قضايا وآراء

هل انتهى زمن الأمم المتحدة؟

محمود الحنفي
"تجاوز الأمم المتحدة أو استبدالها بمنظمة جديدة ليس خيارا سهلا ولا بالضرورة آمنا"- الأناضول
"تجاوز الأمم المتحدة أو استبدالها بمنظمة جديدة ليس خيارا سهلا ولا بالضرورة آمنا"- الأناضول
شارك الخبر
تثير وتيرة الأحداث الدولية المتسارعة تساؤلات عميقة حول مدى قدرة الأمم المتحدة، في صيغتها الراهنة، على الاضطلاع بدورها في حماية حقوق الإنسان وصون السلم والأمن الدوليين. فمن غزة إلى أوكرانيا، ومن التوغلات الإسرائيلية المتكررة في سوريا والانتهاكات اليومية للسيادة اللبنانية، وصولا إلى العملية العسكرية الأمريكية التي أفضت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تتراكم الوقائع التي تدفع قطاعا متزايدا من الرأي العام الدولي إلى التشكيك في ما إذا كان العالم لا يزال مؤمنا فعليا بمقاصد الأمم المتحدة وبوظيفتها التاريخية. ويطفو إلى السطح سؤال مركزي: هل تعيش المنظمة اليوم أزمة أدوات وبُنى وآليات، أم أزمة إرادة سياسية لدى الدول الأعضاء التي تحوّلها إلى ساحة صراع مصالح بدل أن تكون إطارا لحماية القانون والإنسان؟ وهل نحن، في العمق، على أعتاب تحوّل دولي أوسع قد يفضي إلى نظام عالمي جديد، وربما إلى منظمة دولية مختلفة تقوم على موازين قوى مغايرة؟

وإذا كان التاريخ الدولي يعلّمنا أن المنعطفات الكبرى لا تنشأ في الفراغ، بل تتشكّل عادة من رحم الأزمات الكونية، فإن هذا التساؤل يكتسب اليوم بعدا أكثر إلحاحا. فإذا كانت الحرب العالمية الأولى قد أفرزت عصبة الأمم، وكانت الحرب العالمية الثانية قد أفرزت الأمم المتحدة، فهل يشهد العالم اليوم طورا جديدا من الصراع الدولي، أو شكلا من الحرب الكونية غير المعلنة، يعيد رسم النظام العالمي ويمهّد لولادة مؤسسة أممية جديدة بعد تعثّر الحالية؟ أم أن البشرية لا تزال تختبر حدود المنظومة القائمة، بين إصلاح مؤلم وانهيار محتمل؟ لم يعد هذا السؤال ترفا فكريا أو نقاشا أكاديميا معزولا، بل بات مطروحا بحدة في ظل تآكل الشرعية الدولية، وتطبيع اللجوء إلى القوة، وتراجع الإيمان الجماعي بأن القانون الدولي، بصيغته الراهنة، قادر على حماية الإنسان وردع الدول حين تنتهك القواعد التي قامت عليها المنظومة الأممية نفسها.

هل يكمن الخلل في أدوات الأمم المتحدة وهياكلها، مثل حق النقض وتركيز السلطة بيد الدول الكبرى، أم في إرادة الدول الأعضاء التي تتعامل مع المنظمة بوصفها أداة لخدمة سياساتها الخاصة؟ الواقع أن العاملين حاضران معا

أزمة الأمم المتحدة: أزمة أدوات أم أزمة إرادة؟

بعد ثمانية عقود على تأسيس الأمم المتحدة، بات واضحا أن مصداقية المنظمة تتآكل بفعل عجزها عن منع النزاعات والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مناطق عدة من العالم. ويُطرح هنا سؤال جوهري: هل يكمن الخلل في أدوات الأمم المتحدة وهياكلها، مثل حق النقض وتركيز السلطة بيد الدول الكبرى، أم في إرادة الدول الأعضاء التي تتعامل مع المنظمة بوصفها أداة لخدمة سياساتها الخاصة؟ الواقع أن العاملين حاضران معا.

إن مجلس الأمن، وهو الجهاز المنوط بحفظ السلم والأمن الدوليين، غالبا ما يكون مشلولا وأسيرا للمصالح الوطنية والتجاذبات الجيوسياسية بين أعضائه الدائمين. ويتمتع هؤلاء الأعضاء الخمسة بحق النقض الذي يجسّد خللا بنيويا في النظام الدولي الراهن؛ إذ أُنشئ أصلا لضمان الاستقرار العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه بات يُستخدم عمليا لحماية الحلفاء ومنع كشف حقائق محرجة أو مساءلة جدية.

