غرينلاند: اختبار الصلابة الأوروبية في مواجهة نزعة ترامب التوسعية

شعراوي محمد
"أي حديث عن شراء الجزيرة يتجاهل إرادة سكانها"- جيتي
"أي حديث عن شراء الجزيرة يتجاهل إرادة سكانها"- جيتي
شارك الخبر
لم تكن جزيرة غرينلاند، في جوهر الجدل الذي أُثير حولها خلال السنوات الأخيرة، سوى اختبارٍ مكثف لمدى تماسك الاتحاد الأوروبي وقدرته على الصمود في وجه الأطماع الأمريكية ونزعة التهور التي طبعت سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فبين شدٍّ وجذب حول مستقبل الجزيرة، وتبادلٍ للتصريحات بين الدنمارك والولايات المتحدة من جهة، وروسيا وقوى دولية رافضة للهيمنة الأمريكية من جهة أخرى، برزت غرينلاند بوصفها أكثر من مجرد جزيرة نائية، بل ساحة صراع رمزية على النفوذ والقرار.

تاريخيا، لا تُعد الأطماع الأمريكية في غرينلاند وليدة اللحظة، فقد بدأت بشكل جدي في عام 1867، حين طرح وزير الخارجية الأمريكي ويليام سيوارد فكرة شراء الجزيرة عقب صفقة ألاسكا. وتجدد هذا الطرح عام 1946، عندما عرض الرئيس الأمريكي هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك، قبل أن تتحول الجزيرة خلال الحرب الباردة إلى ركيزة أساسية في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، نظرا لموقعها الحاسم في القطب الشمالي، مع إنشاء قاعدة "ثول" الجوية، المعروفة اليوم باسم "Pituffik Space Base"، ضمن منظومة الإنذار المبكر.

ما يميز مرحلة ترامب عن سابقاتها هو الانتقال من التفكير الاستراتيجي الصامت إلى العلنية السياسية الصادمة

غير أن ما يميز مرحلة ترامب عن سابقاتها هو الانتقال من التفكير الاستراتيجي الصامت إلى العلنية السياسية الصادمة. فطرح فكرة "شراء غرينلاند" لم يكن مجرد زلة لسان أو مناورة إعلامية، بل عكس ذهنية سياسية ترى في الجغرافيا أداة قابلة للبيع والشراء، وفي الحلفاء شركاء مؤقتين يمكن الضغط عليهم أو تجاوزهم متى اقتضت المصلحة.

هنا يبرز السؤال الجوهري: هل انتقلت سياسة ترامب من دائرة المناورة إلى مرحلة المواجهة الصريحة مع الحلفاء الأوروبيين؟ وهل تحوّل حلف شمال الأطلسي (الناتو) من مظلة أمنية جماعية إلى أداة ضغط أمريكية لخدمة مصالح جيوسياسية محددة، وفي مقدمتها غرينلاند؟

تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الاستراتيجي الفريد داخل القطب الشمالي، فضلا عن ثرواتها الطبيعية الهائلة من المعادن النادرة، ودورها العسكري الحيوي ضمن شبكة الدفاع والإنذار الأمريكية. هذه المعطيات تجعل من الجزيرة هدفا مغريا لواشنطن، خاصة في ظل التنافس المتصاعد مع روسيا والصين على النفوذ في المناطق القطبية، ومع ذوبان الجليد الذي فتح طرقا بحرية جديدة وأعاد رسم خرائط القوة العالمية.

في المقابل، لا يمكن تجاهل الوضع السياسي والقانوني لغرينلاند، التي كانت مستعمرة دنماركية حتى عام 1953، قبل أن تحصل على الحكم الذاتي عام 1979، ثم على حكم ذاتي موسع عام 2009، يمنحها الحق في تقرير المصير مستقبلا. ورغم استمرار تولي كوبنهاغن ملفات الدفاع والسياسة الخارجية، فإن أي حديث عن "شراء" الجزيرة يتجاهل إرادة سكانها، ويضرب عرض الحائط بالقانون الدولي.

