يعتبر
الجوار السياسي نوعا من تقاطع دوائر التأثير بين دولتين تجمعهما مصالحها
استراتيجية وأمنية قومية مشتركة، حتى لو لم ترتبط الدولتان بحدود أرضية، وهو يختلف
ويتجاوز الجوار الجغرافي المبني على الحدود الطبيعية للدول.
ولطالما
كانت سياسة الجوار السياسي مفهوما ناعما وإطارا نظريا للتعاون الاقتصادي والسياسي
للحفاظ على المصالح المشتركة بين الدول، حتى أعلن الرئيس الأمريكية دونالد
ترامب
رغبته الصريحة والمباشرة في الاستحواذ على جزيرة
غرينلاند التابعة للدنمارك، ليعيد
بذلك تعريف دوائر النفوذ الأمريكية وسياسات الجوار.
من
الناحية العسكرية، فإن الوجود الأمريكية في غرينلاند هو أمر مفروغ منه لأن هناك
قاعدة عسكرية أمريكية هناك بالفعل. وكغيرها من الدول الأوروبية، تسمح الدنمارك بأن
تكون للولايات المتحدة قواعد عسكرية وجنود على أراضيها مثلما هو الحال في ألمانيا
وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا، وهو واقع فرضته ظروف انتهاء الحرب العالمية الثانية
وقبلت به كثير من الدول الأوروبية. فلماذا إذن تريد واشنطن أن تستحوذ على
غرينلاند؟ ولماذا تخاطر باحتلال أراضي دولة حليفة وشريكة في حلف شمال الأطلسي
الناتو؟
هذا التخوف ليس له محل من الإعراب في هذا السياق، لأنه إذا افترضنا وجوده فإن القاعدة العسكرية الأمريكية في الجزيرة، فضلا عن إطار التعاون العسكري بين الدنمارك والولايات المتحدة تحت مظلة حلف الناتو، يسمح بخيارات عسكرية كثيرة تغل يد موسكو وبيجين عن الطمع في هذه البقعة
ظاهر
الأمر تخوف أمريكي من امتداد للنفوذين الصيني والروسي للوصول إلى المجال الحيوي الأمريكي،
كما أعلن ترامب نفسه. فالجزيرة تنتمي جغرافيا لقارة أمريكا الشمالية التي تضم
الولايات المتحدة وكندا والمكسيك وعددا من جزر الكاريبي، وهناك حديث عن عوامل
اقتصادية وثروات معدنية في الجزيرة. لكن هذا التخوف ليس له محل من الإعراب في هذا
السياق، لأنه إذا افترضنا وجوده فإن القاعدة العسكرية الأمريكية في الجزيرة، فضلا
عن إطار التعاون العسكري بين الدنمارك والولايات المتحدة تحت مظلة حلف الناتو،
يسمح بخيارات عسكرية كثيرة تغل يد موسكو وبيجين عن الطمع في هذه البقعة.
ويبدو
أن الولايات المتحدة بهذه الخطوة تعيد تعريف ورسم حدود جوارها السياسي بشكل أكثر
خشونة من ذي قبل. فهي لم تعد تكتفي بالقواعد العسكرية والنفوذ الكبير داخل الدول،
وإنما تريد السيطرة الكاملة غير المشروطة. وفي هذا الإطار تظهر عملية اختطاف
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وكأنها ليست استثناء، وإنما أول الغيث الأمريكي
في التعامل مع دور الجوار السياسي. فغرينلاند ليست فنزويلا، فهي ليست في مجال
خصومة أو منافسة مع الولايات المتحدة؛ على العكس تماما، هي من أراضي حلفاء واشنطن.
فإذا كانت الولايات المتحدة تتصرف بهذه الطريقة مع الحلفاء، فكيف ستتعامل مستقبلا
مع الخصوم؟
إذا
مضت خطة الرئيس الأمريكي قدما، ويبدو أنها في طريقها للتطبيق بالفعل، فهي بهذه
الطريقة تتماشى مع منطق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تعامله مع الأزمة
الأوكرانية. غير أن بوتين كان قد قطع شوطا كبيرا في الحلول الدبلوماسية مع كييف
وشركائه الأوروبيين قبل إقدامه على غزو أوكرانيا، بخلاف ترامب الذي يريد القفز
فورا على الحل الأخير. وإذا ساد هذا المنطق في العلاقات الدولية الحديثة، سيعطي
هذا ذريعة للصين مستقبلا لضم تايوان. وبهذا يبدأ عهد جديد يصبح فيه الاستعمار
بشكله العسكري القديم أكثر تحضرا وإنسانية، إذ كانت تُستخدم أشكال غير مباشرة
تتعلق بالحماية والانتداب وليس الضم المباشر بالقوة لأراضي الحلفاء والأعداء.
الأخطر
من هذا هو أن هذه الخطوة قد تطلق الرصاصة ليس فقط على حلف الناتو الذي يعد
الاعتداء على أحد أعضائه اعتداء على سائر الأعضاء، ولكن على الأمن الأوروبي بشكل
كامل. فالأوروبيون يشعرون بالتهديد شرقا من جانب روسيا لدرجة الاستعدادات لاحتمال
الحرب ببناء الملاجئ، وقد أخذت الولايات المتحدة على عاتقها مسألة الأمن الأوروبي
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبدلا من التعامل مع التهديد الشرقي في
أوروبا
تصنع بيدها تهديدا غربيا.
x.com/HanyBeshr