ويؤدي غياب الإرادة السياسية لدى القوى الكبرى للالتزام الحقيقي بمبادئ الأمم المتحدة إلى انتقائية فاضحة في التعامل مع الأزمات الدولية. فدول عديدة تستغل المنظمة كمنصة تخدم أجنداتها الضيقة، وتعرقل أي تحرك لا ينسجم مع مصالحها الاستراتيجية. وعليه، لا تكمن المشكلة في ميثاق الأمم المتحدة وقواعده وحدها، بل في عدم احترام هذه القواعد وغياب آليات المحاسبة الفعلية.

لقد وُجدت الأمم المتحدة من رماد الحرب العالمية الثانية بهدف صون السلام وحماية حقوق الإنسان، إلا أنها اليوم مهددة بأن تتحول إلى كيان متحفي خارج سياق العصر إذا استمرت الدول في تقويضها من الداخل. وهنا يبرز السؤال الأكثر خطورة: عندما تنهار المنظومة القائمة على القانون الدولي والتعددية، ما البديل؟ هل هو عالم تحكمه شريعة القوة دون رادع؟ هذا السيناريو هو ما يحذّر منه كثيرون، إذا لم تُتخذ إصلاحات جذرية تعيد قدرا من التوازن والمصداقية إلى الأمم المتحدة.

أمثلة صارخة: غزة وأوكرانيا تكشفان العجز

شكّلت حرب غزة اختبارا فاضحا لحدود النظام الدولي القائم، إذ وقفت الأمم المتحدة شبه عاجزة أمام اتهامات موثقة بارتكاب جرائم حرب ومزاعم جدية بارتكاب جريمة إبادة اطالت المدنيين. فشل مجلس الأمن في فرض وقف إطلاق النار نتيجة الاستخدام المتكرر لحق النقض، ما جعله مشلولا أمام انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. ورغم لجان التحقيق وقرارات الجمعية العامة، بقيت الاستجابة دون مستوى المأساة، بلا حماية فعلية أو مساءلة حقيقية. وقد كشفت غزة التناقض البنيوي لنظام صُمم لإدارة توازنات القوى لا لإنفاذ العدالة، وأبرزت التفاوت الصارخ في التعاطي الدولي مع الأزمات.

وعلى الضفة الأخرى، أكدت الحرب الروسية على أوكرانيا القصور ذاته ولكن بردّ فعل دولي معاكس، فقد تحركت الدول الغربية بسرعة وحزم لدعم كييف سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وفرضت حزم عقوبات غير مسبوقة على موسكو، في مشهد عكس قدرة النظام الدولي على الفعل حين تتوافر الإرادة السياسية. غير أن هذا الحزم نفسه غاب في حالة غزة؛ بل إن قوى غربية وازنة وقفت، صراحة أو ضمنيا، إلى جانب إسرائيل، وقدّمت لها دعما سياسيا وأمنيا، وعطّلت في مجلس الأمن مسارات وقرارات أممية عديدة كانت تهدف إلى وقف العدوان أو حماية المدنيين، ما رسّخ انطباعا واسعا بازدواجية المعايير.

هكذا تحوّل الفيتو من أداة استثنائية إلى وسيلة انتقائية تُفعَّل أو تُعطَّل وفق هوية الضحية والفاعل. وإذا كانت أوكرانيا قد وجدت دعما واسعا خارج مجلس الأمن عندما شُلّ داخله، فإن الفلسطينيين في غزة لم يجدوا لا داخل المجلس ولا خارجه حماية مكافئة. هذا التباين عمّق أزمة الثقة بالمنظومة الأممية، وجعل شعار "النظام الدولي القائم على القواعد" موضع تشكيك حين تُطبَّق القواعد بصرامة في حالة، وتُعلَّق أو تُلتفّ عليها في أخرى.

تكشف غزة وأوكرانيا، معا، حقيقة واحدة: المشكلة ليست في غياب القواعد، بل في انتقائية تطبيقها. وهي رسالة واضحة بأن الأمم المتحدة إما أن تُفعّل ميثاقها بعدالة وشمول، بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة، أو أن تستمر مصداقيتها في التآكل، وتتحول العدالة الدولية إلى مفهوم انتقائي لا يحمي إلا من يملك القوة أو الحلفاء.

