مع انطلاق
العدوان الإسرائيلي الأمريكي على الجمهورية الإسلامية في
إيران، بأهدافه المعلنة لإسقاط
النظام، وهزيمة حرس الثورة الإسلامية، ودفع الشعب الإيراني للتمرد على قياداته،
وما نتج عنها من ردود فعل إيرانية غير مسبوقة تجاه عدد من دول الإقليم واستهداف
القواعد الأمريكية فيها، بتنا أمام الحقيقة المجردة: عالم الأمس ونظامه الدولي
انتهى بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ودخلنا مرحلة المخاض العسير، والذي سينتج عنه
نظام دولي جديد. حتما ستختفي معه دول وكيانات وستظهر أخرى، فالديناميكية والتدافع
من السنن الثابتة التي عرفتها البشرية.
السؤال
الجوهري: ليس هل ستتحرك الأطراف المتربصة -وهي كثيرة- بل متى، وكيف، وفي أي
الاتجاهات، وما هي الأهداف؟
انظروا إن
شئتم لاختلال تركيبة مجلس الأمن وتفريغه من مضمونه على يد الإدارات الأمريكية
المتعاقبة، التي لم تُقم أي وزن للقوى العالمية الصاعدة، وعجز المجلس عن مواكبة
قضايا العالم في ظل تغول واشنطن السافر. وقد كانت جريمة الإبادة الجماعية في غزة
أوضح صورة على بشاعة هذا الاختلال والتغول عندما فشل العالم على مدار عامين كاملين
في وقف عمليات الإبادة الجماعية والتجويع والتطهير العرقي الذي يتعرض له الشعب
الفلسطيني، وأخيرا عندما تجاهله الرئيس الأمريكي ترامب، معلنا إنشاء مجلس السلام،
منهيا فعليا أي دور لهذا المجلس فاقد الإرادة، بعدما ألغى الأمريكيون من قبله
وكالة الأونروا وانسحبوا من عشرات المنظمات والمؤسسات الدولية.
الولايات
المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي أشعلا فتيل
الحرب العدوانية الغاشمة على
الجمهورية الإسلامية في إيران، لكن لأي الأماكن ستصل القذائف والغارات؟ لا أحد
يعلم علم اليقين ولا يمكن التنبؤ بذلك، ولا في أي المسارح ستتوقف أتون الحرب!
من هم
الأصدقاء والحلفاء؛ بل والأعداء؟ الوقت وحده الكفيل بالإجابة عن كل التساؤلات،
فالمصالح ستكون العامل الرئيس في فرز الاصطفافات وإنشاء التحالفات المستقبلية.
حتى ذلك
الحين بكل أسف، لا أرى للعرب من مكانة حقيقية في مشهد سيحدد مصير أوطانهم لربما
للأبد، وحدهم من خرجوا للمواجهة مبكرا اختاروا البقاء والخلود، ببساطة لأن من
"يجبن عند المواجهة لا توهب له الحياة"، هذه قوانين لا تعرف المجاملة،
ولا تحابي أحدا ولا تعترف بالطائفية، فالمعركة معركة وجود.
ومن لم
يستعد لهذا اليوم ويعد له ويجهز شعبه ومقدراته، سيجد نفسه رهينة لأطماع
المتحاربين، فواشنطن لم تكن بهذا القدر من الوضوح والفجاجة، والذي يعبر عنه الرئيس
الأمريكي ترامب وأركان إدارته العنصريين بكل صلف، فهم واضحون حد الوقاحة. ولربما
ما عبر عنه وزير الدفاع الأمريكي من معتقدات صليبية عدوانية، أو حتى تصريحات
السفير مايك هاكابي بتمنيه ضم الاحتلال الإسرائيلي للدول
العربية لإقامة
"اسرائيل الكبرى" كحق تاريخي لليهود، يؤكد هذه الحقيقة.
أما نحن
للأسف فقد أشغلتنا الخلافات المصطنعة، والاصطفات المذهبية، وحروب التلاسن
والتباغض، عن رؤية العدو الحقيقي للأمة، الذي يتربص بنا جميعا؛ بل خرجت أصوات ترى
بضرورة دمجه في المنطقة والتطبيع معه، من حكومات عربية وإسلامية، غير آبهة بكل
الحقائق التاريخية والشواهد الماثلة أمامها، حتى تركوا غزة تذبح أمامهم رغبة ورهبة
لعامين كاملين، وقد فشلوا في إغاثتها أو وقف الإبادة التي تقتل أهلها. والنتيجة أن
نزعة الغرور الصهيوأمريكية لم تتراجع؛ بل ذهبت بعيدا نحو التطلع لإقامة "إسرائيل
الكبرى" وفق رؤية تلمودية مزعومة وبكل غرور وتبجح، على حساب أوطاننا.
وهل كنتم
تتوقعون غير ذلك؟ يُجيب التاريخ، ويُصدقه الواقع، ويُؤكده المسؤولون الأمريكيون
والصهاينة بألسنتهم على الشاشات، فماذا أنتم فاعلون؟
لذلك أرى
أن الحفاظ على الأمن القومي العربي والإسلامي، مرهون بثبات إيران ومقاومتها وعدم
انكسارها وتحويلها العدوان لحرب استنزاف طويلة ومكلفة. إن انتصار الحلف
الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية -لا قدر الله- هو إعلان هزيمة لكم جميعا
ومقدمة لاستباحة غير مسبوقة لأوطانكم، وتذكروا الخلافات السياسية والمذهبية، لا
يمكنها بحال من الأحوال تبرير الاصطفاف مع حلف الإجرام الذي يستهدف وحدة ومستقبل
شعب مسلم شقيق، فبوحدتكم ستُفشلون إقامة "إسرائيل الكبرى" على أنقاض
بيوتكم.