معركة إيران: الغلاف الورقي لصراع الحضارات.. وانكشاف الخطر الوجودي على أهل السنة

محمد جمال حشمت
"ليس مجرد تهديد لإيران، بل هو تهديد وجودي لكل دولة عربية وإسلامية"- جيتي
"ليس مجرد تهديد لإيران، بل هو تهديد وجودي لكل دولة عربية وإسلامية"- جيتي
شارك الخبر
من طهران إلى الأناضول.. قراءة في خرائط العدوان

في الفجر الأول من يوم السبت (28 شباط/ فبراير 2026)، اهتزت منطقة الشرق الأوسط على وقع صواريخ وطائرات أمريكية وإسرائيلية استهدفت العمق الإيراني، في عدوان لم يقتصر على المنشآت النووية والعسكرية، بل امتد ليطال السيادة الإيرانية ويغتال قائد الثورة آية الله علي خامنئي. هذا التصعيد الدراماتيكي، الذي أعقب فشل جولات المفاوضات في عُمان وجنيف، لم يأتِ من فراغ، إنه تتويج لتحول استراتيجي في العقيدة الأمنية للكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية، تعززته تصريحات خطيرة صدرت في الأيام والأسابيع التي سبقت العدوان؛ تصريحات تخلع عن هذا الهجوم صفته "المحدودة" أو "الردعية" لتكشف عن وجهه الحقيقي: حرب استباقية تمهيدا لمواجهة أوسع.

في هذا السياق، تبرز تصريحات السفير الأمريكي لدى الكيان مايك هاكابي، الذي لم يتردد في الترويج لمفهوم "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات، واصفا إياه بأنه حق توراتي. بالتزامن، صرح رئيس وزراء الكيان السابق نفتالي بينيت، بأن "تركيا هي إيران الجديدة"، محذرا من تشكل محور سني بقيادة أنقرة وإسلام آباد والرياض.

هذا المقال التحليلي يقرأ المشهد من زاوية أن الهجوم على إيران ليس نهاية اللعبة، بل هو بداية جولة جديدة يستهدف فيها هذا الحلف العالم الإسلامي برمته، ويجعل من انتصاره خطرا وجوديا محدقا بأهل السنة على وجه الخصوص، قبل أن ننتقل إلى استشراف سبل الاستعداد والمواجهة لإفشال هذا المخطط.

أولا: قراءة في أهداف العدوان.. لماذا إيران اليوم؟
صحيح أن الخلافات العقائدية والسياسية بين السنة والشيعة عميقة وتاريخية، وصحيح أن كثيرا من الأنظمة العربية تنظر بعين الريبة إلى "الهلال الشيعي" وإيران، لكن ما يغفله الكثيرون هو أن هذا الحلف لا يفرق بين شيعي وسني عندما يتعلق الأمر بمصالحه الكبرى

الهجوم الأمريكي الصهيوني على إيران يحمل أبعادا تتجاوز بكثير ملفها النووي، رغم أن ذريعة "التهديد النووي" هي الغلاف الإعلامي الرسمي كما كان العنوان عند الهجوم على العراق!

البعد الأول هو تأمين التفوق العسكري المطلق للكيان، فإيران تمثل العمق الاستراتيجي للمقاومة في المنطقة، والقضاء على قدراتها الصاروخية وحلفائها (حزب الله، الحوثيين، الفصائل في العراق وسوريا) يعني تفكيك "حزام النار" الذي يحاصر إسرائيل، وهو ما أشار إليه تحليل معهد القدس للاستراتيجيا والأمن. وهو ما دفعنا مرارا وتكرارا للقول بأن المقاومة في غزة هي خط دفاع عن الأمة بأكملها وتغابى الحكام عن هذا المعنى!