جميع السيناريوهات تبقى مفتوحة، لا سيما في ظل تآكل الثقة بين ضفتي الأطلسي. فلم تعد تصريحات بعض القادة الأوروبيين، وعلى رأسهم المستشار الألماني الذي شدد على أن روسيا "جزء من الجغرافيا الأوروبية"، مجرد مناورة سياسية، بل تعبيرا عن واقع فرضته التحولات الدولية. ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، وتلويح واشنطن بفرض رسوم جمركية وعقوبات اقتصادية على شركائها الأوروبيين، إضافة إلى أزمة الطاقة الناتجة عن الاستغناء القسري عن الغاز الروسي، تجد ألمانيا، بوصفها قاطرة الاتحاد الأوروبي، نفسها أمام خيارات صعبة ومعقدة.

إن أي تقارب ألماني مع موسكو، رغم الإرث التاريخي الثقيل، قد يُقرأ باعتباره خطوة اضطرارية أكثر منه خيارا أيديولوجيا، في ظل تمدد السياسات الأمريكية الأحادية واندفاع ترامب غير المحسوب. غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرهونا بعدة عوامل، أبرزها مدى استعداد روسيا للاستجابة، وكيف سيتعامل الاتحاد الأوروبي مع هذا التحول، وما إذا كانت واشنطن ستكتفي بالضغط السياسي والاقتصادي، أم ستذهب نحو خيارات أكثر تصعيدا، خاصة أن ألمانيا تستضيف عددا كبيرا من المواقع والقواعد العسكرية الأمريكية.

لا يبدو أن ما يقوم به ترامب يخدم سوى منطق الاستثمار في القوة العسكرية والابتزاز السياسي، وهو مسار لا يرغب الأوروبيون في أن يكونوا ضحيته التالية

في هذا السياق، يُطرح سؤال أكثر حساسية: هل ترضخ الدول الأوروبية لرغبات ترامب، وتقدم غرينلاند كـ"كبش فداء" للحفاظ على العلاقة مع البيت الأبيض؟ أم أن الارتماء، ولو جزئيا، في حضن موسكو بات ضرورة تفرضها التحولات السياسية والاقتصادية المتسارعة؟

يبدو أن العقل الجمعي الأوروبي يعيش حالة ارتباك غير مسبوقة، بين الخوف من فقدان الحماية الأمريكية، والرغبة في بناء استقلال استراتيجي طال الحديث عنه ولم يتحقق فعليا. لكن ما يتوجس منه الأوروبيون ليس فقط خطر القضم الروسي من البوابة الشرقية، أو الضغط الأمريكي من البوابة الشمالية، بل خطر التفكك الداخلي في ظل صعود تيارات يمينية إلى مراكز القرار في عدد من العواصم الأوروبية، بعضها يجد في ترامب حليفا طبيعيا، خاصة في قضايا الهجرة والهوية.

ولا يُستبعد أن تشهد المرحلة المقبلة محاولات داخل الكونغرس الأمريكي لمحاسبة ترامب أو الدفع نحو عزله، في ظل سلسلة من القرارات المتخبطة والسياسات المثيرة للجدل. وحتى التحركات العسكرية أو الأمنية التي حاول ترامب تسويقها كاستعراض للقوة، مثل التعاطي الفج مع الملف الفنزويلي، لم تُقرأ أوروبيا إلا باعتبارها تهورا سياسيا يسيء إلى صورة الولايات المتحدة كحامية لقيم الديمقراطية والحريات.

في المحصلة، لا يبدو أن ما يقوم به ترامب يخدم سوى منطق الاستثمار في القوة العسكرية والابتزاز السياسي، وهو مسار لا يرغب الأوروبيون في أن يكونوا ضحيته التالية. وغرينلاند، في هذا المشهد، قد تكون إما الشرارة الأولى لتآكل الاتحاد الأوروبي من الداخل، أو نقطة التحول نحو إعادة رسم التحالفات الدولية. وبين هذا وذاك، يبقى الثابت الوحيد أن سياسات ترامب تفرض على أوروبا أسوأ الخيارات، وتجبرها على الاختيار بين السيئ والأسوأ.
التعليقات (0)