف، بل لأن المقهور قرر ألا يطيع منطق الخوف بعد الآن. ثورة يناير كسرت حاجز الرهبة، وطوفان الأقصى كسر وهم الردع، وهذا بحد ذاته نصر، حتى قبل أن تُعرف النتائج النهائية
وفي غزة،
جاء طوفان الأقصى بعد سنوات طويلة من الحصار، والتجويع، والقتل المتكرر، وتطبيع
صورة القهر كقدر محتوم. وكما كانت الثورة المصرية انفجارا شعبيا ضد الاستبداد
الداخلي، كان الطوفان انفجارا في وجه استعمار استيطاني طالما ظن أن الفلسطيني قد
اعتاد الهزيمة.
في
الحالتين، لم تكن البداية حسابات ربح وخسارة، بل لحظة كسر للصمت.
ثانيا:
اختلال ميزان القوة.. ومع ذلك لا استسلام
من حيث
المنطق العسكري والسياسي البارد، لم تكن كفة الميزان في صالح الثوار المصريين ولا
في صالح غزة؛ نظام يمتلك جيشا وأجهزة أمنية وإعلاما دوليا داعما، في مقابل شعب
أعزل، ودولة احتلال تمتلك أحدث ترسانة عسكرية في المنطقة، في مقابل قطاع محاصر
محدود الإمكانات، لكن التاريخ لا يُكتب دائما بلغة الجداول.
هناك
لحظات تنهار فيها أسطورة القوة المطلقة، لا لأن الخصم ضعيف، بل لأن المقهور قرر
ألا يطيع منطق الخوف بعد الآن. ثورة يناير كسرت حاجز الرهبة، وطوفان الأقصى كسر
وهم الردع، وهذا بحد ذاته نصر، حتى قبل أن تُعرف النتائج النهائية.
ثالثا: ما
هو النصر؟ سؤال يتجاوز السياسة
أحد أكبر
الأخطاء هو اختزال النصر في النتيجة السريعة أو المكاسب المادية المباشرة. لم تحقق
ثورة يناير كل أهدافها، وتعرّضت لانتكاسات قاسية، وغزة دفعت، وما زالت تدفع، ثمنا
إنسانيا مفزعا.
لكن هل
يعني ذلك أن المحاولة كانت عبثا؟
النصر
أحيانا هو:
• استعادة الوعي بعد طول تخدير.
• كشف زيف القوة أمام أصحابها قبل خصومها.
• زرع فكرة أن التغيير ممكن، ولو تأخر.
• إعادة تعريف الإنسان لذاته: أنا لست عبدا ولا ضحية صامتة.
بهذا
المعنى، النصر ليس لحظة واحدة، بل مسار طويل تُروى أولى صفحاته بالدم والدموع.
رابعا:
التضحيات.. الثمن الذي لا يُدفع عبثا
لا ثورة
بلا ثمن، ولا تحرر بلا تضحيات. في مصر، سالت دماء، وضاعت أعمار، وتكسرت أحلام، وفي
غزة، التضحيات أفدح، وأقسى، وأشد إيلاما.
كل شيء ممكن، ليس لأن الطريق سهل، بل لأن الإنسان حين يقرر أن يكون حرا، يصبح أقوى من حسابات الخوف
لكن
الشعوب لا تختار التضحية لأنها تحب الألم، بل لأنها تصل إلى قناعة مريرة: أن كلفة
الصمت صارت أعلى من كلفة المواجهة، وحين يُدفع الثمن في سبيل معنى كبير -الحرية،
الكرامة، الحق- فإن الدم لا يكون رخيصا، حتى لو بدا الطريق طويلا ومظلما.
خامسا:
الأمل.. فعل مقاومة لا ترف عاطفي
الجامع
الأكبر بين يناير وطوفان الأقصى هو الإيمان العميق بأن الحق لا يموت، وإن طال
حصاره. الأمل هنا ليس تفاؤلا ساذجا، بل موقف أخلاقي، وقرار واعٍ بعدم التسليم
لرواية المنتصر بالسلاح.
قد ينتصر
الخصوم في جولات، وقد يفرضون وقائع قاسية، لكنهم يفشلون دائما في قتل الفكرة. وفكرة
الحرية، متى سكنت القلوب، لا تُهزم نهائيا.
الخلاصة: كل شيء ممكن.. حين يستحق الثمن
من ميدان
التحرير إلى غزة، الرسالة واحدة وإن اختلفت اللغة: كل شيء ممكن، ليس لأن الطريق
سهل، بل لأن الإنسان حين يقرر أن يكون حرا، يصبح أقوى من حسابات الخوف.
قد يتأخر
النصر، وقد يتعثر، لكنه لا يُمحى، وما دام هناك من يؤمن أن الحق يستحق التضحية،
فإن التاريخ -ولو بعد حين- ينحاز إليه.