البعد الثاني هو إعادة هيكلة المنطقة وفق الرؤية الأمريكية الصهيونية، فتصريحات هاكابي حول "السلام اليهودي" (Pax Judaica) لم تكن زلة لسان، بل هي تعبير عن عقيدة إنجيلية صهيونية ترى في الكيان أداة لإخضاع المنطقة. إيران، بصفتها رأس الحربة في معسكر الممانعة، كانت العقبة الكأداء أمام هذه الرؤية، وإسقاطها أو تدمير قدراتها يبعث برسالة ردع لكل قوة إقليمية قد تفكر في معارضة الهيمنة الأمريكية، سواء كانت تركيا أو مصر أو حتى دول الخليج الكبرى.

ثانيا: "تركيا هي إيران القادمة".. سيناريو ما بعد طهران

تصريح نفتالي بينيت بأن "تركيا هي إيران الجديدة" يكشف عن الطبقة الثانية من المخطط؛ بينيت لم يهاجم أردوغان فقط، بل حذر من تحالف استراتيجي سني ناشئ (تركيا- السعودية- باكستان) يمتلك مقومات القوة: جيش تركيا ذا الخبرة القتالية، والثقل المالي السعودي، والترسانة النووية الباكستانية. هذا المحور، المدعوم أيديولوجيا بتيار الإسلام السياسي، يمثل بحسب الرؤية الإسرائيلية "خطرا استراتيجيا" على المدى البعيد.

لماذا بعد إيران؟ لأن إيران الشيعية شكلت تهديدا وجوديا عبر "المقاومة"، لكن تركيا السنية تمثل تحديا تنافسيا على القيادة، وقدرة على حشد العالم الإسلامي السني، وتمتلك مشروعا نهضويا صناعيا وعسكريا.

لذلك النجاح في تدمير إيران يعني:

1. توجيه رسالة رادعة لأنقرة، مفادها أن واشنطن وتل أبيب مستعدتان لاستخدام القوة المفرطة ضد أي قوة إقليمية طموحة.

2. إضعاف المحور السني، عبر فصل الرياض عن أنقرة، فالسعودية قد ترتدع وتتراجع عن أي تحالف عسكري وثيق مع تركيا إذا رأت مصير إيران.

3. السيطرة على مقدرات الطاقة، بتأمين المنطقة من الخليج إلى البحر المتوسط، حيث توجد الثروات الغازية والنفطية، ومنع وصول الأتراك والأوروبيين إليها بشروط مستقلة عن الإرادة الأمريكية.

ثالثا: الخطر المحدق بأهل السنة.. رغم الفُرقة الحاصلة الآن

هنا يكمن جوهر المأساة؛ الهجوم على إيران، ثم التلويح بتركيا، يضع أهل السنة أمام معادلة صعبة؛ صحيح أن الخلافات العقائدية والسياسية بين السنة والشيعة عميقة وتاريخية، وصحيح أن كثيرا من الأنظمة العربية تنظر بعين الريبة إلى "الهلال الشيعي" وإيران، لكن ما يغفله الكثيرون هو أن هذا الحلف لا يفرق بين شيعي وسني عندما يتعلق الأمر بمصالحه الكبرى.

مخطط "إسرائيل الكبرى" الذي أعلنه هاكابي يشمل أراضي سوريا ولبنان والأردن ومصر والعراق والسعودية. هذا ليس مجرد تهديد لإيران، بل هو تهديد وجودي لكل دولة عربية وإسلامية، ومن يستمع اليوم لخطاب الكراهية ضد إيران قد يجد نفسه غدا تحت القصف وهو يدافع عن الأقصى أو عن أرضه.

إن نجاح التحالف في كسر شوكة إيران سيجعل من تركيا الهدف التالي، ثم تذويب القضية الفلسطينية، ثم فرض واقع جديد يُمزق فيه العالم الإسلامي إلى كانتونات ضعيفة تحت الهيمنة الصهيونية. هذا الخطر المحدق لا يستثني أحدا، فكما أن "إيران القادمة" هي تركيا، فإن "سوريا القادمة" هي مصر، و"فلسطين القادمة" هي الأردن. إنها لعبة دومينو خطيرة، والمشاهدون على المدرجات سيدفعون الثمن.

