مجلس السلام مهزلة بشعة للتطهير العرقي

نزار السهلي
"السلام في عالم ترامب، أو مجلسه المزعوم، سلعة فاخرة تباع بدافع التباهي"- البيت الأبيض
"السلام في عالم ترامب، أو مجلسه المزعوم، سلعة فاخرة تباع بدافع التباهي"- البيت الأبيض
شارك الخبر
تحليل ورشة الإمبراطورية التي أسسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لغزة، تحت اسم "مجلس السلام"، هي الكذبة الصارخة التي توحي بتحكم أمريكا بالعالم، وربما بالتوافق الهش على السيطرة عليه. ما يصف واقع هذه الورشة ليس أكثر من اجتماع لمجلس إدارة شركة بقيادة ترامب لتصفية غزة، وخصخصة معاناتها بمخطط بيروقراطي لإدارة احتلال دائم، وضعه مهندسو الحرب ومجرمو الإبادة أنفسهم، أعضاء المجلس البارزون في الفساد وجرائم الحرب مثل: ترامب وجاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير الذي لا تزال يداه ملطختين بدماء العراقيين، ومجموعة متغيرة من المليارديرات والمصرفيين. لكن اللافت هنا غياب الضحايا أنفسهم (الفلسطينيين)، الذين يدعي مجلس السلام العمل لأجلهم ولأجل مستقبلهم، وقبول أطراف عربية وإقليمية على هذا الاستبعاد، بالتوقيع على ميثاق المجلس المخصص لإدارة بؤس الضحايا، وتجاهل محاسبة مجرمي الحرب ومرتكبي الإبادة الجماعية.

فعندما يُحجز مقعد بارز في مجلس السلام المزعوم، لمجرم حرب ومطلوب للعدالة الدولية مثل بنيامين نتنياهو، فأنت لست بحاجة لتقديم دلائل وتحليلات حول مزاعم السلام. فالدور الذي لعبته الولايات المتحدة في محاولة فرض هذا المجلس يمثل انتهاكا لأبسط قواعد اللياقة السياسية والقانون الدولي الذي يشمئز منهما الرئيس ترامب، لإعادة تشكيل النظام الأمني الدولي على قاعدة قوة الغطرسة التي تتمتع بها الولايات المتحدة وذراعها الإسرائيلية في المنطقة. اعتُمد مجلس السلام وفق منظور ترامب بأن لديه جميع الحلول لمشاكل العالم وقدرته على إنهاء الحروب، وإشعالها باللجوء إلى الابتزاز والضغط والتهديد باللجوء لاستخدام القوة والسيطرة على بلدان أخرى وتغيير أنظمة الحكم وإسقاطها وضمها.

اعتُمد مجلس السلام وفق منظور ترامب بأن لديه جميع الحلول لمشاكل العالم وقدرته على إنهاء الحروب، وإشعالها باللجوء إلى الابتزاز والضغط والتهديد باللجوء لاستخدام القوة والسيطرة على بلدان أخرى وتغيير أنظمة الحكم وإسقاطها وضمها

تبنّى طيف واسع من الموقعين على مجلس السلام المنظور الترامبي للسلام، وينبع هذا الاعتقاد الساذج بقوة الإمبريالية الأمريكية من فهم خاطئ في الدور الذي لعبته إدارة ترامب في فرض وقف إطلاق النار في غزة، حسب ما اصطلح عليه في مبادرة الرئيس ترامب وبنودها العشرين في مؤتمر شرم الشيخ 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2025. في الحالتين تحفظ المبادرة ومجلس السلام المصلحة العليا الإسرائيلية، وتتجاهل عن قصد مبدأ الاحتكام للشرعية الدولية والقانون الدولي والأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، والأهم التجاهل الأمريكي المقصود في مجلس السلام لذكر مصطلح الشعب الفلسطيني أو الإشارة لدولته الموعودة على أرضه، ناهيك عن استخدام تفصيل له دلالة في ثمن الانضمام لمجلس السلام المزعوم مقابل مساهمة تقدر بمليار دولار لمن يريد حجز مقعد في هذا المجلس، من دون تحديد علاقة الضحايا الفلسطينيين بالانتفاع من هذه المبالغ للتعافي من جرائم الإبادة الإسرائيلية.

