زلزال "صدام الحضارات": هل تُعيد نيران الشرق الأوسط بعث نبوءة صموئيل هنتنغتون؟

عبد اللطيف مشرف
"الحرب الحالية تعيد فرز المنطقة وفقا للانتماءات الهوياتية الكبرى"- الأناضول
"الحرب الحالية تعيد فرز المنطقة وفقا للانتماءات الهوياتية الكبرى"- الأناضول
شارك الخبر
في مطلع التسعينيات، وبينما كان العالم ينتشي بسقوط جدار برلين معلنا "نهاية التاريخ" وفق رؤية فرنسيس فوكوياما التبشيرية بسيادة الليبرالية الغربية، كان صموئيل هنتنغتون يخط ببرود "الواقعي السياسي" خارطة طريق مغايرة تماما في كتابه العمدة "صراع الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي". لم يكن هنتنغتون يرى في سقوط الشيوعية نهاية للصراع، بل كان يرى انزياحا في "الصفائح التكتيكية" للتاريخ؛ حيث ستتوقف الحروب عن كونها صراعا بين "أيديولوجيات" لتصبح صراعا بين "هويات" وجذور ثقافية ودينية عميقة. اليوم، ومع انفجار المشهد في الشرق الأوسط وتحول المواجهة بين المثلث (الإيراني- الأمريكي- الإسرائيلي) إلى صراع وجودي عابر للحدود، يبدو أن التاريخ قد استدار ليعيد الاعتبار لهنتنغتون، واضعا العالم على حافة "الحرب العالمية الثالثة" بمواصفات حضارية بامتياز.

أولا: منطق "الأحواض الحضارية" وانهيار الدولة الوطنية:

من زاوية التاريخ السياسي، نلاحظ أن ما يحدث اليوم هو عملية "تفكيك" قسرية لمفهوم الدولة الوطنية (Westphalian State) التي فُرضت على الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى. إن الصراع الدائر حاليا بين طهران وتل أبيب، ومن خلفهما واشنطن، لم يعد محكوما بحدود "الدولة"، بل تحول إلى صراع "أحواض حضارية".

الصراع الدائر حاليا بين طهران وتل أبيب، ومن خلفهما واشنطن، لم يعد محكوما بحدود "الدولة"، بل تحول إلى صراع "أحواض حضارية"

لقد استشرف هنتنغتون أن الصراعات القادمة ستندلع عند "خطوط الصدع" (Fault Lines) التي تفصل بين الحضارات. والشرق الأوسط اليوم يمثل منطقة الصدع الأكثر التهابا، حيث تتماس الحضارة الإسلامية (بأقطابها المتعددة) مع ما يعتبره هنتنغتون "الجيب الحضاري الغربي" المتمثل في إسرائيل. إن الحرب الحالية تعيد فرز المنطقة وفقا للانتماءات الهوياتية الكبرى؛ فالولايات المتحدة لا تتحرك في المنطقة كدولة تسعى لمصالح نفطية فحسب، بل كقائد لـ"الحضارة الغربية" يحمي تخومه الأمامية، بينما تتحرك إيران كقطب يسعى لترميم "الحوض الحضاري الإسلامي" في مواجهة ما تراه "تغريبا" قسريا للمنطقة.

ثانيا: الحلف "الكنفوشيوسي- الإسلامي".. النبوءة التي تجسدت:

من أعمق وأخطر فرضيات هنتنغتون كانت إشارته إلى نشوء تحالف استراتيجي بين الحضارة "الكنفوشيوسية" (الصين) والحضارة الإسلامية لمواجهة التحدي الغربي. بالنظر إلى المشهد الراهن، نجد أن هذا "المحور" لم يعد مجرد فرضية أكاديمية؛ فالدعم الصيني والروسي (الحضارة الأرثوذكسية) لإيران في المحافل الدولية، والشراكات الاقتصادية والعسكرية العميقة، تعكس رغبة هذه الحضارات في كسر "الأحادية القطبية" الغربية.

إن الحرب الإيرانية-الأمريكية المستترة، والتي تتخذ من الساحة الإسرائيلية واللبنانية واليمنية ميادين لها، هي في جوهرها محاولة من "البقية (The Rest) لتحدي "الغرب". الصين وروسيا ترقبان المشهد بدقة، مدركتين أن انكسار إيران في هذا الصراع يعني تأبيد الهيمنة الغربية على قلب العالم، بينما يعني صمودها نجاح أول عملية اختراق كبرى لمنظومة "الكونية الغربية" التي انتقدها هنتنغتون بشدة واعتبرها وهما استعلائيا.

ثالثا: إسرائيل كـ"دولة حصينة" في مهب الصدام:

في فكر هنتنغتون، تُعد إسرائيل نموذجا للدولة التي تمثل "رأس الحربة" لحضارة غريبة في بيئة حضارية مغايرة. ومن هنا، فإن الصراع الحالي يعيد تشكيل الوعي الجمعي الشعبي في المنطقة ليتجاوز الخلافات السياسية البسيطة نحو "العداء الحضاري".

