الموازنة المصرية 2026/2027 في الميزان (2): فقراء مصر وأغنياؤها في موازنة الحكومة

محمد جمال حشمت
"هل الدولة تنظر إلى المصريين بوصفهم مجتمعا واحدا، أم طبقات متفاوتة القيمة والوزن؟"- عربي21
"هل الدولة تنظر إلى المصريين بوصفهم مجتمعا واحدا، أم طبقات متفاوتة القيمة والوزن؟"- عربي21
شارك الخبر
تكشف موازنة مصر 2026/2027 عن معادلة شديدة الحساسية: الدولة ترفع حصيلة الضرائب إلى مستويات ضخمة، وتعلن في الوقت نفسه عن دعم اجتماعي للفئات الأضعف، لكن السؤال الأهم يبقى: من الذي يدفع الثمن فعلا، ومن الذي يحصل على الامتيازات الأكبر؟

فحين تصل الضرائب المستهدفة إلى 3.529 تريليون جنيه، ويُحمَّل الأفراد والموظفون وأصحاب المهن الحرة بنحو 1.76 تريليون جنيه، يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت السياسة المالية تعيد توزيع العبء بعدالة، أم أنها تركزه على من يعيش أصلا تحت ضغط المعيشة اليومي؟

صورة عامة للموازنة

أعلنت الحكومة المصرية مشروع موازنة 2026/2027 بمصروفات تقارب 5.1 تريليون جنيه وإيرادات عامة تتجاوز 4 تريليونات جنيه، مع استهداف خفض العجز الكلي إلى 4.9 في المئة والدين العام إلى 78 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. كما أعلنت تخصيص 832.3 مليار جنيه للحماية الاجتماعية، و175.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية، وقرابة 334.4 مليار جنيه للدعم السلعي في مجمله. وفي المقابل، رُصدت 120 مليار جنيه تقريبا لدعم الطاقة، منها نحو 104.2 مليار للكهرباء و15.8 مليار للمواد البترولية، وهو ما يعكس أن جزءا معتبرا من الموارد يذهب إلى بنية اقتصادية لا يستفيد منها الجميع بنفس الدرجة.

سياسة تقوم على الحفاظ على استقرار مالي شكلي عبر زيادة الإيرادات والرسوم والضرائب يمكن أن تميل، في التطبيق، إلى تحميل الفئات الأضعف عبئا نسبيا أكبر من الفئات الأعلى دخلا

الفقراء في هذه الموازنة يظهرون من خلال بنود الحماية الاجتماعية ودعم السلع التموينية، إذ رُصد 178.3 مليار جنيه للتموين وحده، و832.3 مليار جنيه إجمالا للدعم والحماية الاجتماعية، يستفيد منها ملايين المواطنين. لكن هذا الرقم الكبير لا يكفي وحده لطمأنة الناس، لأن القيمة الحقيقية للدعم تتآكل إذا كانت الأسعار والضرائب غير المباشرة ترتفع بسرعة أكبر من زيادة المخصصات. عند هذه النقطة لا يعود.

السؤال: هل توجد مساعدة للفقراء؟ بل هل تكفي هذه المساعدة لتمنع الإفقار المستمر؟ من هم الأغنياء في الموازنة؟

الأغنياء لا يظهرون فقط كفئة دخل، بل كـ"فئة مستفيدة من شكل توزيع الأولويات". فحين تُخصص الموازنة مبالغ ضخمة لدعم الطاقة، والبنية المرتبطة بالإنتاج، وتمويل العجز والدين، فإن المستفيد الأكبر غالبا يكون القطاعات الأعلى استهلاكا والأنشطة الأكثر رسملة، لا الأسر الفقيرة التي لا تستهلك بالقدر نفسه من الطاقة أو لا تمتلك أصولا تستفيد من هذه الترتيبات بنفس الدرجة. كما أن أي سياسة تقوم على الحفاظ على استقرار مالي شكلي عبر زيادة الإيرادات والرسوم والضرائب يمكن أن تميل، في التطبيق، إلى تحميل الفئات الأضعف عبئا نسبيا أكبر من الفئات الأعلى دخلا.

