اليوان والزيتون: كيف تفرض بكين سلامها الخشن في الشرق الأوسط؟

عبد اللطيف مشرف
"تسعى واشنطن لمنع وصول الصين إلى تقنيات المعالجات المتقدمة، بينما ترد بكين بالسيطرة على المعادن الأرضية النادرة"- الأناضول
"تسعى واشنطن لمنع وصول الصين إلى تقنيات المعالجات المتقدمة، بينما ترد بكين بالسيطرة على المعادن الأرضية النادرة"- الأناضول
شارك الخبر
الملخص:

بينما لا تزال الصواريخ ترسم حدود الدم في الشرق الأوسط، تمضي بكين بهدوء في رسم حدود النفوذ القادم باليوان الرقمي وعقود الإعمار. يقدّم هذا المقال قراءة استشرافية معمّقة في ثلاثة محاور رئيسية: الميزانية الاستراتيجية الروسية بين مكاسب الميدان وتبعات التبعية، وآليات "الدبلوماسية الخشنة الصامتة" التي تمارسها الصين لفرض وقف إطلاق النار كأمر واقع، وصولا إلى التداعيات الهيكلية على النظام الدولي وموازين القوى الكبرى، حيث تتحول المنطقة من ساحة نفوذ تقليدي إلى ضاحية اقتصادية كبرى لبكين.

أولا: المشهد العام- مفترق الطرق الجيوسياسي

يشهد النظام الدولي منذ عام 2022 تحولات بنيوية متسارعة؛ شكلت الحرب الأوكرانية شرارتها الأولى، ثم جاءت التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط لتعمّق الانقسام بين النظام الغربي بقيادة واشنطن والنظام الموازي الصاعد بقيادة مزدوجة (روسية-صينية). لم يعد الصراع الدائر مجرد نزاع عسكري إقليمي، بل هو اختبار لشرعية النماذج الحوكمية المتنافسة: نموذج "القواعد الليبرالية الغربي" في مواجهة نموذج "السيادة المطلقة وتعددية الأقطاب". ومن داخل هذه المعادلة، تبرز الصين كالفاعل الأكثر حكمة وصبرا؛ إذ تتجنب الانخراط العسكري المباشر بينما تُحكم قبضتها الاقتصادية والدبلوماسية على مفاصل الأزمة.

ثانيا: الميزانية الروسية 2026- جدول المكاسب والخسائر
لا يمكن قراءة الدور الصيني دون استيعاب الموقع الروسي المُثقَل؛ فموسكو هي اللاعب الذي يخوض حرب الاستنزاف بالوكالة عن محور متشكّل بحذر، فيما تجني بكين الثمار بتكلفة أدنى بكثير

لا يمكن قراءة الدور الصيني دون استيعاب الموقع الروسي المُثقَل؛ فموسكو هي اللاعب الذي يخوض حرب الاستنزاف بالوكالة عن محور متشكّل بحذر، فيما تجني بكين الثمار بتكلفة أدنى بكثير.

1.المكاسب الروسية الاستراتيجية

- اختبار المنظومات: تطوير العقيدة القتالية واختبار أسلحة الجيل الخامس ميدانيا.

- توسيع النفوذ: تكريس الوجود العسكري في البحر الأسود وبحر آزوف، وتوسيع شبكة "العملاء الاستراتيجيين" في أفريقيا وآسيا (إيران، كوريا الشمالية).

- اقتصاد المحاصرة: بناء اقتصاد حرب مقاوم للعقوبات؛ حيث بلغت إيرادات النفط والغاز الروسية نحو 320 مليار دولار في 2025 بفضل الصفقات الآسيوية، مما قلص الاعتماد على أوروبا.

2. الخسائر والاستنزاف الهيكلي

- الفاتورة البشرية: تقديرات موثقة تشير إلى ما بين 300 ألف و500 ألف قتيل وجريح بحلول آذار/ مارس 2026.

- العزلة المالية: الخروج من منظومة "SWIFT" أدى لهجرة غير مسبوقة للنخب والكفاءات (Brain Drain).