سابقة فنزويلا: القانون الدولي في مهب الريح

من الأمثلة الحديثة التي أثارت جدلا واسعا حول دور الأمم المتحدة وقدرتها على حماية سيادة الدول وحقوق شعوبها، ما جرى في فنزويلا مطلع عام 2026. فقد نفّذت الولايات المتحدة عملية عسكرية خاطفة في العاصمة كاراكاس أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم تتعلق بالمخدرات والإرهاب. وتخللت العملية انقطاعات في التيار الكهربائي، وقصف لمنشآت عسكرية، وسقوط قتلى، ما أثار صدمة داخلية وردود فعل دولية غاضبة.

قوبلت الخطوة بإدانات من روسيا والصين وعدد من الدول التي اعتبرتها انتهاكا صارخا لسيادة فنزويلا ولمبادئ القانون الدولي، كما عبّر الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه البالغ، واصفا ما جرى بأنه سابقة خطيرة في العلاقات الدولية. ورغم انعقاد جلسة طارئة لمجلس الأمن لمناقشة التطورات، فإن مآلها كان متوقعا سلفا، إذ بقيت الولايات المتحدة بمنأى عن أي مساءلة فعلية بحكم موقعها الدائم وامتلاكها حق النقض.

وقد أكد خبراء في القانون الدولي أن الإجراء الأمريكي يشكّل استخداما غير مشروع للقوة، لكونه جرى دون تفويض من مجلس الأمن ودون توافر شروط الدفاع عن النفس، إلا أن هذا التكييف القانوني لم يُترجم إلى أي إجراء عملي، لأن الدولة المتهمة نفسها تملك القدرة على تعطيل آليات المساءلة. وبذلك أعادت الحادثة إلى الواجهة حقيقة باتت مألوفة: النظام الأممي الحالي يعجز عن كبح جماح دولة عظمى عندما تتصرف بشكل أحادي ومخالف لميثاق الأمم المتحدة، تماما كما يعجز عن محاسبة دولة أخرى تستخدم الفيتو لحماية نفسها أو حلفائها.

وفي هذا السياق، علّق أحد أساتذة القانون الدولي بأن اعتقال رئيس دولة أثناء توليه منصبه بهذه الطريقة يمثل انتهاكا واضحا لمبدأ الحصانة السيادية، ومع ذلك لا توجد آلية دولية ناجزة قادرة على التحرك الفعلي ضد هذا الانتهاك. هذه المفارقة تكشف عمق الأزمة: قواعد قانونية قائمة نظريا، لكنها معطّلة عمليا عندما يتعلق الأمر بالقوى الكبرى.

دفعت هذه السابقة الخطيرة كثيرين إلى التساؤل بمرارة: إذا كان بمقدور دولة ما اختطاف رئيس دولة أخرى دون عقاب، فأين دور الأمم المتحدة في حماية حقوق الإنسان وكرامة الشعوب وقياداتها المنتخبة؟ وهل ما زال النظام الدولي قائما على القانون، أم أن منطق القوة عاد ليتصدر المشهد؟ المؤشرات تميل، للأسف، إلى الاحتمال الثاني.

فمجلس الأمن، المكلّف وفق الميثاق بحفظ السلم والأمن الدوليين، يعجز حتى عن إصدار إدانة رمزية عندما يكون المنتهك أحد أعضائه الدائمين. والفيتو هنا لا يُستخدم كأداة إجرائية فحسب، بل يتحول إلى تعبير صارخ عن اختلال ميزان العدالة في النظام الدولي. وقد شاع في أروقة الأمم المتحدة عقب حادثة فنزويلا قولٌ مفاده أن أي تحرك ضد واشنطن محكوم عليه بالفشل سلفا بسبب مقعدها الدائم وحقها في النقض. هذا الواقع يعمّق شعورا واسعا لدى دول كثيرة بأن المنظومة الدولية تكيل بمكيالين: قويّ يفعل ما يشاء، وضعيف لا يجد من يحميه.

وهكذا، تضاف فنزويلا إلى غزة وأوكرانيا كحلقة جديدة في سلسلة أزمات تكشف أن الخلل لم يعد ظرفيا أو استثنائيا، بل بات بنيويا، يمس جوهر النظام الدولي نفسه، ويعيد طرح السؤال المركزي: هل ما تعيشه الأمم المتحدة أزمة أدوات قابلة للإصلاح، أم أزمة إرادة سياسية تهدد بفقدان المعنى والوظيفة؟

التوغّل الإسرائيلي في سوريا ولبنان: شرعية دولية مغيّبة
يعكس المشهد الدولي الراهن هشاشة عميقة في البنية التي تقوم عليها الأمم المتحدة، حيث لم تعد الأزمة محصورة في قصور أدائي عابر، بل تحوّلت إلى أزمة شرعية ومصداقية متجذّرة في نظر قطاع واسع من الرأي العام العالمي

تتجلى مظاهر تهميش الأمم المتحدة بوضوح في الصراعات المزمنة بالشرق الأوسط، حيث تتصرف إسرائيل عسكريا عبر الحدود دون مساءلة أممية فعّالة. فقد باتت الغارات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية حدثا شبه اعتيادي، رغم إدانات دمشق المتواصلة ونداءاتها المتكررة للأمم المتحدة ومجلس الأمن لوقف ما تصفه بأعمال عدوانية تهدد الأمن الإقليمي، دون أن يترتب على ذلك أي تحرك رادع.

وتفاقم المشهد مع توسّع العمليات الإسرائيلية أواخر عام 2024 إلى احتلال مناطق عازلة في الجولان السوري، في خرق صريح لاتفاقات فض الاشتباك الموقعة برعاية الأمم المتحدة منذ عام 1974، بينما اقتصر الرد الدولي على بيانات إدانة شكلية بلا أثر عملي.

وفي لبنان، تستمر الانتهاكات الإسرائيلية شبه اليومية رغم وجود قوات اليونيفيل منذ عام 2006. فالخروقات الجوية المتكررة تمثل انتهاكا دائما لقرار مجلس الأمن 1701، وقد وثّقت الأمم المتحدة آلاف الخروقات للخط الأزرق ووقف إطلاق النار. وحتى التحذيرات العلنية لقائد اليونيفيل من أن هذه الغارات تقوّض جهود منع التصعيد لم تُفضِ إلى أي تغيير ميداني. ويضاف إلى ذلك استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية، ولا سيما مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، دون تنفيذ فعلي للقرارات الدولية.

تؤكد هذه الوقائع أن الشرعية الدولية، وإن كانت قائمة نظريا، تبقى معطّلة عمليا أمام منطق القوة، وأن حضور الأمم المتحدة ميدانيا لا يوازي قدرة حقيقية على الردع أو فرض الالتزام بالقانون الدولي.

أزمة مصداقية وشرعية دولية

يعكس المشهد الدولي الراهن هشاشة عميقة في البنية التي تقوم عليها الأمم المتحدة، حيث لم تعد الأزمة محصورة في قصور أدائي عابر، بل تحوّلت إلى أزمة شرعية ومصداقية متجذّرة في نظر قطاع واسع من الرأي العام العالمي. فشلُ مجلس الأمن في منع أو وقف أخطر النزاعات المعاصرة، وفي مقدمتها غزة وأوكرانيا، كشف شللا بنيويا سببه تضارب مصالح القوى الكبرى وتحكّمها بمفاصل القرار.

وتتآكل الثقة بمنظومة دولية تبدو عاجزة عن وقف التطهير العرقي أو العدوان العسكري حين يكون المنتهك دولة كبرى أو حليفا لها. فالاستجابة للأزمات تتسم بازدواجية صارخة: تحرّك سريع وحاسم في بعض الحالات، وصمت أو لا مبالاة في أخرى، ما دفع مراقبين إلى توصيف الوضع بأنه فشل هيكلي في نظام الأمم المتحدة نفسه. وفي حين تُهمَّش مآسي شعوب كاملة عندما تتعارض مع مصالح الأقوياء، تُستخدم المنصات متعددة الأطراف أحيانا كغطاء لإضفاء شرعية شكلية على سياسات تلك القوى.

وقد أفرز هذا الواقع إحباطا متزايدا، لا سيما في دول الجنوب العالمي، التي باتت أكثر وعيا باختلال منظومة الحكم الدولي وانتقائية معاييرها. ويزيد من حدة الأزمة محدودية فاعلية مؤسسات أممية أخرى؛ فالجمعية العامة تفتقر إلى سلطة تنفيذية، ومحكمة العدل الدولية تبقى أحكامها رهينة الامتثال الطوعي للدول الكبرى، بينما تعاني الوكالات الإنسانية من نقص التمويل والتسييس رغم إنجازاتها الملموسة.