في المقابل، تبدو الدولة أكثر سخاء مع المنظومة الاقتصادية الكبرى من سخائها مع الفرد البسيط. فالموازنة تضخ 120 مليار جنيه تقريبا في دعم الطاقة، منها 104.2 مليار للكهرباء و15.8 مليار للمواد البترولية، إضافة إلى ما تتحمله الخزانة من ضرائب على المنتجات البترولية. وهذه البنود، وإن كانت تبدو محايدة، فإن المستفيد الأكبر منها عادة يكون النشاط الاقتصادي الكبير والقطاعات الأعلى استهلاكا، لا الأسرة الفقيرة التي تنفق معظم دخلها على الطعام والمواصلات والفواتير الأساسية.

الأشد إيلاما أن العبء الضريبي في مصر يميل، بحسب نقد اقتصادي متداول، إلى أن يقع على الاستهلاك والدخول الثابتة أكثر مما يقع على الثروة الكبيرة. وقد أشارت قراءة اقتصادية منشورة إلى أن الضرائب غير المباشرة تلتهم دخول محدودي الدخل، بينما تُمنح امتيازات أو إعفاءات أوسع لمن يملكون القدرة على نقل العبء أو التحايل عليه، وهو ما يجعل النظام الضريبي في جوهره غير متكافئ. وهذا يفسر لماذا يشعر كثير من الفقراء أنهم يدفعون دائما أكثر مما يحصلون عليه، حتى عندما تُعلن الدولة أنها تزيد الإنفاق عليهم.

حين يشعر المواطن أن الدولة تستخرج منه أكثر مما تعطيه، وأنه حاضر في خطاب الحكومة كرقم في الدعم أو كوعاء للضريبة لا كشريك في القرار، ينشأ شعور بالغربة. هذا الشعور لا يأتي من الفقر وحده، بل من الإحساس بأن السياسات لا تنحاز لمن يحملون العبء الأكبر من المجتمع

أين يظهر الخلل؟ الخلل ليس فقط في حجم الأرقام، بل في "توزيع المعنى" داخل الموازنة. الحكومة تقول إنها تدعم الفئات الأولى بالرعاية، لكنها في الوقت نفسه تعتمد بدرجة كبيرة على ضرائب يرتد أثرها على المستهلك النهائي، أي المواطن العادي. كما أن رفع حصيلة الضرائب على المرتبات بنسبة 51 في المئة يثير سؤالا مباشرا: هل يعني ذلك أن الأجر الحقيقي للعامل سيتآكل تحت ضغط التحصيل، بينما تبقى الثروات الكبرى أكثر قدرة على المناورة؟

وهنا تتكون المفارقة الأكثر مرارة: الفقير لا يشعر فقط أنه يدفع، بل يشعر أنه يدفع (ويُلام) أيضا على عجزه عن اللحاق بالحياة. فالأسعار ترتفع، والدعم لا يواكب الارتفاع، والضرائب غير المباشرة تُخصم من يومه قبل أن يبدأه. لذلك يتحول العجز المالي إلى عجز نفسي، ويتحول الضغط الاقتصادي إلى إحساس بالاغتراب داخل الوطن نفسه.

الغربة داخل الوطن

حين يشعر المواطن أن الدولة تستخرج منه أكثر مما تعطيه، وأنه حاضر في خطاب الحكومة كرقم في الدعم أو كوعاء للضريبة لا كشريك في القرار، ينشأ شعور بالغربة. هذا الشعور لا يأتي من الفقر وحده، بل من الإحساس بأن السياسات لا تنحاز لمن يحملون العبء الأكبر من المجتمع. وعندئذ تصبح الموازنة وثيقة مالية، لكنها أيضا مرآة سياسية وأخلاقية: هل الدولة تنظر إلى المصريين بوصفهم مجتمعا واحدا، أم طبقات متفاوتة القيمة والوزن؟

إذن هي موازنة تحاول ألا تغضب أحدا، ولذلك قد تنتهي إلى إرضاء المؤشرات أكثر من إرضاء العدالة الاجتماعية. والملاحظ أيضا أن موازنة مصر 2026/2027 تكشف أن الدولة لا تتعامل مع الفقراء بوصفهم شركاء في الثروة بقدر ما تتعامل معهم بوصفهم فئة تحتاج إلى التسكين بالدعم، بينما تُصاغ السياسات الكبرى بما يحفظ توازنات الدين والطاقة والإنفاق العام.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس هل توجد حماية اجتماعية، بل هل هذه الحماية تعيد للمواطن المصري حقه في نصيب عادل من الدولة، أم أنها تكتفي بتخفيف الألم دون علاج السبب؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)