- التبعية لبكين: تحولت موسكو من "شريك نِدّي" إلى "تابع ضروري"؛ حيث تتم الآن تسوية أكثر من 70 في المئة من مدفوعات الطاقة الروسية باليوان، مما يمنح بكين "حق فيتو" اقتصاديا غير معلن على القرارات الروسية.

ثالثا: الصين في الحلبة- من الوساطة إلى الإملاء الخشن

دخول مبعوث صيني خاص للشرق الأوسط (مثل تشاي جون) إلى مسرح الأزمة في آذار/ مارس 2026 ليس مسعى دبلوماسيا مألوفا، بل هو إعلان عن انتهاء عصر "التفرد الأمريكي". ما تمارسه بكين اليوم هو "الدبلوماسية الخشنة الصامتة" (Coercive Silent Diplomacy)؛ وهي فرض شروط التفاوض كأمر واقع باستخدام أدوات تمتد من أسواق رأس المال إلى سلاسل التوريد العالمية. الصين لا تطلب السلام كأمنية أخلاقية، بل "تُسعّره" وتجعله خيارا وحيدا لتجنب الانهيار الاقتصادي الشامل للأطراف المتصارعة.

رابعا: سلاح "الاستقرار الطاقوي" كأداة ضغط

الصين هي أكبر مستورد للنفط عالميا (بمعدل يتجاوز 11 مليون برميل يوميا)، وأي اضطراب في مضيق هرمز يعني شللا في مصانعها. لذا، تستخدم بكين نفوذها لفرض "التفاوض الخشن":

- على طهران: مقايضة استمرار الدعم المالي والتقني (ضمن اتفاقية الـ25 عاما) بتنازلات تكتيكية لإنهاء الصراع، محذرة من أن الاستنزاف قد يسقط النظام الإيراني الذي تحتاجه بكين كحليف مستقر.

- على واشنطن وإسرائيل: التلويح بتقييد تصدير المعادن النادرة (التي تسيطر الصين على 80-90 في المئة من إنتاجها العالمي وحيويتها للصناعات الدفاعية الأمريكية)، أو بيع سندات الخزينة الأمريكية (بمليارات الدولارات)، مما يجعل تكلفة الحرب الاقتصادية على أمريكا باهظة جدا مقارنة بمكاسبها العسكرية.

خامسا: مبادرة الأمن العالمي (GSI) ومشروع "مارشال الآسيوي"

تستغل بكين الفراغ الذي خلفته "الفوضى الأمريكية" لتسويق مبادرة الأمن العالمي (GSI) كبديل مؤسسي للتحالفات الغربية:

- قمة السلام البديلة: نقل منصات التفاوض إلى الرياض أو بكين تحت مظلة "بريكس+" أو منظمة شنغهاي، لترسيخ فكرة أن "الحلول لم تعد تأتي من الغرب".
تستغل بكين الفراغ الذي خلفته "الفوضى الأمريكية" لتسويق مبادرة الأمن العالمي (GSI) كبديل مؤسسي للتحالفات الغربية

- مارشال الآسيوي: طرح حزمة إعمار ضخمة للمصافي والبنية التحتية المدمرة، ولكن بشروط صينية صلبة: التمويل حصرا بـ"اليوان الرقمي"، وربط الشبكات القومية بالمعايير التقنية الصينية (شبكات 6G ومنصات الحوكمة الذكية). هذا المسار يحول المنطقة إلى "ضاحية اقتصادية-رقمية" مرتبطة بنيويا بالقلب الصيني، مما يوجه ضربة قاضية لجوهر "البترودولار".

سادسا: السلام الصيني- استثمار أم هيمنة؟

ثمة جدل استراتيجي حول طبيعة هذا النفوذ؛ هل هو توسع براغماتي أم مشروع هيمنة؟ الإجابة هي الاثنان معا. بكين تبدأ من المصلحة الاقتصادية، لكنها تعلم أن الهيمنة المستدامة تحتاج بنية مؤسسية ومعيارية (Institutional & Normative Architecture). ومع ذلك، تظل هناك نقاط هشاشة: الاعتماد المفرط على استقرار النظام الإيراني، وصعوبة إدارة التوترات مع القوى الخليجية الساعية لضمانات أمنية صلبة، ومخاطر "فخ الديون" التي قد تثير ريبة القوى الإقليمية.

سابعا: السيادة التقنية- الميدان الحقيقي لصراع الأقطاب

في عام 2026، لم تعد السيادة تقتصر على السيطرة على الأرض أو الموارد الاقتصادية التقليدية، بل انتقلت إلى ما نسميه "السيادة التقنية". فمن يمتلك السيادة على سلاسل توريد أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي "الوكيل" (Agentic AI)، وشبكات الجيل السادس (G6)، يمتلك القدرة على توجيه مسارات السياسة الدولية.

- التنافس الأمريكي الصيني: يظهر هذا الصراع بوضوح في "حرب الرقائق"؛ حيث تسعى واشنطن لمنع وصول الصين إلى تقنيات المعالجات المتقدمة، بينما ترد بكين بالسيطرة على المعادن الأرضية النادرة.

- الحدود الرقمية: أصبحت الحدود الجغرافية هشة أمام النفوذ الرقمي؛ فالصين تمد "طريق الحرير الرقمي" عبر كابلات الألياف الضوئية العابرة للمحيطات، مما يجعل بكين المشغل الفعلي لشبكات البيانات في مناطق شاسعة من الشرق الأوسط وأفريقيا.

ثامنا: من البترودولار إلى الدولار الرقمي- استراتيجية البقاء الأمريكية

تواجه الولايات المتحدة تحديا وجوديا لنظام "البترودولار" الذي هيمن منذ السبعينيات. ومع تزايد التوجه نحو تسعير النفط باليوان، بدأت واشنطن في تسريع خططها نحو "الدولار الرقمي" (CBDC):

- الهدف الاستراتيجي: تسعى واشنطن لجعل الدولار الرقمي البديل التكنولوجي المتطور للبترودولار، ليس فقط للحفاظ على مكانته كعملة احتياط، بل لتعزيز قدرتها على مراقبة التدفقات المالية العالمية وفرض العقوبات بفاعلية تقنية لا يمكن الالتفاف عليها.

- صراع العملات المشفرة: تخوض واشنطن وبكين سباقا محموما لرقمنة العملات؛ فالصين تريد "اليوان الرقمي" وسيلة لكسر هيمنة نظام "SWIFT"، بينما ترى واشنطن في رقمنة الدولار وسيلة لإعادة إحياء الهيمنة المالية في العصر الرقمي.

الخلاصة الاستراتيجية

تضرب بكين عصفورين بحجر واحد: تُنهي الحرب بشروط تضمن تدفق الطاقة إليها، وتُكرّس نفسها زعيما أخلاقيا وقانونيا للنظام الدولي الجديد، تاركة لواشنطن فاتورة الدمار، ومحتفظة لنفسها بعقود البناء والمستقبل. اليوان هو لغة هذا السلام الجديدة. والمسألة الحقيقية ليست إن كانت الصين ستنجح، بل متى يدرك الغرب أنه كان يخوض لعبة الأمس بقواعد اليوم، بينما رسمت بكين بالفعل ملامح الغد.

قائمة المراجع

1. Mearsheimer, J. J. (2022). "The Darkness Ahead: Where the Ukraine War is Headed." Horizons, No. 23.

2. Allison, G. (2017). Destined for War: Can America and China Escape Thucydides's Trap? Houghton Mifflin Harcourt. (للإطار النظري لصراع الأقطاب).

3. Hillman, J. E. (2021). The Digital Silk Road: China's Quest to Wire the World and Win the Future. Harper Business.

4. Sun, Y. (2024). "China’s Mediation in the Middle East: Interests and Leverage." Stimson Center.

5. U.S.-China Economic and Security Review Commission (2025). Annual Report to Congress.

6. IISS (2026). "The Future of Dollar Dominance and Digital Currency Competition." Strategic Survey.

7. Hillman, J. (2024). The Digital Silk Road and the Project of the Century. Yale University Press.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل