إنّ اللحظات التاريخية
الكبرى لا تُقاس بمقدار الضجيج الذي نحدثه، بل بمقدار الوعي الذي نجسده. في ظل "
الحروب
المجنونة" التي تخلط الأوراق وتتستر خلف الشعارات الدينية لتبرير الدمار، يصبح
إدراك "حق الوقت" هو الفارق الجوهري بين الانتحار الجماعي وبين النصر الاستراتيجي.
فقه الموازنات: الوحدة
كدرع استراتيجي
إنّ أولى
السنن الكونية
التي تحكم البقاء هي التكتل؛ في الفيزياء، الذرات المنفردة غير مستقرة، وفي الغابة
الصيد السهل هو الفريسة الشاردة.
*واقعيا:
الحروب الحديثة ليست صراعا بين أفراد، بل هي "
صراع منظومات". عندما تتفتت
الدول والجماعات إلى كانتونات صغيرة متناحرة، فإنها تقدم لعدوها أعظم خدمة مجانية.
*تاريخيا:
لم تسقط الأندلس بضعف شجاعة مقاتليها، بل بظاهرة "ملوك الطوائف"؛ حيث استعان
الأخ على أخيه بالعدو المتربص، فكانت النتيجة ضياع الجميع.
بالنظر إلى مفهوم حق الوقت يبرز السؤال: متى يكون الصمت والانسحاب انتصارا؟ لأن الاندفاع الدائم ليس شجاعة، بل قد يكون رعونة. إنّ توقيت الفعل أهم من الفعل نفسه
بالنظر إلى مفهوم
حق الوقت يبرز السؤال: متى يكون الصمت والانسحاب انتصارا؟ لأن الاندفاع الدائم ليس
شجاعة، بل قد يكون رعونة. إنّ توقيت الفعل أهم من الفعل نفسه.
- صلح الحديبية (درس
في الانسحاب التكتيكي):
اعتبره بعض الصحابة
"دنية في الدين"، لكن القرآن وصفه بـ"الفتح المبين"، لقد كان انسحابا
عن المواجهة العسكرية المباشرة مقابل اعتراف سياسي وهدوء يتيح إعادة ترتيب الصفوف.
الصمت هنا كان أبلغ من السيف.
- قصة طالوت وجالوت
(سنة التمحيص):
قبل المواجهة، فرض
الله اختبارا (النهر)؛ فمن شرب منه سقط من الحسابات. العبرة ليست بالعدد، بل بـ"حسن
الإعداد النفسي" والوحدة خلف قيادة واعية. أحيانا يكون الانسحاب من المعركة الصغيرة
هو السبيل الوحيد لكسب الحرب الكبرى.
السنن الكونية والقرآنية
في التغيير
إذا كانت أمتنا تسعى
الى تغيير واقعها فالطريق نحو التحرير والتنمية ليس مفروشا بالأماني، بل بالخضوع للقوانين
التي لا تحابي أحدا مثل:
1- قانون "الإعداد
قبل الإمداد": يقول تعالى: "وَأَعِدُّوا
لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ"؛ القوة هنا ليست عسكرية فحسب، بل هي قوة
العلم، والاقتصاد، والتماسك الاجتماعي. الاندفاع للمواجهة دون غطاء تنموي واكتفاء ذاتي
هو استنزاف للموارد البشرية قبل المادية.
2- تجاوز "عقدة
الانتقام" إلى "إرادة البناء": الرغبة في الانتقام
هي طاقة انفعالية لحظية تنتهي بانتهاء الفعل، أما إرادة التحرير فهي مشروع بناء طويل
الأمد.
مثال: اليابان وألمانيا
بعد الحرب العالمية الثانية؛ لم تنشغلا بكراهية المنتصر، بل بـ"حسن الإعداد"
حتى صارتا اليوم قوى تهابها القوى التي هزمتهما عسكريا.
كيف هو مسار الطريق
أو خارطة العمل الواجبة الآن للانتقال من واقع التمزق إلى هدف التحرير والتنمية؟ نقترح
اتباع الآتي:
* تغليب
الكلية على الجزئية: أن تكون مصلحة "الأمة" أو "الدولة" مقدمة
على مصلحة الفصيل أو الحزب أو الجماعة.
* إدارة
الأولويات: "حق الوقت" الآن يقتضي بناء الإنسان، التعليم، وتوحيد الجبهات
الداخلية. فالمواجهة المستمرة مع عدو يتفوق تكنولوجيا دون استعداد موازي هي انتحار،
بينما "الكُمون الاستراتيجي" هو قمة الذكاء القتالي.
* نبذ
الخطاب الطائفي: الشعارات الدينية التي تفرق بدلا من أن تجمع هي وقود للحروب المجنونة.
الدين في جوهره جاء ليعصم الدماء لا ليبددها في معارك عبثية، وهذا يحتاج جهد العلماء
والسياسيين المخلصين لدينهم وأوطانهم.
إن النصر ليس مجرد
لحظة اشتباك، بل هو حصاد لسنوات من الصبر، والتخطيط، والوحدة. الصمت أحيانا هو "ضجيج
الإعداد"، والانسحاب أحيانا هو "إعادة تموضع للقفز أبعد". الطريق يبدأ
من الداخل: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنْفُسِهِمْ".