المعايدة في زمن الإبادة: أحياء ابتلعها الخط الأصفر وبيوت لم تعد موجودة

عزات جمال
"عشنا عيدا لم نعرفه، وتجربة لم نعتدها"- الأناضول
"عشنا عيدا لم نعرفه، وتجربة لم نعتدها"- الأناضول
شارك الخبر
اعتدنا في أول أيام العيد على زيارة الأرحام والأقارب وهي من العادات الجميلة المتوارثة لدينا في قطاع غزة وفلسطين، فقد حرص الوالد حفظه الله على اصطحابنا لهذه الزيارات منذ كنا أطفال، وكبرنا وأصبحنا نصطحب أطفالنا في هذه المناسبة السعيدة، برفقة الأعمام وأبنائهم نتجول على الأرحام والأقارب، وهدفنا إظهار السعادة والفرح والامتنان في العيد.

ورغم ما مر بنا على مدار الأعوام الماضية من ظروف صعبة، إلا أن هذه الأجواء والعادات كانت بالنسبة لنا شيئا لا يمكن التخلي عنه أو تركه، إذ لا يُمكن تصور العيد دون هذه الجولات واللقاءات التي تعيد تجديد أواصر المحبة والقُربى بين أبناء العائلة، مُستذكرين أجمل المواقف، وأسعد اللحظات، فيعود الواحد منا لبيته وقد تزود بالمزيد من الإيجابية؛ إذ إن السعادة تكمن في العطاء، وبقدر ما تعطون تسعدون.

إلا أن الأمر في هذا العيد كان مختلفا، فهو ليس ككل مرة، فالحرب التي عشنا فُصولها على مدار عامين كاملين ليست كسابقاتها من الحروب، فقد حرص الاحتلال الإسرائيلي على قتل الحياة في أجزاء واسعة من قطاع غزة، فالأحياء التي كانت تمد لنا ذراعيها لتستقبلنا بشوق فيما مضى، لم نعد قادرين حتى من الوصول إليها، فقد ابتلعها الخط الأصفر كغول حاقد، وهو الخط الذي يفصل بين المناطق التي يتواجد فيها السكان في غرب القطاع، وبين المناطق التي يمنع الاحتلال الإسرائيلي المواطنين من الوصول إليها وتقع شرق القطاع، وهي تقدر بما يزيد على 50 في المئة من مساحة القطاع. هذه الأحياء السكنية التي أصبحت في جُلها أكوام من الحجارة الممتدة، حوت بين جنباتها عراقة الماضي، وذكريات الصبا، وتباشير الفرح، فغدت لها معزة في القلب لا تقل عن معزة ساكنيها.

الأمر في هذا العيد كان مختلفا، فهو ليس ككل مرة، فالحرب التي عشنا فُصولها على مدار عامين كاملين ليست كسابقاتها من الحروب، فقد حرص الاحتلال الإسرائيلي على قتل الحياة في أجزاء واسعة من قطاع غزة

أما البيوت، فكثير منها لم يعد موجود. وهنا أتحدث عن الأماكن التي يمكن الوصول إليها، لكن بيوتها قد تم تدميرها بفعل آلة الإبادة؛ ولربما انتقل أصحابها، أو بعضهم للدار الآخرة، بعدما نالوا الشهادة، فقد استشهد من عائلتي 63 شهيدا، فيهم النساء والأطفال والرجال والشيوخ، تقدمتهم خالتي أخت أمي، استشهدت متأثرة بإصابتها بعد حصارها في مقر "UNDB" في مدينة غزة، وقد لجأت إليه بصحبة عشرات العائلات ظنا منهم بأنه مقر أممي يستحيل إخلاؤه، ثم نزحت شمالا عكس ما أراد الاحتلال الإسرائيلي، لتُحاصر مجددا بعد شهرين في مستشفى كمال عدوان، ظنا منها بأنه مكان آمن هو الآخر، ليرتقي أحد أقاربنا قنصا في ساحات المستشفى، وتزداد إصابتها سوءا، وقد نالت الشهادة بعد فترة وجيزة في مستشفى الشفاء بعد مضاعفات الإصابة. أما البقية فلكل واحد فيهم قصة، تستحق أن تروى وتوثق، لتكون شاهدا على بشاعة الاحتلال.

لعل الاحتلال الإسرائيلي أدرك أن البيت أكثر من مكان للعيش، فهو ذاكرة، وأُنس، وطمأنينة، وكفاية وستر، ومع هدم البيوت وانتقالنا للخيام ومنع الاحتلال الإسرائيلي الإعمار حتى اللحظة؛ فكأن ذاكرتنا أُريد لها أن تُمسح، وللأُنس أن يزول، وللطمأنينة أن لا تعود مجددا في حياتنا الجديدة، لنبقى نصارع الواقع على قساوته، طمعا من الاحتلال الإسرائيلي في كسر إرادتنا، أو ثني عزيمتنا.

عشنا عيدا لم نعرفه، وتجربة لم نعتدها، لربما لم نستسلم للواقع، وأصرينا على إعلان سعادتنا في العيد، كتحدٍ في وجه دواعي الإحباط واليأس؛ لكننا قطعا تغيرنا، وتغير شكل الفرح ومقصده، فإذا كان مقصد معايدتنا سابقا إدخال السعادة والفرح "لذاته"، فإنه اليوم جزء من التعبير عن استمرار "وجودنا" ومواصلتنا البقاء، وشرط للتجذر في هذه الأرض، فأصبحت الخيام على قسوتها مأوى للفرح، ومكان تُصنع فيه السعادة لا بالإمكانات؛ بل بقوة الإرادة، وكأننا ولدنا مجددا من الألم، لأدرك في لحظة الحقيقية بأننا: من تناقلت حكاياتهم الأساطير، مدينة وسكانها على ساحل المتوسط، "غزة العنقاء" التي وإن ظنوها ماتت، تُبعث مُجددا من تحت الرماد.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)