"فلسطين أكشن": هل انكسر منطق الحظر؟

محمد كرواوي
"رأت المحكمة أن إدراج تنظيم كامل ضمن لائحة الإرهاب يتطلب تحقق شروط صارمة، في مقدمتها وجود قصد إرهابي"- إكس
"رأت المحكمة أن إدراج تنظيم كامل ضمن لائحة الإرهاب يتطلب تحقق شروط صارمة، في مقدمتها وجود قصد إرهابي"- إكس
شارك الخبر
لم يكن الحكم الصادر عن المحكمة العليا في لندن مجرد قرار قانوني يطوي نزاعا إداريا بين وزارة الداخلية وحركة احتجاجية، بل جاء أقرب إلى لحظة مكاشفة داخل النظام الديمقراطي البريطاني نفسه. فمنذ أن مضت الحكومة في قرار حظر حركة "فلسطين أكشن" وتصنيفها ضمن لائحة المنظمات الإرهابية، بدا أن المسألة تتجاوز توصيف سلوك مجموعة من النشطاء، لتلامس منطقة أكثر حساسيه تتصل بحدود السلطة التنفيذية في تأويل مفهوم الخطر، وبمدى انضباط هذا التأويل بالمعايير التي أرساها القانون. الحكومة البريطانية، في دفاعها عن قرار الحظر استندت إلى وقائع مادية تم توثيقها في ملفات رسمية، تتعلق باقتحام منشآت صناعية، وإلحاق أضرار بالممتلكات، وتعطيل أنشطة اقتصادية مرتبطة بصناعة السلاح، وهي صناعة تتشابك بطبيعتها مع اعتبارات استراتيجية وأمنية.

ومن هذا المنظور رأت الدولة أن ما تقوم به الحركة لا يندرج ضمن الاحتجاج التقليدي، بل يمثل نمطا من الضغط المادي المنظم الذي قد يرقى، في تقديرها، إلى مستوى التهديد للأمن القومي أو للنظام العام. كان منطق السلطة التنفيذية قائما على فكرة وقائية مفادها أن الدولة لا يمكنها الانتظار حتى تتفاقم الأفعال أو تتوسع، وأن التشريعات الاستثنائية وجدت تحديدا للتعامل مع أنماط من النشاط يصعب احتواؤها ضمن الإطار الجنائي المعتاد.

الحركة، في مرافعاتها أمام القضاء، قدمت تصورا مغايرا لطبيعة أفعالها، مرتكزة على تمييز قانوني دقيق بين الجريمة والإرهاب. فقد دفعت بأن نشاطها، رغم ما قد يتخلله من أضرار جنائية، يظل شكلا من أشكال العصيان المدني

غير أن الحركة، في مرافعاتها أمام القضاء، قدمت تصورا مغايرا لطبيعة أفعالها، مرتكزة على تمييز قانوني دقيق بين الجريمة والإرهاب. فقد دفعت بأن نشاطها، رغم ما قد يتخلله من أضرار جنائية، يظل شكلا من أشكال العصيان المدني الذي عرفته الحياة السياسية البريطانية في محطات عديدة، وأن أفعالها لم تستهدف أفرادا أو أرواحا، بل انصبت على ممتلكات مرتبطة، وفق رؤيتها، ببنية صناعية ترى أنها تسهم في إدامة النزاعات المسلحة.

الحجة المركزية التي قدمها الدفاع لم تكن تبرير التخريب، بل الاعتراض على نقله من مجال القانون الجنائي، حيث يُنظر إليه كجريمة محددة العناصر والعقوبات، إلى مجال قانون الإرهاب، حيث تترتب أوصاف قانونية أشد جسامة وتبعات أوسع نطاقا. وبعبارة أخرى، لم يكن النزاع حول الوقائع بقدر ما كان حول التكييف. وهنا تحديدا تدخلت المحكمة العليا، لا لتفصل في مشروعية الاحتجاج أو في أخلاقية أساليب الحركة، بل لتفحص سلامة الأساس القانوني الذي استند إليه قرار الحظر. وقد انطلقت في تسبيبها من مبدأ جوهري في الفقه القضائي البريطاني والأوروبي معا، هو مبدأ التناسب، الذي يقضي بأن مشروعية الهدف الذي تسعى إليه الدولة لا تعني تلقائيا مشروعية الوسيلة المستخدمة لبلوغه.

