شكّل الطرح الذي
قُدِّم في جنيف خلال جلسة الاستعراض الدوري الشامل الرابعة للبنان (UPR) أمام الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل التابع
لمجلس
حقوق الإنسان؛ مؤشرا على انتقال تدريجي في مقاربة ملف
اللاجئين الفلسطينيين
من منطق إدارة الأزمات إلى منطق الحقوق والمعالجة العقلانية. وأهمية هذا الطرح أنه
يأتي بوصفه اعترافا رسميا لبنانيا أمام إحدى أهم الآليات الحقوقية الأممية، بما
يرقى إلى إعلان التزام دولي مُجدَّد ويُنشئ معيارا مرجعيا يمكن مساءلة الدولة على
أساسه لاحقا ضمن دورات المتابعة والتقييم. كما أنّ هذا التحوّل لا يُقرأ بوصفه
انعطافة مفاجئة، إذ إن
لبنان تلقّى في دورات الاستعراض السابقة توصيات متكررة تتصل
بحماية حقوق اللاجئين وضمان عدم التمييز وتوسيع إمكان الوصول إلى العمل والخدمات
الأساسية، ما يجعل الخطاب الراهن أقرب إلى حصيلة تراكمية لمسار طويل من المراجعة
والضغط الحقوقي.
وقد عُقدت جلسة
مناقشة سجل لبنان الحقوقي يوم 19 كانون الثاني/يناير 2026 ضمن الدورة الحادية
والخمسين للفريق العامل (19–30 كانون الثاني/يناير 2026) في قصر الأمم (Palais des Nations) بجنيف، على أن تُعتمد توصيات
الدول لاحقا في الجلسة الختامية للدورة.
المصالح المشتركة
مدخل للاستقرار لا تهديد له
تاريخيا، جرى
التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بوصفهم عبئا اقتصاديا وأمنيا، غير أن
التجربة أثبتت أن سياسات الحرمان لم تُخفّف من الأعباء، بل عمّقتها، عبر دفع أعداد
كبيرة من اللاجئين إلى العمل غير النظامي، والفقر المدقع، والاعتماد شبه الكامل
على المساعدات الإنسانية.
في المقابل،
تُظهر المقاربة الحقوقية أن إدماج اللاجئين ضمن أطر قانونية منظّمة ينعكس إيجابا
على المجتمع ككل. فالحق في العمل اللائق والضمان الاجتماعي والصحة والتعليم، كما
نصّ عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 (المواد 22 و23 و25)، ليس مجرد
حماية فردية، بل ركيزة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
كما يؤكد العهد
الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 التزام الدول
بضمان هذه الحقوق لكل من يوجد على أراضيها دون تمييز، ولا سيما الحق في العمل
(المادة 6)، والضمان الاجتماعي (المادة 9)، ومستوى معيشي لائق (المادة 11)، والصحة
(المادة 12).
وعليه، فإن تحسين
أوضاع اللاجئين لا يتعارض مع المصلحة الوطنية، بل يحدّ من الهشاشة ويعزّز
الإنتاجية والاستقرار.
الحقوق لا
تُقايَض ولا تُمنَح كامتيازات سياسية
من أبرز
الإشكاليات التي رافقت ملف اللاجئين هي تحويل الحقوق الأساسية إلى أوراق سياسية
مشروطة، تُمنح حينا وتُسحب حينا آخر. والحال أن القانون الدولي واضح في هذا
المجال: الحقوق المدنية والاجتماعية ليست امتيازات، بل التزامات قانونية.
فالعهد الدولي
الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 ينص في مادتيه الثانية والسادسة
والعشرين على مبدأ المساواة أمام القانون وعدم التمييز في التمتع بالحقوق. كما
تحظر اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام 1965 أي تفرقة قائمة على
الأصل القومي أو العرقي في الوصول إلى الحقوق الأساسية.الأهم
من ذلك أن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أكدت في تعليقها العام رقم 31
(2004) أن التزامات الدول تمتد إلى كل الأشخاص الموجودين داخل إقليمها أو الخاضعين
لولايتها، بغضّ النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني.
وبالتالي، فإن
تمكين اللاجئين الفلسطينيين من حقوق العمل والحماية الاجتماعية لا يمسّ بحق العودة
ولا يُغيّر من وضعهم القانوني كلاجئين، بل يحمي كرامتهم الإنسانية إلى حين تحقّق
الحل العادل والدائم.
العقلانية بديلا
عن سياسات الخوف
اعتمدت السياسات
السابقة تجاه اللاجئين على منطق الخوف: الخوف من التوطين، والخوف من المنافسة
الاقتصادية، والخوف من التحولات الديموغرافية. غير أن هذه المخاوف لم تنتج حلولا
عملية، بل أدّت إلى تراكم الأزمات.
