بين تآكل الردع الإيراني وعقيدة "درع يهودا": هل يبتلع القطب الواحد جغرافيا الشرق الأوسط؟

عبد اللطيف مشرف
"الضعف البنيوي جعل النظام الإيراني يرتهن كليا للقوة الصاروخية كأداة ردع وحيدة، وهي مقامرة استراتيجية محفوفة بالمخاطر"- جيتي
"الضعف البنيوي جعل النظام الإيراني يرتهن كليا للقوة الصاروخية كأداة ردع وحيدة، وهي مقامرة استراتيجية محفوفة بالمخاطر"- جيتي
شارك الخبر
تجد منطقة الشرق الأوسط نفسها اليوم أمام مخاض جيوسياسي هو الأعنف منذ عقود، حيث لم تعد الصراعات تدار عبر "الوكلاء" أو في "المناطق الرمادية"، بل انتقلت إلى قلب "المراكز" وبنيتها التحتية والقيادية. وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي شهدها مطلع عام 2026، يبدو أننا بصدد طي صفحة "توازن الرعب" التقليدي، لندخل حقبة "الانكشاف الاستراتيجي" الذي يمهد لإعادة صياغة المنطقة وفق هندسة أمنية جديدة.

طهران: الانكشاف تحت سماء مكشوفة

تعيش طهران اليوم حالة من "العُري الدفاعي" الحاد؛ فسنوات الحصار الطويل لم تكن مجرد أرقام اقتصادية، بل تحولت إلى فجوة تقنية هائلة أدت إلى تآكل الردع التقليدي، لا سيما في سلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي. هذا الضعف البنيوي جعل النظام الإيراني يرتهن كليا لـ"القوة الصاروخية" كأداة ردع وحيدة، وهي مقامرة استراتيجية محفوفة بالمخاطر بعد نجاح الخصوم في تحييد "الأذرع الإقليمية" التي كانت تمثل حوائط الصد المتقدمة.

على أنقاض هذا التراجع، تبرز ملامح ما يمكن تسميته بعقيدة "درع يهودا"، وهي رؤية تتجاوز مفهوم "الدفاع عن النفس" لتصل إلى "الهيمنة المطلقة". هذه العقيدة تستمد وقودها من صعود تيارات الصهيونية الدينية في إسرائيل، وتجد صدى واسعا في واشنطن

إن تحييد هذه الأطراف، من أفغانستان وصولا إلى حلفاء المتوسط، وضع "الهرم القيادي" الإيراني في مواجهة مباشرة مع خطر "الانهيار النسقي". ففي النظم شديدة المركزية، يتحول استهداف الرأس إلى شلل كامل في مفاصل الدولة، مما يخلق فراغا جيوسياسيا لم تشهده المنطقة منذ سقوط الإمبراطوريات الكبرى.

عقيدة "درع يهودا": الهيمنة كبديل للردع

على أنقاض هذا التراجع، تبرز ملامح ما يمكن تسميته بعقيدة "درع يهودا"، وهي رؤية تتجاوز مفهوم "الدفاع عن النفس" لتصل إلى "الهيمنة المطلقة". هذه العقيدة تستمد وقودها من صعود تيارات الصهيونية الدينية في إسرائيل، وتجد صدى واسعا في واشنطن مع توجهات شخصيات سياسية مؤثرة كالسفير مايك هاكابي، الذي يدفع باتجاه إعادة صياغة المنطقة كقطب أحادي تقوده إسرائيل بدعم أمريكي غير مشروط.

إن مشروع "يهودا الكبرى" لم يعد مجرد أدبيات دينية، بل تحول إلى خطة عمل سياسية تهدف إلى:

- استثمار الفراغ الجيوسياسي الناتج عن تحجيم الدور الإيراني.

- تصفية التيارات الإسلامية (السياسية والمسلحة) لضمان خلو الساحة من أي مشروع منافس.

- فرض واقع القطب الواحد الذي ينهي حالة السيولة الاستراتيجية في الإقليم.

المستقبل: خضوع شامل أم صراع صفري؟

السؤال الذي يفرض نفسه بحدة: هل يؤول سقوط المركز الإيراني وتفكيك حلفائه إلى حالة من الخضوع الإقليمي الشامل الذي يكرس مشروع "يهودا الكبرى" كأمر واقع؟

الواقع التاريخي والسياسي يشير إلى أن المنطقة نادرا ما تستسلم لمنطق "القطب الواحد". فبينما يطمح مهندسو "درع يهودا" إلى استقرار ناتج عن الهيمنة، فإن المسار المرجح قد ينزلق نحو "صراع صفري مفتوح". إن غياب "المركز" لا يعني بالضرورة سيطرة "الطرف الآخر"، بل قد يعني تشظي الصراع وتحوله إلى حروب استنزاف طويلة الأمد، لا تلتزم بحدود الجغرافيا أو قواعد الاشتباك التقليدية.

وختاما نرى أن الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة تحول بنيوي؛ فإما أن تنجح القوى الساعية للهيمنة في فرض نظام القطب الواحد على أنقاض الانكشاف الإيراني، وإما أن تدخل المنطقة في دوامة من الفوضى المنظمة التي لا تُبقي ولا تذر. وفي الحالتين، فإن "المركز الإيراني" لم يعد هو اللاعب الوحيد، بل أصبح هو الساحة التي ستحدد نتائجها شكل النظام الدولي الجديد في منطقتنا.
التعليقات (0)

خبر عاجل