نحن اليوم
أمام لحظة فارقة من لحظات التاريخ، تشبه إلى حد بعيد تلك الأيام التي سبقت انفجار
الأزمات الكبرى في القرن الماضي. إن ما نطلق عليه
معاهدة نيو
ستارت ليس مجرد ورقة
قانونية بين عاصمتين، بل كان هو السقف الذي يحمي العالم من حريق
نووي شامل. لكن
هذا السقف الآن يتداعى، ليس لأن النوايا غائبة فحسب، بل لأن الأرض التي قام عليها
هذا البناء تبدلت تضاريسها بالكامل. إن القواعد التي وُضعت في زمن الحرب الباردة،
حين كان العالم محكوما بقطبين يتبادلان الرسائل عبر الخط الساخن، لم تعد صالحة
لعالم اليوم الذي تتعدد فيه مراكز القوة وتتشابك فيه المصالح والتهديدات بشكل يفوق
خيال من وقعوا تلك الاتفاقيات القديمة. إننا نعيش حالة من السيولة الاستراتيجية
التي تجعل من محاولات التمسك بالقديم أشبه بمن يحاول إمساك الماء بالغربال، في وقت
تتسارع فيه الأحداث لتضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية لا تقبل التأجيل.
إن جوهر
المأزق يكمن في أننا نحاول قياس واقع القرن الحادي والعشرين بمسطرة من القرن
العشرين. كانت معاهدات ستارت تقوم على معادلة بسيطة: واشنطن في كفة وموسكو في كفة،
وكان هذا التوازن، رغم قسوته، يمنح العالم نوعا من الاستقرار القائم على الرعب
المتبادل. أما الآن، فإن دخول الصين إلى الحلبة كقوة نووية صاعدة، لم يعد مجرد
احتمال بل صار حقيقة استراتيجية تفرض نفسها على كل حسابات الميزان العسكري. فبقاء
القوتين التقليديتين داخل قيود المعاهدة القديمة، بينما تنطلق قوة ثالثة في سباق
مفتوح،
السلاح النووي نفسه لم يعد هو اللاعب الوحيد على خشبة المسرح. لقد دخلت التكنولوجيا الرقمية وصواريخ تفوق سرعة الصوت لتعيد تعريف مفهوم الردع
يخلق حالة من عدم التوازن تجعل أي حديث عن ضبط النفس ضربا من الخيال. إن
المنطق التاريخي يقول إن الأمن لا يمكن أن يتجزأ، وأن أي ترتيبات جديدة لا تضع في
اعتبارها هذا الزحام النووي في آسيا، وما يتبعه من قلق في عواصم كبرى مثل طوكيو
ونيودلهي، هي ترتيبات ولدت ميتة ولا يمكنها الصمود أمام أعاصير الواقع الجديد.
وتبرز
عقدة أخرى في المشهد لا تقل خطورة، وهي أن السلاح النووي نفسه لم يعد هو اللاعب
الوحيد على خشبة المسرح. لقد دخلت التكنولوجيا الرقمية وصواريخ تفوق سرعة الصوت
لتعيد تعريف مفهوم الردع؛ فبينما كانت القاعدة فيما مضى أن الصواريخ العابرة
للقارات تحتاج إلى دقائق طويلة للوصول، مما يعطي فرصة للتفكير أو للتراجع، نحن
نتحدث اليوم عن أسلحة جديدة وسريعة يمكنها شل قدرات الخصم في ثوان، دون أن يدرك من
أين جاءت الضربة. هذا التداخل بين ما هو نووي وما هو تقني يجعل من نصوص المعاهدات
القديمة مجرد حكايات من الماضي، إننا أمام عسكرة للذكاء وتحويل الفضاء إلى ساحة
خلفية للمواجهة، مما يعني أن أي رؤية مستقبلية يجب أن تستوعب هذا الانصهار بين
الذرّة والرقاقة الإلكترونية، قبل أن نجد أنفسنا في مواجهة حرب تشتعل بضغطة زر
خاطئة أو اختراق سيبراني مجهول الهوية يعصف بخرائط الردع التقليدية.
ولو
تأملنا في دروس التاريخ، لوجدنا أن أزمة الصواريخ الكوبية في ستينيات القرن الماضي
كانت جرس إنذار دفع القوى العظمى للجلوس والتفكير، لكن الفرق الجوهري بين الأمس
واليوم هو أن قنوات التواصل التي كانت تعمل في ذروة الأزمات قد أصابها العطب. أما
آليات المراقبة التي كانت تفتخر بها هذه المعاهدات، فقد تحولت إلى أطلال؛ إذ كانت
فكرة التفتيش المتبادل تقوم على الحد الأدنى من الثقة أو على الأقل الرغبة في تجنب
الانتحار المشترك، لكن حين تسقط الجسور السياسية وتتوقف الاتصالات،
إدراك أن النظام الدولي الذي أنتج هذه المعاهدة قد انتهى وشبع موتا. إننا أمام ولادة عالم جديد، بملامح مخيفة وغير واضحة، ولا يمكن مواجهة هذا الغموض إلا بابتكار إطار يؤمن بأن القوة وحدها لا تحمي صاحبها، وأن الأمن الجماعي هو الضمانة الوحيدة للبقاء
تصبح هذه
الآليات عبئا لا مفر منه، وتتحول صور الأقمار الصناعية وتقارير المفتشين من أدوات
لبناء الثقة إلى أدوات لجمع المعلومات العدائية. إن ما يحتاجه العالم اليوم هو
صيغة جديدة تتجاوز فكرة الشرطي والمراقب، صيغة تعتمد على وسائل تقنية حديثة
ومستقلة، تضمن لكل طرف أن الطرف الآخر لا يخبئ خنجرا وراء ظهره، بعيدا عن تقلبات
المزاج السياسي في الكرملين أو البيت الأبيض.
الحديث عن
إطار جديد ليس دعوة للتخلي عن المكتسبات، بل هو دعوة لإنقاذ فكرة الحد من التسلح
من مقصلة الفوضى، فالعالم اليوم يقف على رقعة شطرنج معقدة، حيث لا يقتصر الأمر على
اللاعبين الكبار، بل يمتد ليشمل طموحات دول إقليمية ترى في السلاح النووي بوليصة
تأمين أخيرة. هذا التمدد الأفقي والعمودي للمخاطر يجعل من الصمت الدولي نوعا من
التواطؤ مع القدر. إننا بحاجة إلى رؤية أمنية تتسم بالمرونة والشمول، تأخذ في
حسبانها أن الأمن القومي لأي دولة لم يعد ينتهي عند حدودها الجغرافية، بل يمتد
ليشمل استقرار المحيط الدولي بأسره، وهو ما يتطلب لغة دبلوماسية جديدة تتناسب مع
عصر القوى المتعددة.
وحين نصل
بحديثنا إلى بيت القصيد، نجد أن القضية ليست في الحفاظ على اسم "ستارت"
أو تعديل بعض بنودها، بل في إدراك أن النظام الدولي الذي أنتج هذه المعاهدة قد
انتهى وشبع موتا. إننا أمام ولادة عالم جديد، بملامح مخيفة وغير واضحة، ولا يمكن
مواجهة هذا الغموض إلا بابتكار إطار يؤمن بأن القوة وحدها لا تحمي صاحبها، وأن
الأمن الجماعي هو الضمانة الوحيدة للبقاء. إن البحث عن هذا الإطار ليس ترفا فكريا
ولا هو من قبيل الخيال السياسي، بل هو سباق مع الزمن لتفادي لحظة ندم قد لا ينجو
منها أحد، فالتاريخ لا يرحم أولئك الذين يكتفون بالنظر إلى الوراء بينما تشتعل
النيران في طريقهم نحو المستقبل، والحكمة تقتضي أن نبدأ في بناء السفينة قبل أن
يدركنا الطوفان الذي بدأت ملامحه تلوح في الأفق الاستراتيجي البعيد.