تعكس
إجراءات
الاحتلال المتصاعدة تجاه المسجد
الأقصى
واعتداءاته خلال السنوات الماضية؛ سعي الاحتلال فرض أمر واقع جديد على المسجد،
يضمن من خلاله سيادته الكاملة على
القدس والمسجد الأقصى. وقد استبق الاحتلال حلول
شهر رمضان بالعديد من الإجراءات الرامية إلى تقليل أعداد المصلين، وفرض القيود
المختلفة أمامهم، في محاولة واضحة للتحكم بالأقصى بالتزامن مع أقدس أشهر العبادة
وأكثفها من حيث الحضور البشري الإسلامي. ومع التطورات الإقليمية الأخيرة، جاء
إغلاق المسجد الأقصى في 28 شباط/ فبراير 2026 تحت ذرائع "الطوارئ"
و"تعليمات الجبهة الداخلية"، ضمن سلسلة العدوان آنفة الذكر، في سياق
استراتيجية الاحتلال المتصاعدة، والتي يرمي من خلالها إلى تفكيك "الوضع
التاريخي القائم"، والمضي قدما نحو تحويل السيادة على الأقصى إلى واحدةٍ من
أذرع الاحتلال. وتكشف التطورات الحالية والحرب السابقة في عام 2025، تلطّي
الاحتلال خلف هذه التطورات لكي يمرر مخططاته.
وفي
سياق استقراء أبعاد إغلاق المسجد الأقصى، واستمراره حتى كتابة هذا المقال، يحاول
هذا المقال استقراء جملة من المخاطر المترتبة على الإغلاق، ونحاول استجلاء أسباب حالة
الصمت العربي والإسلامي تجاهه، وغياب أي ردود فعل حقيقية توقف هذا العدوان.
مطالبات
بالسيطرة الكاملة على الأقصى
تؤكد تطورات الاعتداء على الأقصى، والتي وصلت إلى حد إغلاقه في أقدس أشهر المسلمين، وأهم مواسم الرباط والعبادة، أن سعي الاحتلال إلى تغيير هوية المسجد الأقصى وفرض سيادته الكاملة عليه، بات يجري على قدمٍ وساق
تسعى سلطات
الاحتلال وأذرعه المتطرفة بشكل حثيث إلى فرض سيطرتها الكاملة على المسجد الأقصى،
وهي مخططات لم تعد خافية على أحد، فقد تصاعدت مطالبات "منظمات المعبد"
للسيطرة على المسجد، وطرد دائرة الأوقاف الإسلامية، وهي مطالبات تظهر من خلال
سلوكها ومطالباتها للمستويين الأمني والسياسي، إلى جانب الإجراءات المباشرة التي
تعمل عليها هذه المستويات، مدعومة من الحكومة اليمينيّة، التي تتبنى أطروحات
"منظمات المعبد" المتطرفة. فلم تعد أفكار هذه المنظمات هامشية، على
الصعد السياسية والمخططات، إذ تُشير المعطيات إلى تلقي هذه المنظمات دعما من مختلف
مستويات الاحتلال، والتي بدورها تستغل انشغال العالم والإقليم بالأزمات والحروب
لخطف لحظة تاريخية وتمرير مخططاتها في السيطرة على المسجد، مستغلة إغلاق الأقصى
كبيئة خصبة لفرض وقائع جديدة تُنهي الحصرية الإسلامية للمسجد، وهو ما يمثل تطورا
بالغ الخطورة، خاصة في موقع الأقصى وعلى إثر حرب الإبادة، ويفتح المجال أمام
المزيد من مسارات العدوان على كامل المسجد أو أجزاء منه في الأشهر القادمة.
هندسة
العزل: كيف يحاول الاحتلال تفكيك مركزية الأقصى؟
من
خلال استقراء الهبات والانتفاضات
الفلسطينية نلاحظ مركزية المسجد الأقصى في انطلاق
هذه الهبات، وهي مركزية استمرت حتى معركتي "سيف القدس" و"طوفان
الأقصى". ومن الواضح أن الاحتلال يعي تماما هذه المركزية، وسعى بالتزامن مع
حرب الإبادة وما لحقها من حروب إلى عزل المسجد عن أي تأثير في الجماهير الفلسطينية
وغير الفلسطينية، من خلال تشديد الحصار المفروض عليه وعلى مكوناته البشرية من
مصلين ومرابطين، وعمل من جهة أخرى على تفتيت القوى التي تدافع عنه، على الصعد
الشعبية من خلال الإجراءات أمام أبوابه، وتصاعد الإبعاد والاعتقال واستهداف رموز
الدفاع عن المسجد، بالتوازي مع شن حملات
تهويدية شرسة استهدفت كل ما في المدينة
المحتلة، وعلى الصعد الإعلامية، عبر منع نقل عدوان مستوطنيه، وأخيرا حظر العديد من
المؤسسات الإعلامية المقدسية، ومنعها من القيام بعملها.
هذه
المحاولات الحثيثة الرامية إلى عزل الأقصى عن محيطه وأطواق الدفاع عنه، ومنع كل
عربي ومسلم من معرفة حقيقة أوضاع المسجد الأقصى، هي جزء من مخططٍ أشمل يُشير إلى
إنهاء كون المسجد "صاعق تفجير" حقيقي في فلسطين والمنطقة. وتأتي هذه
التطورات الإقليمية والحروب التي تخوضها قوات الاحتلال للمضي قدما في العدوان على
المسجد، وتدرج هذا العدوان بما يعني التعامل
مع ما يجري في القدس والأقصى على أنه حالة معزولة عن الفلسطينيين الآخرين، عبر
تحييد الفواعل في غزة والضفة، وما يتصل بالإجراءات القمعية الرامية إلى كي وعي
الفلسطينيين من خلال التعامل الوحشي مع الأسرى، ما يجعل الثمن الشخصي والجمعي تجاه
أي تحرك دفاعا عن المسجد مرتفعا جدا.
