انتصار قضائي أولي في بريطانيا ورسالة أمل جديدة

محمود الحنفي
"تجريم اللافتات والآراء خلق أثرا مُبرِّدا على الاحتجاج السلمي وتجاوز مبدأ التناسب"- عربي21
"تجريم اللافتات والآراء خلق أثرا مُبرِّدا على الاحتجاج السلمي وتجاوز مبدأ التناسب"- عربي21
شارك الخبر
لا تُقاس المعارك الحقوقية بنتائجها الفورية وحدها، بل بما تُراكمه من سوابق وإنجازات حتى وإن كانت صغيرة داخل دولة القانون. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا يحدث حين تُعامل الدولة الاحتجاج السلمي البسيط بوصفه تهديدا أمنيا؟ وأين يقف الحدّ الفاصل بين حماية المجتمع وبين توسيع قوانين مكافحة الإرهاب لتطال الرأي والتضامن والشعار؟ وهل يمكن لعملٍ حقوقي تراكمي وسط ضغط وترهيب وملاحقات، أن يفرض على الدولة مراجعة خياراتها، أم أن ميزان القوة يحسم المسار سلفا؟

من هنا يأتي هذا المقال ليقرأ تجربة "فلسطين آكشن" (Palestine Action) في المملكة المتحدة من خلال حكم المحكمة العليا في إنجلترا وويلز الصادر في 13 شباط/فبراير 2026 بشأن قرار تصنيف الحركة وحظرها. فالقضية ليست مجرد نزاع إجرائي، بل اختبار عملي لمعنى "التناسب" وحدود سلطة الدولة حين تتحول أدوات مكافحة الإرهاب إلى إطار يطاول مساحة الاحتجاج نفسها. وبقدر ما يسلّط المقال الضوء على مسار الحظر ومفاعيله، فإنه يقدّم أيضا إشارات أمل: أن التقاضي ممكن، وأن التراكم، لا الانفعال، هو ما يصنع الفرق حين تتراكم السوابق وتتاح الفرص في ميدان القضاء.

نشأة حركة "Palestine Action" وتحوّلها إلى العمل المباشر
عمليا، تمدد أثر الحظر إلى المجال العام عبر اعتقالات واسعة، خصوصا لمن رفعوا لافتات اعتبرتها الشرطة دليلا على الدعم

تُجسّد حركة "Palestine Action" في المملكة المتحدة صداما حادا بين العمل المباشر ضد شركات السلاح المرتبطة بإسرائيل وبين أشدّ أدوات الدولة صرامة في مكافحة الإرهاب، أي الحظر/الإدراج (proscription) وما يترتب عليه من تجريم للعضوية والدعم والتعبير.

في 13 شباط/فبراير 2026 قضت المحكمة العليا في إنجلترا وويلز بأن قرار الحظر كان "غير قانوني" و"غير متناسب"، لكنها أبقته نافذا مؤقتا إلى حين استكمال المرافعات والبتّ في طلب وقف التنفيذ واستئناف الحكومة. ويطرح هذا النزاع أسئلة حقوقية مركزية: أين ينتهي التجريم الجنائي العادي وأين يبدأ توصيف الإرهاب؟ وما أثر ذلك على حرية التعبير والتجمع؟ وكيف يتغير المشهد عندما تمتد الولاية القضائية إلى أفعال أو تعبيرات خارج الإقليم؟

كيف بدأت الحركة وتطوّرت؟

وفقا للمذكرة التفسيرية الحكومية الخاصة بأمر الإدراج لعام 2025، تأسست "Palestine Action" عام 2020 بوصفها "مجموعة مؤيدة لفلسطين"، وعرّفت غايتها بأنها دعم "السيادة الفلسطينية" عبر تكتيكات من "العمل الجنائي المباشر تستهدف وقف بيع وتصدير المعدات العسكرية إلى إسرائيل. وتذكر الوثائق الرسمية أن نشاطها اتسع لاحقا ليشمل إلى جانب قطاع الدفاع مؤسسات مالية وجامعات وشركات وبنى تحتية، مع تقييم حكومي بأن وتيرة الأفعال وحدّتها ازدادت منذ بداية 2024 وأن الأساليب باتت "أكثر عدوانية".

ويُعدّ التركيز على الشركات المرتبطة بالصناعات العسكرية الإسرائيلية سمة محورية في مسار الحركة، ولا سيما استهداف إلبيت سيستمز (Elbit Systems) كنقطة ارتكاز للاحتجاج، وهو ما عكسته أيضا تغطيات صحافية ربطت قرار الحظر/الإدراج بسلسلة "أعمال مباشرة ضد شركات دفاع ذات صلات بإسرائيل داخل بريطانيا". وبموازاة النشاط الميداني، تُشير الوثائق الحكومية إلى أن الحركة، بحسب التقييم الرسمي، طوّرت "بنية نشر وتعبئة" رقمية (digital mobilisation infrastructure)، من بينها نشر دليل بعنوان الدليل السري أواخر عام 2023 (وفق الوصف الحكومي)، يتضمن دعوات إلى إنشاء خلايا وإرشادات تشغيلية لتفادي الاعتقال وخريطة لأهداف داخل البلاد.

اتخذت الدولة مسار "الحظر/الإدراج" عبر صلاحيات وزير الداخلية بموجب قوانين الإرهاب، ثم حوّلت القرار إلى أمرٍ نظامي مرّ عبر الإجراء البرلماني الإيجابي ودخل حيّز النفاذ. ففي 23 حزيران/يونيو 2025 أعلنت إيفيت كوبر، بصفتها وزيرة الداخلية حينها، إدراج "Palestine Action"، مؤكدة أن ذلك "لا يؤثر" على احتجاجات مؤيدة لفلسطين تُمارَس بشكل قانوني، ومبرّرة القرار بهجوم على قاعدة برايز نورتون وما سبقه من "تاريخ طويل" من الأضرار الجنائية.

وتوضح وثائق الحكم القضائي أن الأمر النظامي دخل حيّز التنفيذ في 5 تموز/يوليو 2025 بعد وضعه أمام البرلمان في 30 حزيران/يونيو والموافقة عليه في مجلسي العموم واللوردات، وأنه أدرج ثلاث منظمات من بينها "Palestine Action". كما عززت الحكومة هذا المسار ببيان رسمي يربط الإدراج بـالأمن القومي ويؤكد أن الانتماء للمجموعة أو الدعوة لدعمها، أو التعبير المتهور عن دعمها، سيغدو جرائم جنائية.

عمليا، تمدد أثر الحظر إلى المجال العام عبر اعتقالات واسعة، خصوصا لمن رفعوا لافتات اعتبرتها الشرطة دليلا على الدعم؛ ومن أبرز الأمثلة ما أُعلن عن اعتقال 532 شخصا في احتجاج بميدان البرلمان بلندن في آب/أغسطس 2025، مع ملاحظة لافتة بأن قرابة نصف المعتقلين كانوا فوق 60 عاما. وفي المقابل تمسكت الحكومة بأن الحظر يستهدف "مجموعة محددة" ولا يمنع الاحتجاج المؤيد لفلسطين من حيث المبدأ. وبعد حكم المحكمة في شباط/فبراير 2026، أعلنت وزيرة الداخلية الحالية شبانا محمود نيتها الاستئناف، معتبرة أن الحكم لا ينبغي أن يقيّد قدرة وزراء الداخلية على حماية الأمن القومي.

تنتمي "Palestine Action" من حيث نمط الفعل، إلى تقاليد "العمل المباشر" التي تتجاوز المظاهرة التقليدية من تعطيل المواقع، وإغلاق المداخل، وإتلاف الممتلكات، ورشّ الطلاء، وغيرها من أساليب الضغط ذات الأثر المادي والرمزي. وتُظهر الوثائق الرسمية أن الحكومة استندت إلى وقائع محددة لتبرير توصيف "الضرر الجسيم للممتلكات" واعتبار بعض الأفعال داخلة، وفق تعريف قانون الإرهاب، ضمن الإرهاب القائم على إلحاق ضرر جسيم بالممتلكات لتحقيق غاية سياسية والتأثير في الحكومة.

ومن أبرز الأمثلة التي أشير إليها رسميا: هجوم عام 2022 على منشأة لشركة تاليس (Thales) في غلاسكو، وما قيل إنه تسبب بأضرار تفوق مليون جنيه وإثارة ذعر أثناء الإخلاء؛ وهجمات عام 2024 على شركة إنسترو بريسيجن (Instro Precision) في كنت، وعلى إلبيت سيستمز – المملكة المتحدة (Elbit Systems UK) في بريستول، بوصفها أمثلة على "ضرر جسيم بالممتلكات"، مع امتناع الحكومة عن التفصيل لكون الوقائع منظورة قضائيا؛ إضافة إلى حادثة قاعدة برايز نورتون (Brize Norton) التي اعتُبرت محفّزا مباشرا للحظر في خطاب الحكومة.

وفي المقابل، برزت سرديات الشجاعة المدنية بقوة في احتجاجات ما بعد الحظر، لا في عمليات التعطيل فقط. فقد طُرحت داخل البرلمان أسئلة عن اعتقال أشخاص "احتجوا سلميا بالكامل"، من بينهم "قسيسة متقاعدة عمرها 83 عاما"، كما تحدثت تقارير عن اعتقال مسنين تصدروا الصفحات الأولى، ونُقل عن أحد المحتجين (89 عاما) قوله إن "حقنا في الاحتجاج السلمي يُسلب". وتكتسب هذه الزاوية أهميتها لأنها تضع الحظر في تماس مباشر مع شعورٍ أخلاقي لدى شرائح ترى أن المخاطرة، حتى مع احتمال السجن، أقل كلفة من الصمت، وهو ما ساهم في تحويل الحظر إلى عامل تعبئة وتحشيد.

الإطار القانوني للحظر واختبار التناسب القضائي

يُقرأ ملف"Palestine Action" ضمن بنية قانونية متشابكة تبدأ بتوسيع تعريف الإرهاب في القانون البريطاني ليشمل "الضرر الجسيم للممتلكات" متى استهدف التأثير السياسي أو ترهيب الجمهور، وهو ما أتاح، من حيث العتبة الأولية ، إدراج الحركة. ويتعزز ذلك بطبيعة "الحظر/الإدراج" بوصفه إجراء مولِّدا لجرائم جديدة تطال العضوية والدعم والتعبير وتنظيم الاجتماعات وحمل الرموز، بما ينقل التجريم مباشرة إلى فضاء الخطاب العام. وإلى جانب ذلك، يمتد الاختصاص في بعض هذه الجرائم إلى خارج الإقليم عندما يكون الفاعل مواطنا أو مقيما، ما يوسّع نطاق المساءلة في البيئة الرقمية العابرة للحدود، ويجعل "الكلمة" أو "اللافتة" قابلة لأن تُقرأ قانونيا بوصفها فعلا ذات تبعات جنائية، لا مجرد موقف سياسي.

في هذا السياق، تمحور حكم المحكمة العليا حول خطأين جوهريين: أولهما أن وزيرة الداخلية جعلت من "فوائد الإدراج"، أي خلق جرائم وأدوات قمع إضافية، سببا مستقلا للحظر، خلافا لسياسة وزارتها التي تشترط تبريرا خاصا يتجاوز مجرد تحقق عتبة الإرهاب؛ وثانيهما أن الحظر أحدث تدخلا بالغ الخطورة في حرية التعبير والتجمع، في حين أن عددا ضئيلا فقط من الأفعال بلغ مستوى الإرهاب، مع بقاء القانون الجنائي العام كأداة كافية لمعالجة التخريب. وقد لخّصت المحكمة ذلك بوصف الأثر بأنه "تدخل شديد الأهمية" لا تبرره درجة الأفعال من حيث المستوى والنطاق والاستمرارية، وهو منطق يعيد الاعتبار لفكرة أن مكافحة الجريمة لا تساوي تلقائيا إدخالها في حقل الإرهاب بما يحمله من وصم قانوني واجتماعي.

في المقابل، تمسكت الحكومة بأن الحركة تجاوزت الاحتجاج إلى إحداث أضرار جسيمة بالممتلكات لتحقيق غاية سياسية بما يستوجب الحظر حماية للأمن القومي، وبأن الإدراج لا يمنع الاحتجاج المؤيد لفلسطين بل يستهدف تنظيما بعينه، بينما ردّ الطاعنون والمنظمات الحقوقية بأن تجريم اللافتات والآراء خلق أثرا مُبرِّدا على الاحتجاج السلمي وتجاوز مبدأ التناسب، فضلا عن أن الوزيرة خالفت سياستها بتوسيع معيار الحظر خارج حدوده القانونية. وفي جوهر هذا الاشتباك تظهر المعضلة الكبرى: هل تُدار المخاطر عبر أدوات القانون الجنائي المحددة، أم عبر توسعة تصنيف الإرهاب بما يغيّر قواعد اللعبة ويعيد رسم حدود المجال العام؟

المعركة لم تعد حول أفعال محددة بقدر ما صارت اختبارا لحدود مكافحة الإرهاب حين تصطدم بحرية الاحتجاج في دولة القانون

محليا وعلى مستوى المجتمع الحقوقي داخل بريطانيا، لقي الحكم ترحيبا باعتباره تصحيحا لمسار غير ضروري وغير متناسب في تقييد الحقوق، مع دعوات واضحة لرفع الحظر وإنهاء وصم المحتجين. وبرز في قلب هذا المسار دور فئات لم تُقدَّم بوصفها "مجموعات ضغط" تقليدية، بل كأشخاص ناضلوا فعليا رغم كبر السن والانخراط المهني: ومسنون، وحقوقيون مقيمون، وفاعلون مدنيون حملوا كلفة الاحتجاج وواجهوا الاعتقال دفاعا عن الحق في التعبير والدعم الرمزي. وفي الجوهر، لا تختبر القضية حركة بعينها فقط، بل تختبر قدرة النظام القانوني البريطاني على حفظ الحدّ الفاصل بين حماية المجتمع وتجريم السياسة.

سيناريوهات الطعن المحتملة وآفاقها القانونية

يبقى الحكم، رغم ثقله الحقوقي، محطة ضمن مسار مفتوح، إذ أبقت المحكمة الإدراج قائما مؤقتا مع إتاحة المجال لمرافعات إضافية، مؤكدة في الوقت نفسه أنها راعت اعتبارات السلامة العامة لكنها خلصت إلى عدم التناسب. وفي ضوء منطق الحكم القائم على مخالفة السياسة الوزارية واختبار التناسب، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسة: قد تنجح الحكومة في الاستئناف بنسبة تقديرية تقارب الثلث إذا أقنعت محكمة الاستئناف بضرورة منح وزيرة الداخلية هامش تقدير أوسع في قضايا الأمن القومي، ما يعني استمرار تجريم الدعم والعضوية، وتكريس سابقة توسّع استخدام قانون الإرهاب ضد حركات احتجاجية تعتمد "إتلاف الممتلكات"، مع تعميق الأثر المُبرِّد على الاحتجاج السلمي؛ أو قد يُرفض الاستئناف وهو الاحتمال الأرجح نسبيا، بما يؤدي إلى إلغاء الإدراج أو تحييد آثاره الجنائية المرتبطة بالتعبير والدعم، مع الإبقاء على معالجة التخريب عبر القانون الجنائي العام، وتعزيز المسار الأممي المطالب بوقف الوصم والاعتذار؛ أو قد تلجأ الحكومة إلى تسوية عملية أو إعادة هندسة القرار عبر ضبط التنفيذ أو إعادة تقييم وزارية جديدة، ما يُبقي المشهد القانوني رماديا لفترة ويجعل الحظر قائما نظريا مع تطبيق انتقائي، وربما يفتح الباب لمحاولات تعديل تشريعي لاحقة.

وفي المحصلة، تكشف هذه السيناريوهات أن المعركة لم تعد حول أفعال محددة بقدر ما صارت اختبارا لحدود مكافحة الإرهاب حين تصطدم بحرية الاحتجاج في دولة القانون.
التعليقات (0)