ما تفعله الحرب الحالية هو أنها تُنهي أسطورة "الاندماج الإقليمي" أو "الشرق الأوسط الجديد" القائم على المصالح الاقتصادية المحضة، وتعيد الاعتبار لـ"الجغرافيا السياسية الدينية". عندما نرى الحشود في شوارع العواصم الغربية تتصادم فكريا وثقافيا حول أحداث غزة ولبنان، فإننا نرى انتقال "خطوط الصدع" من حدود الدول إلى قلب المدن الغربية نفسها، وهو ما حذر منه هنتنغتون عند حديثه عن "المهاجرين الذين لا يندمجون" ويحملون معهم انتماءاتهم الحضارية.

رابعا: استشراف الحرب العالمية الثالثة.. هل بدأت فعلا؟

يرى هنتنغتون أن الحرب العالمية القادمة لن تكون بالضرورة جيوشا كلاسيكية تكتسح قارات، بل هي "سلسلة من الحروب الإقليمية على خطوط الصدع" التي تنجذب إليها القوى العظمى (Core States) لحماية تابعيها الحضاريين.

في الصراع الحالي، تنجذب الولايات المتحدة (الدولة القائد للغرب) بقوة نحو المواجهة المباشرة لحماية إسرائيل، بينما تجد إيران نفسها مدفوعة لقيادة محور يمتد من المتوسط إلى الخليج. وإذا ما انزلقت الأمور نحو مواجهة شاملة، فإن دخول أقطاب أخرى مثل الصين أو روسيا لن يكون من باب "التحالف العسكري" التقليدي، بل من باب "منع الهيمنة الغربية" من حسم الصراع الحضاري لصالحها. هذا السيناريو هو بالضبط ما وصفه هنتنغتون بـ"المواجهة العالمية الكبرى" التي تولد من رحم صراعات محلية تكتسب صفة "القداسة الثقافية".

خامسا: "الكونية الغربية" مقابل "التعددية الحضارية":

إن جوهر الأطروحات والمؤلفات التي نشتغل عليها في سياق التاريخ السياسي، تؤكد أن الغرب ارتكب خطأ استراتيجيا بمحاولة فرض قيمه كقيم "عالمية". هنتنغتون كان صريحا حين قال: "إن ما يعتبره الغرب قيما عالمية، تعتبره الحضارات الأخرى إمبريالية ثقافية".

نحن نعيش فعليا بوادر حرب عالمية ثالثة في بدايتها من خلال حرب اقتصادية واستقطاب وسباق تسلح وإعادة مفاهيم الجغرافيا المقدسة، وفرض مبدأ القوة للتغيير السياسي قبل مراحل المواجهة الصلبة

الحرب الإيرانية-الأمريكية-الإسرائيلية اليوم هي الصدام العنيف بين إصرار الغرب على بقاء "السيستم" العالمي كما صاغه بعد 1945، وبين بروز قوى إقليمية ودولية تطالب بـ"تعددية حضارية". إيران هنا لا تمثل نفسها كدولة فحسب، بل تمثل "نموذجا هوياتيا" يرفض التبعية للنموذج الغربي، وهذا هو المحرك الفعلي للصراع الذي يتجاوز حدود السلاح النووي أو النفوذ المليشياوي.

الخلاصة: نحو عالم "متعدد الحضارات" أو "الفوضى الشاملة"

من التفاعلات بين الغرب والشرق، ومن خلال رصدنا للتفاعلات التاريخية في هذه المنطقة الحساسة من العالم، نرى أن نبوءة هنتنغتون تتحقق بصورة تدعو للتأمل والقلق معا. إن إعادة تشكيل "الأحواض الحضارية" تجري الآن بالدم والنار.

لقد كان درس هنتنغتون الأخير للغرب هو: "لكي تتجنبوا الحرب العالمية الثالثة، عليكم أن تقبلوا بأنكم لستُم العالم، وأن الحضارات الأخرى لها منطقها الخاص". ولكن، يبدو أن صانع القرار في واشنطن وتل أبيب لا يزال يراهن على "القوة الصلبة" لفرض "القيم والهيمنة الغربية"، وهو الرهان الذي قد يفتح أبواب الجحيم على صراع حضاري شامل لا يبقي ولا يذر.

إن الحرب الحالية في الشرق الأوسط هي "الاختبار النهائي" لفرضية صراع الحضارات؛ فإما أن ينتهي الصدام باعتراف متبادل بـ"المجالات الحيوية الثقافية"، أو أننا نشهد بالفعل الفصول الأولى من حرب عالمية ثالثة، محركها ليس "الأرض"، بل "الروح" و"الهوية" و"الانتماء"، فنحن نعيش فعليا بوادر حرب عالمية ثالثة في بدايتها من خلال حرب اقتصادية واستقطاب وسباق تسلح وإعادة مفاهيم الجغرافيا المقدسة، وفرض مبدأ القوة للتغيير السياسي قبل مراحل المواجهة الصلبة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)