فرأت المحكمة أن إدراج تنظيم كامل ضمن لائحة الإرهاب يتطلب تحقق شروط صارمة، في مقدمتها وجود قصد إرهابي محدد بالمعنى الذي نص عليه قانون الإرهاب لعام 2000، وأن مجرد وقوع أضرار جنائية أو تخريب للممتلكات، مهما بلغت خطورته، لا يكفي بذاته لإضفاء الوصف الإرهابي ما لم يقترن بنية ترهيب الجمهور أو ممارسة ضغط بالغ الخطورة على الدولة. وبذلك أعادت المحكمة التأكيد على تمييز لطالما شكل ركيزة في البناء القانوني الحديث: أن ليس كل عنف إرهابا، وليس كل جريمة تهديدا استثنائيا.

القضاء، بحكم موقعه ووظيفته، لا يزن الأمور بميزان القلق السياسي الآني، بل بميزان المعيار القانوني المستقر. فالتشريعات الاستثنائية، إن فتحت أبوابها على تعريفات فضفاضة، قد تمتد مستقبلا إلى مجالات أوسع من المعارضة السياسية

ولم يكن استدعاء المحكمة للمادتين العاشرة والحادية عشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان إجراء شكليا، بل كان جزءا من منطق الحكم ذاته. فالحظر الكلي، في نظر القضاة، يمثل تدخلا جذريا في حرية التعبير والتجمع، ولا يمكن تبريره إلا إذا أثبتت الدولة أن الإجراء كان ضروريا ومتناسبا في مجتمع ديمقراطي. وقد رأت المحكمة أن الدولة تملك بالفعل أدوات قانونية كافية لمحاكمة الأفراد المتورطين في التخريب ضمن إطار القانون الجنائي العادي، دون الحاجة إلى توسيع نطاق التشريعات الاستثنائية على نحو قد يمس الحقوق الأساسية لجماعة بأكملها. بهذا المعنى، لم يكن الحكم إنكارا لمخاوف الدولة، بل ضبطا للأداة المستخدمة في معالجتها.

إن اعتراض الحكومة، القائم على أن تكتيكات الحركة تحدث أثرا ترهيبيا على قطاعات صناعية حساسة وتفتح الباب أمام أنماط احتجاج أكثر خشونة، يظل اعتراضا مفهوما في سياق حسابات الأمن والنظام، غير أن القضاء، بحكم موقعه ووظيفته، لا يزن الأمور بميزان القلق السياسي الآني، بل بميزان المعيار القانوني المستقر. فالتشريعات الاستثنائية، إن فتحت أبوابها على تعريفات فضفاضة، قد تمتد مستقبلا إلى مجالات أوسع من المعارضة السياسية، وهو ما يجعل من مهمة المحكمة حماية الحدود التعريفية، لا الدخول في تقديرات السلطة التنفيذية.

وبذلك يمكن فهم الحكم الصادر عن المحكمة العليا بوصفه تصحيحا لتوازن دقيق داخل النظام الديمقراطي البريطاني؛ فهو لا يمنح حصانة للتخريب، ولا يشرعن الاعتداء على الممتلكات، بل يعيد الأفعال إلى إطارها القانوني الصحيح، ويؤكد أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على الردع، بل أيضا بمدى انضباطها للقانون، وأن استقلال القضاء لا يتجلى في معارضة الحكومة، بل في حماية التعريف حين تتعرض حدوده للتمدد. وفي هذا التلاقي بين حرص الدولة على النظام وحرص القضاء على المعيار، تتجسد إحدى أكثر لحظات الديمقراطية عمقا: لحظة يعاد فيها تعريف الخطر، لا في الخطاب السياسي، بل في ميزان القانون.
التعليقات (0)