المقاربة التي
طُرحت في جنيف تعكس توجها أكثر عقلانية يقوم على تنظيم الحقوق بدل إنكارها. فتنظيم
العمل، على سبيل المثال، يحدّ من الاقتصاد غير النظامي، ويمنع الاستغلال، ويؤمّن
رقابة قانونية أفضل لسوق العمل، وهو ما تؤكده أيضا اتفاقية منظمة العمل الدولية
رقم 111 لعام 1958 بشأن منع التمييز في الاستخدام والمهنة.العقلانية
هنا تعني معالجة الواقع كما هو، لا كما يُخشى أن يكون، وبناء سياسات تستند إلى
القانون والوقائع بدل الهواجس السياسية.
من عبء مُفترض
إلى عنصر إيجابي فاعل
حين يُحرَم
الإنسان من العمل النظامي والخدمات الأساسية، يتحوّل إلى فئة هشّة تعتمد على
المساعدات. أما حين تُفتح له الأطر القانونية، يصبح منتجا ومشاركا في الدورة
الاقتصادية. تشير التجارب الدولية إلى أن إدماج
اللاجئين قانونيا يخفّف الأعباء المالية طويلة الأمد، ويُسهم في التنمية المحلية.
وفي الحالة اللبنانية، حيث يعاني الاقتصاد من أزمات متراكمة، يصبح تنظيم مساهمة
اللاجئين ضرورة اقتصادية واجتماعية لا مجرد خيار إنساني.وبذلك
يتحوّل اللاجئ من "مشكلة مزمنة" إلى عنصر استقرار وإنتاج، ما يخدم
المجتمع المضيف ويعزّز التماسك الاجتماعي.
تضافر الجهود في
ظل تراجع التزامات الدول تجاه الأونروا
يتزامن هذا
التحوّل في المقاربة مع أزمة غير مسبوقة تعيشها وكالة
الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل
اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) نتيجة العجز المالي وتراجع التزامات الدول
المانحة، رغم أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أنشأت الوكالة بموجب القرار 302 عام
1949 وجددت ولايتها مرارا لضمان استمرار خدماتها الأساسية.
هذا التراجع
الدولي يضاعف مسؤولية الأطراف كافة في البحث عن حلول تكاملية تحمي حقوق اللاجئين،
بدل تركهم رهائن لأزمات التمويل والسياسات الدولية المتقلبة.
فالانسحاب المالي
للدول المانحة لا يعفي المجتمع الدولي من مسؤولياته القانونية والأخلاقية، ولا
يبرّر استمرار الحرمان داخل الدول المضيفة.
الحيوية المؤسسية
ودور لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني
في هذا السياق،
تبرز أهمية الجهود التي تقودها لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني مؤخرا كإطار رسمي
لمعالجة قضايا اللاجئين بالحوار والمؤسسية بدل المقاربات الأمنية.
لقد ساهمت اللجنة
في فتح ملفات الحقوق المدنية والعمل والضمان الاجتماعي، ووفّرت مساحة للتفاهم
التدريجي بين الدولة اللبنانية والجانب الفلسطيني، بما يراعي السيادة ويستند في
الوقت نفسه إلى المعايير الحقوقية. إن الحيوية التي تشهدها أعمال
اللجنة اليوم تشكّل فرصة حقيقية لتحويل الخطاب الإيجابي إلى سياسات عامة مستدامة،
إذا ما توافرت الإرادة السياسية اللازمة.
من الأجواء
الإيجابية إلى خطوات عملية ملموسة
لا قيمة لأي تحول
خطابي إذا لم يُترجم إلى إجراءات فعلية. فالأجواء الإيجابية التي عكستها مقاربة
جنيف يجب أن تقود إلى:
-
إزالة القيود غير المبرّرة عن العمل النظامي.
-
إتاحة المجال للتملك العقاري.
- توسيع
مظلة الحماية الاجتماعية، بما يشمل تسهيل حركة سكان المخيمات.
-
تطوير أطر قانونية واضحة تنظّم العلاقة بين الدولة واللاجئين بما فيها حسم المركز
القانوني للاجئين.
إن التباطؤ في
التنفيذ يهدّد بتقويض الثقة ويعيد إنتاج الإحباط الذي لازم اللاجئين لعقود.
نحو مقاربة
حقوقية متكاملة للمستقبل
تمثّل مقاربة
جنيف محطة مفصلية لأنها تعكس اعترافا رسميا متزايدا بأن سياسات الإقصاء لم تعد
قابلة للاستمرار، وأن الحقوق ليست تهديدا للسيادة بل شرطا للاستقرار. إن الانتقال من إدارة الأزمة إلى
معالجتها قانونيا، ومن الخوف إلى العقلانية، ومن التهميش إلى الشراكة الاجتماعية،
يشكّل الطريق الوحيد لبناء علاقة صحية بين الدولة اللبنانية واللاجئين الفلسطينيين.
لقد كانت رحلة
اللاجئين طويلة ومليئة بالحرمان، لكن الاعتراف بالحقوق اليوم يفتح نافذة أمل
حقيقية نحو مستقبل أكثر عدالة وكرامة، إلى أن يتحقّق الحل العادل والدائم بعودة
طال انتظارها، لا تُسقِطها الحقوق، بل تصون الإنسان في انتظارها.