السلام في عالم ترامب، أو مجلسه المزعوم، سلعة "فاخرة" تباع بدافع التباهي من قبل شخص مريض بغروره ونرجسيته واستبداده، ويشتريها حكام مستبدون وطموحون بالحفاظ على موقع الدونية في محاولة متجددة لكسب حسن ظن الإمبريالية الأمريكية بهم، وبالتسابق لحجز مقعد في مجلس السلام والاستثمار في عقود مستقبلية لإرضاء غرور زعيم البيت الأبيض الساعي نحو كسب النفوذ العالمي ضمن آلية تبقيه في قلب سردية "عقد الصفقات" حتى بعد مغادرته البيت الأبيض، فالرجل لا يهتم لا بالمؤسسات الدولية ولا بأي قانون، بل بإقطاعية تحمل علامته التجارية.

يُطرح السؤال الغليظ: كيف يبدو مشهد السلام الذي من المفترض أنه دُشن في شرم الشيخ في تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي، وصولا لتشكيل مجلس السلام الذي يشرف عليه ترامب، والتوقيع على ميثاقه في دافوس الأسبوع الماضي؟ إن ما يسمى وقف إطلاق النار أو وقف الحرب بتسمية ترامب، حتى الآن هو مجرد مهزلة منذ بدء العمل بوقف إطلاق النار في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2025، انتهكت إسرائيل اتفاقية الانسحاب بموجب بنودها ما يقارب 1300 مرة، ويُقتل في المتوسط ثمانية فلسطينيين يوميا. وتواصل إسرائيل حصار المساعدات، فلا تدخل سوى نسبة ضئيلة من الشاحنات اللازمة، كما منعت منظمات الإغاثة الدولية الكبرى من العمل، وهي تهدم الأحياء وتُغيّر خطوط الانسحاب حسب رغبتها، ويتجمد الأطفال حتى الموت في الوحل وتحت خيام متطايرة.

"مجلس سلام" يستبعد الضحايا ويدعو المتنافسين لاجترار شعار "وقف إطلاق النار"، بينما يستمر القصف والتجويع والحصار وجرائم نسف البيوت ونبش المقابر وتجريفها والتمثيل بجثث الضحايا للبحث عن رفاة آخر أسير إسرائيلي في غزة

في خضم هذا الوضع، تتعرض مدن الضفة المحتلة مع مدينة القدس لأشرس عدوان إسرائيلي ولأعنف التوغلات منذ عقود، فعصابات المستوطنين بتشجيع من حكومة نتنياهو "عضو مجلس السلام" وبحماية جيش الاحتلال ترتكب مذابح دون رادع، وتهجر قرى بكاملها عرقيا، وتهدم أحياء وتهجر سكانها، وتعلن حكومة نتنياهو عن خطط لبناء آلاف المستوطنات الجديدة في تحد للقوانين الدولية، لكن تسريع وتيرة الاستيطان وفرض نظام الفصل العنصري على السكان الفلسطينيين بموازاة تدمير ومحو غزة؛ هو أمرٌ منسق تماما، فبينما يشتت مجلس السلام الانتباه عن جرائم ارتكبت وأخرى تستمر، تستولي إسرائيل على الضفة الغربية نهائيا، والهدف واضح: تحويل غزة لكارثة إنسانية محتلة بشكل دائم، وتقطيع أوصال الضفة، وضمها، مع محو أي احتمال لإقامة دولة فلسطينية من الخريطة، بينما يتولى مجلس إدارة ترامب للسلام الجوانب الإعلامية لتحقيق الربح والفائدة من التداعيات الخطيرة.

إذا، هذه هي الحقيقة، "مجلس سلام" يستبعد الضحايا ويدعو المتنافسين لاجترار شعار "وقف إطلاق النار"، بينما يستمر القصف والتجويع والحصار وجرائم نسف البيوت ونبش المقابر وتجريفها والتمثيل بجثث الضحايا للبحث عن رفاة آخر أسير إسرائيلي في غزة، كل ذلك تحت بصر القوى الدولية التي هندست الدمار الذي يقدم المثال الصارخ على المنطق الإمبريالي في تحويل شعبٍ إلى ركام. والحقيقة المخزية أيضا أن تكون شخصية ترامب المغرور المتنمر والمتغطرس وحامي جرائم الإبادة، جديرة بإعجاب مستبدين عرب يدركون في قراره أنفسهم أن الانخراط في هذا السيرك يؤدي للتطهير العرقي للفلسطينيين في أرضهم ولتطبيق نظام الفصل العنصري، في المقابل يدفع سلوك ترامب الإمبريالي "شركاء" أمريكا التقليديين إلى التململ والتحلي ببعض الشجاعة للتصدي لسياسته المهيمنة والمهددة لكياناتها وللقانون والسلم الدولي، وبعضهم وجد في مجلس يدعي السلام مهزلة بشعة يجب التصدي لها.

x.com/nizar_sahli
التعليقات (0)