رابعا: المطلوب فعله للاستعداد وإفشال المخطط

المرحلة الحالية لا تحتمل التفرج أو الركون إلى الحسابات الضيقة، فإفشال هذا المخطط يتطلب استراتيجية متعددة المسارات:

1. على المستوى السياسي والدبلوماسي:

- توحيد المكوقف الإسلامي: المبادرة فورا إلى عقد قمة إسلامية طارئة جامعة (بمشاركة إيران وتركيا ومصر والسعودية وباكستان) لإصدار موقف موحد يدين العدوان، ويعلن رفض أي مشروع لتقسيم المنطقة أو تغيير حدودها. الرد الجماعي على تصريحات هاكابي كان خطوة جيدة، لكنه يحتاج لترجمة فعلية.

- استخدام أوراق الضغط: الدول العربية والإسلامية تملك أدوات ضغط هائلة (النفط، القواعد العسكرية، التطبيع) يجب توظيفها لردع العدوان، وليس كمكافأة للمعتدي، وفتح ملف التعاون مع المحور التركي الباكستاني السعودي يشكل ثقلا موازيا يجب تفعيله.

2. على المستوى الشعبي والإعلامي:

- كشف السردية الصهيونية: يجب فضح الرواية التي تقدم العدوان على أنه "صراع مع الفرس" أو "حماية من السنة". الإعلام العربي والإسلامي مطالب بإبراز أن من يقصف الأطفال في إيران اليوم هو من قصف الأطفال في غزة بالأمس، وأن العدو واحد وإن تعددت الأسماء.

الهجوم على إيران ليس مجرد معركة عابرة، بل هو إعلان حرب شاملة على الأمة الإسلامية في مهدها، إنه اختبار تاريخي لوعي هذه الأمة وقادتها

- وحدة الصف الشعبي: المشاهد المهيبة في كشمير، حيث خرج السنة والشيعة معا ينددون بالعدوند على إيران، تقدم نموذجا يجب تعميمه، فالشعور بالمصير المشترك هو أقوى سد في وجه الاختراق.

3. على المستوى العسكري والاستراتيجي:

- دعم صمود إيران: أي انتصار للحلف عليها سيكون نصرا على الجميع، لذلك، على الدول القادرة، وفي مقدمتها تركيا وباكستان، تقديم دعم فعلي (سياسي ولوجستي واستخباراتي) لتعطيل المخطط الأمريكي.

- تسريع مشاريع التكامل الدفاعي: ما طرح حول تحالف تركي- باكستاني- سعودي يجب أن يخرج من حيز التنظير إلى حيز التنفيذ، فالمنطقة بحاجة ماسة إلى نظام دفاع جوي موحد، وتصنيع عسكري مشترك، وتنسيق كامل لمواجهة التحديات المشتركة. هذا هو الرد العملي على مشروع "إسرائيل الكبرى".

4. على المستوى الديني والفكري:

- مراجعة خطاب الفرقة: على علماء الأمة ومفكريها تحمل مسؤوليتهم التاريخية في هذه اللحظة الفارقة، فيجب تجاوز الخطاب الطائفي الذي يخدم العدو، والتركيز على المشتركات التي تجمع المسلمين (القدس، الأقصى، حرمة الدماء، وحدة المصير). الخطر المحدق بأهل السنة ليس من إيران، بل من تحالف لا يعترف إلا بقوة السلاح.

الخلاصة

إن الهجوم على إيران ليس مجرد معركة عابرة، بل هو إعلان حرب شاملة على الأمة الإسلامية في مهدها، إنه اختبار تاريخي لوعي هذه الأمة وقادتها، وإما أن ندرك أن "اليوم إيران وغدا تركيا وبعد غد مصر"، فنوحد الصف ونستعد لمواجهة المخطط بكل أدوات القوة، وإما أن نظل ننتظر دورنا في قائمة الانتظار، لنجد أنفسنا وحيدين تحت القصف، بعد أن خان بعضنا بعضا، وصدق فينا قول الله تعالى: "وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ" (التحريم: 4). إنها لحظة حسم، فإما النصر بالوحدة، وإما الخسران المبين.
التعليقات (0)