يمثّل
اعتراف
إسرائيل بأرض
الصومال لحظة مفصلية في الجغرافيا السياسية للقرن الأفريقي
والبحر الأحمر، ليس فقط لأنه يمنح هذا الإقليم المنفصل شرعية سياسية جديدة خارج
إطار الدولة الصومالية، بل لأن الاعتراف يأتي في سياق متوتر تختلط فيه رهانات
النفوذ الدولي بمشاريع إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وتتعالى فيه تخوفات عربية
من ربط هذا الاعتراف بسيناريوهات تهجير الفلسطينيين من غزة إلى فضاءات بديلة خارج
وطنهم.
فمنذ انهيار الدولة
الصومالية مطلع التسعينيات؛ وأرض الصومال تسعى إلى اعتراف دولي بدولتها المنفصلة،
غير أن المجتمع الدولي ظل متمسكا بمبدأ وحدة الصومال خشية خلق سابقة
انفصالية تهدد
استقرار القارة الأفريقية. واليوم، حين تختار إسرائيل أن تكسر هذا الحاجز السياسي،
فإنها لا تعترف بمجرد كيان يبحث عن الشرعية، بل تفتح ممرا استراتيجيا لنفوذها على
واحد من أهم الممرات البحرية في العالم عند تخوم باب المندب وخليج عدن، حيث تتقاطع
مصالح مصر والسعودية واليمن والسودان والإمارات وإثيوبيا والولايات المتحدة
وأوروبا والصين، وبذلك يصبح الاعتراف ورقة نفوذ وأداة تموضع أمني واقتصادي أكثر
منه قرارا دبلوماسيا تقليديا.
شراكات أمنية أو لوجستية في سواحل أرض الصومال تمنح إسرائيل منصة مراقبة متقدمة لمسرح البحر الأحمر وحركة الملاحة فيه، وتفتح أمامها مجالا لتطويق خصومها الإقليميين، كما تمنحها قدرة أكبر على التأثير في توازن القوى
إن إقامة
شراكات أمنية أو لوجستية في سواحل أرض الصومال تمنح إسرائيل منصة مراقبة متقدمة
لمسرح البحر الأحمر وحركة الملاحة فيه، وتفتح أمامها مجالا لتطويق خصومها
الإقليميين، كما تمنحها قدرة أكبر على التأثير في توازن القوى الذي ظل لعقود أقرب
إلى المجال العربي
أفريقيا وآسيويا.
ويتعزز هذا البعد
الأمني حين يوضع في سياق التصاعد اللافت لدور الحوثيين في السواحل اليمنية
وسيطرتهم على أجزاء من المجال البحري الجنوبي للبحر الأحمر، حيث شكلت عملياتهم ضد
السفن التجارية وعنابر الشحن عاملا ضاغطا على خطوط التجارة الدولية وأمن الملاحة.
ومن هذا المنظور، لا يُفهم الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال بوصفه دعما سياسيا
لكيان منفصل فحسب، بل بوصفه سعيا إلى إنشاء موطئ قدم استخباري ولوجستي على الضفة
الأفريقية المقابلة لباب المندب، بما يسمح بتوسيع شبكات الرصد والمراقبة وتقييد
هامش الحركة البحرية المرتبطة بالحوثيين، وتحويل الإقليم إلى حلقة متقدمة في
استراتيجية تطويق مزدوجة: تطويق نفوذ الحوثيين جنوب الممر، وتقييد قدرة القوى
العربية والإقليمية على احتكار إدارة أمن هذا الفضاء البحري الحساس.
وتزداد
خطورة هذه الخطوة حين توضع إلى جانب مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال؛ التي
منحت أديس أبابا منفذا بحريا وقاعدة بحرية مقابل اعتراف سياسي محتمل باستقلال
الإقليم، الأمر الذي اعتبرته مقديشو اعتداء على سيادتها، فقوبل برفض أفريقي وعربي
واسع، وكانت القاهرة في مقدمته حين أكدت رفضها لأي مساس بوحدة الصومال واعتبرت أمن
هذا البلد جزءا من أمن البحر الأحمر والمنطقة.
الصلة المحتملة بين الاعتراف وسيناريوهات تهجير الفلسطينيين فتمثل الواجهة الأكثر حساسية، نظرا لما تحمله فرضية المقايضة السياسية من مخاطر تحويل القضية من قضية شعب على أرضه إلى ملف إعادة توطين
ومع دخول إسرائيل على خط الاعتراف،
يصبح مسار شرعنة الانفصال معرضا لاكتساب تدريجي للشرعية بفعل تراكم الاعترافات
الجزئية، وهو ما قد يشجع نزعات انفصالية أخرى في أفريقيا ويضعف قاعدة وحدة الدول
التي لطالما تمسكت بها الدبلوماسية العربية.
وإلى جانب
هذه الدوافع الملاحية والأمنية، يندرج الاعتراف أيضا ضمن مسعى أوسع لإعادة تشكيل
خريطة التحالفات في المجالين العربي والأفريقي عبر تفتيت دوائر النفوذ التقليدية
لمصر وتركيا على حد سواء، إذ تحاول إسرائيل الالتفاف على المجال الحيوي العربي
والتركي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي؛ عبر بناء طوق نفوذ جديد يتوزع حول
الموانئ والممرات البحرية والمناطق القابلة للاستثمار الجيو اقتصادي.
أما الصلة المحتملة بين
الاعتراف وسيناريوهات تهجير الفلسطينيين فتمثل الواجهة الأكثر حساسية، نظرا لما
تحمله فرضية المقايضة السياسية من مخاطر تحويل القضية من قضية شعب على أرضه إلى
ملف إعادة توطين في أطراف جغرافية هشة تبحث عن الاعتراف والدعم، بما يعني عمليا تفريغ
غزة من جزء من سكانها وتصفية حق العودة وتحويل المأساة السياسية إلى ملف إنساني
قابل للتعويض والإدماج.
وهكذا لا
يقف أثر الاعتراف عند حدود الصومال، بل يتجاوزها إلى منظومة الأمن في البحر الأحمر
والفضاء الإقليمي المحيط به، ويجعل العرب والأتراك معا أمام اختبار جيوسياسي جديد
عنوانه الدفاع عن وحدة الدول، وحماية أمن الممرات البحرية، ورفض أي مقاربة تحاول
تحويل التهجير من أداة ظرفية إلى خيار استراتيجي يعاد إنتاجه تحت عناوين إنسانية
أو تنموية.