ورغم تكرار دعوات الإصلاح منذ عقود، لم يطرأ تغيير جوهري على بنية مجلس الأمن أو نظام الفيتو. ومع أن غالبية الدول طالبت بإصلاح الخلل البنيوي وتقييد الفيتو وتوسيع التمثيل، فإن هذه المطالب تصطدم بإرادة القوى المستفيدة من الوضع القائم. وهنا تتجلى أزمة الإرادة السياسية بأوضح صورها: فالدول الكبرى تفضّل الإبقاء على منظومة مشلولة تحفظ امتيازاتها، حتى وإن أدى ذلك إلى تآكل دور الأمم المتحدة نفسها. والرسالة باتت واضحة: إما إصلاح فعلي يعيد للمنظمة قدرا من المصداقية والقدرة، أو استمرار الانحدار نحو منظمة عاجزة عن مواجهة عالم تحكمه الأزمات ومنطق القوة أكثر مما تحكمه القواعد.

نحو نظام عالمي جديد؟
المؤشرات الراهنة توحي بأن حالة الإحباط من أداء الأمم المتحدة دفعت دولا عديدة إلى البحث عن بدائل جزئية، عبر تعزيز تحالفات إقليمية أو بناء أطر موازية خارج المنظومة الأممية التقليدية

في ظل التآكل المتسارع لمصداقية الأمم المتحدة، يفرض سؤال المستقبل نفسه بإلحاح: هل يتجه العالم نحو نظام دولي جديد يتجاوز المنظمة بصيغتها الراهنة، أم نحو إعادة تشكيلها من الداخل؟ المؤشرات الراهنة توحي بأن حالة الإحباط من أداء الأمم المتحدة دفعت دولا عديدة إلى البحث عن بدائل جزئية، عبر تعزيز تحالفات إقليمية أو بناء أطر موازية خارج المنظومة الأممية التقليدية.

في هذا السياق، برزت تكتلات كبرى مثل مجموعة دول البريكس، التي تسعى إلى موازنة الهيمنة الغربية التقليدية وتعزيز صوت الجنوب العالمي، بالتوازي مع تصاعد الدعوات لإصلاح النظام المالي الدولي ومؤسساته بما يعكس التحولات الفعلية في موازين القوى العالمية. وتعكس هذه التحركات واقعا جديدا يؤكد أن العالم لم يعد أحادي القطب، بل دخل مرحلة تعددية قطبية تتنازعها مراكز قوة متعددة، لكل منها رؤيته ومصالحه.

ومع ذلك، فإن تجاوز الأمم المتحدة أو استبدالها بمنظمة جديدة ليس خيارا سهلا ولا بالضرورة آمنا. فرغم عللها البنيوية، لا تزال الأمم المتحدة الإطار العالمي الجامع الوحيد المتاح. والمشكلة الجوهرية لا تكمن في وجود المنظمة بحد ذاته، بل في غياب الإرادة السياسية لاحترام قواعد القانون الدولي وتطبيقها على الجميع دون استثناء. إن تجاوز الأمم المتحدة دون إصلاح حقيقي قد يفتح الباب أمام فراغ دولي خطير، تملؤه تحالفات ضيقة، أو قوى اقتصادية وتكنولوجية عابرة للحدود لا تخضع لأي مساءلة.

من هنا، يتبلور إدراك متزايد بأن العالم بحاجة إلى تعددية أطراف حقيقية لا شكلية، وإلى إعادة تصور دور الأمم المتحدة لتصبح أكثر قدرة على الوقاية من الأزمات، وأكثر التزاما بحماية حقوق الإنسان في المجالات المستجدة، وأكثر استقلالا ماليا وسياسيا عن إرادة الدول النافذة. فالتحدي ليس في هدم المنظومة القائمة، بل في إنقاذها من الشلل.

في المحصلة، لا تقف البشرية أمام خيار ثنائي بسيط بين بقاء الأمم المتحدة أو زوالها، بل أمام لحظة مفصلية تحدد شكل النظام الدولي المقبل. فإما إصلاح جريء يعيد للمنظمة روحها التأسيسية المتمحورة حول الإنسان والعدالة والمساواة بين الدول، وإما استمرار التآكل وصولا إلى تجاوزها لصالح نظام تحكمه القوة والتحالفات والمصالح الضيقة. الكرة اليوم في ملعب الدول الأعضاء: إما أن تُترجم الأقوال إلى أفعال، أو أن يُترك العالم لينزلق نحو فوضى دولية مغلّفة باسم "نظام جديد". الأمم المتحدة، بهذا المعنى، أمام معادلة وجودية واضحة: أن تتجدد.. أو أن تُستبدل.
التعليقات (0)