وتؤكد
تطورات الاعتداء على الأقصى، والتي وصلت إلى حد إغلاقه في أقدس أشهر المسلمين،
وأهم مواسم الرباط والعبادة، أن سعي الاحتلال إلى تغيير هوية المسجد الأقصى وفرض
سيادته الكاملة عليه، بات يجري على قدمٍ وساق. السؤال -البدهي- الذي كانت إجابته قبل
عدة أعوام واضحة، بأن أي اعتداء على الأقصى سيفجر غضبا شعبيا وهبات مؤثرة، وفي بعض
الأحيان ما يُمكن أن نطلق عليها "زلزالا إقليميا"؛ باتت إجابته اليوم
أكثر ضبابية، حيث استطاع الاحتلال -إلى حدٍ كبير- الاستفراد بأطواق الدفاع عن
المسجد، وغابت ردود الفعل الحقيقية تجاه ما يجري، ما يجعل أي انتفاضة تدافع عن
المسجد أبعد مما نظن. ولا أقطع بهذه النظرة التشاؤمية أبدا، فالفلسطيني من خلال
التجارب المتتالية يستطيع قلب المشهد في أي لحظة، ولكنها محاولة لقراءة الواقع في
ظل التطورات وما جرى في المدينة المحتلة بالتزامن مع حرب الإبادة وما بعدها.
مظلة
الحماية المتآكلة: حدود الفعل العربي والخيارات المتاحة
شكلت
حرب الإبادة التحدي الأبرز لأي استجابة عربية وإسلامية، وقد فشلت فيها الدول
العربية والإسلامية فشلا ذريعا، وفي السياق نفسه، تشهد مظلة الحماية السياسية
والقانونية على الأقصى حالة من الترهل غير مسبوقة، فالأردن صاحب الوصاية على
المقدسات لم يقم بأي فعل حقيقي يحاول دفع الاحتلال للتراجع، لا في الإغلاق الحالي،
ولا في الاعتداءات خلال الأعوام القليلة الماضية، ويكتفي بإصدار بيانات الشجب
والاستنكار، على الرغم من قيام الاحتلال بتفكيك "الوضع التاريخي والقانوني
القائم" بشكل تدريجي ومتصاعد، وهو واقع ينسحب كذلك على الدول العربية
والإسلامية والمنظمات ذات الصلة، التي تكتفي ببياناتٍ غير مؤثرة، وعبارات مكررة.
ما أن يستعيد الأقصى مكانته كبوصلة للغضب ومحرك للجماهير، أو أن يستمر الاحتلال في سياسة القضم الهادئ حتى يستيقظ العالم على واقع جديد يكون فيه المسجد قد سُلب تماما من أهله
وعلى
الرغم من قتامة المشهد، وما يمكن أن يجري في قادم الأيام، ما زال هناك العديد من
الأدوات التي يُمكن من خلالها ردع هذا التصعيد، وترتكز على مسارين:
- فلسطينيا: يظلّ
الرباط في الأقصى، أو أمام أبوابه، والحضور الشعبي الكثيف، رغم كل القيود، خط
الدفاع الأول والعقبة الكأداء التي تتحطم عليها مخططات الاحتلال، وتبقى الإرادة
الشعبية الفلسطينية، العصية على التوقع، الضامن الحقيقي لإفشال محاولات السيطرة
على الأقصى والاستفراد به.
-
عربيا وإسلاميا: من المهم مغادرة مربع الإدانات اللفظية والانتقال
إلى تفعيل أدوات ضغط سياسية ودبلوماسية حقيقية، تبدأ بقيام الأردن بخطوات حقيقيّة
تجاه الاحتلال على الصعيد الدبلوماسي والاتفاقيات على أقل تقدير، ومن ثم تتصل هذه
الخطوات بتعزيز الموقف الأردني والوصاية الهاشمية، وتصل إلى التلويح بقطع العلاقات
العربية وتجميد الاتفاقيات. أما الصمت والاكتفاء بالبيانات، فإنه يُقرأ إسرائيليا،
على أنه ضوء أخضر لمزيد من التغوّل والتهويد.
ختاما، إن تحويل
الأقصى من "صاعق للهبات" إلى "قضية معزولة" هو الرهان الأكبر
للاحتلال في هذه المرحلة الحساسة، فما يشهده المسجد الأقصى اليوم ليس مجرد إجراء
أمني مرتبط بظروف حرب عابرة، بل هو محطة مفصلية في صراع الهوية والسيادة. إن نجاح
الاحتلال في تحويل إغلاق الأقصى في أقدس الشهور إلى "حدث عابر" يمرّ من
دون كلفة حقيقية، يعني الضوء الأخضر للانتقال إلى مرحلة التقسيم المكاني والسيطرة
الإدارية الكاملة على الأقصى. إن المسؤولية التاريخية اليوم تقع على عاتق كل
فلسطيني وعربي ومسلم؛ فإما أن يستعيد الأقصى مكانته كبوصلة للغضب ومحرك للجماهير،
أو أن يستمر الاحتلال في سياسة القضم الهادئ حتى يستيقظ العالم على واقع جديد يكون
فيه المسجد قد سُلب تماما من أهله.