لم يجد عضو البرلمان الفرنسي أرنو لوغال، عن حزب فرنسا الأبية، ردا على مطالبة
وزير خارجية بلاده جان نويل بارو، بإقالة فرانشيسكا ألبانيزي من منصب المقررة
الخاصة للأمم المتحدة في الأراضي
الفلسطينية المحتلة، إلا بوصفها دعما لسردية أكاذيب
إسرائيلية، احتجاجا على جملة لم تنطق بها ألبانيزي، لذلك لم يكن غريبا استغلال
أنصار إسرائيل في فرنسا الفرصة للتحريف والتزوير واستحضار سلاح "معاداة
السامية" بوجه المقررة الأممية، التي شكلت مواقفها ووثائقها وتقاريرها إدانة
واضحة للاحتلال ومستندا قانونيا، يجرّم إسرائيل وقادتها أمام المحاكم الدولية بتهم
ارتكاب جرائم حرب وتنفيذ سياسة فصل عنصري في الأراضي المحتلة، وعلى الفور انضمت
ألمانيا عبر وزير خارجيتها للتعبير عن غضبٍ مماثل من تصريحات ألبانيزي وطالبت
باستقالتها.
موجة الغضب الفرنسي- الألماني من المقررة الأممية ليست بسبب عبارات لم
تقلها عن إسرائيل في منتدى الجزيرة بالدوحة، بل لما أوردته في كل تقاريرها
ومواقفها وشهادتها عن السلوك الاستعماري لإسرائيل على الفلسطينيين، والتي كان لها
الفضل الكبير في تقديم مرافعات قانونية بهذا الشأن أمام المحكمة الجنائية الدولية
ومحكمة العدل الدولية، وجرأتها المستمرة بفضح السياسة الاستعمارية لإسرائيل،
ومطالبتها الدول الأوروبية باتخاذ موقف موحد منها، بفرض العقوبات على دولة
الاحتلال بعد جرائم الإبادة والتطهير العرقي التي ارتكبتها في غزة.. كل ذلك جعلها
في دائرة الاستهداف والعقوبات الأمريكية، والمطالبة الفرنسية الألمانية بإقالتها تصب
بالجهد الأمريكي والمسعى الإسرائيلي للإفلات من العقاب.
فبدل الانصياع الغربي لشرعة حقوق الإنسان والقانون الدولي، واحترام مؤسساته
وقراراته، وتطبيق توصيات اللجان المنبثقة عنهما وعن المحاكم الدولية بعدم جواز
التساهل مع جرائم الحرب والإبادة والتطهير العرقي في فلسطين، تلجأ فرنسا وألمانيا إلى
السير على السكة الترامبية في ترهيب وتهديد المنظمات الدولية وكياناتها وأفرادها،
وتنخرطان مجددا بشد عصب النفاق وازدواجية المعايير. فحديث السيدة فرانشيسكا ألبانيزي
يشير بالضبط لهذا العصب الفاشي الذي أوردته في كلمتها أمام منتدى الجزيرة، عن
النظام الرأسمالي الذي يجمع بين المال والسلاح والخوارزميات بصفته "عدوا
للبشرية"، والعبارة الأخيرة التي أيقظت ذرائع السياسة الفرنسية للوقوف بحزم إلى
جانب إسرائيل، بغض النظر عن كل الجرائم المرتكبة.
كان الاعتقاد أن الترهيب الأمريكي للمنظمات الدولية حالة ترامبية وقحة
بازدراء القانون الدولي ومنظماته، لكن اتضح أن استخدام النهج الترامبي بالتعامل مع
المقررة الأممية ألبانيزي أسقط قناع نظام بُني على النفاق والتسويات، والصمت عن
جرائم الحرب والإبادة، وقمع أي صوت احتجاجي إذا كان الأمر متعلقا بإسرائيل
وسياساتها، فيصبح الولاء مطلقا للإرهاب الإسرائيلي بالاعتماد على وسائل إعلام عامة
ودعائية لإبقاء الوهم مسيطرا على شوارع ومجتمعات ترنحت خلال عامي الإبادة من
السردية الصهيونية.
التحشيد ضد ألبانيزي أسبابه وخلفياته واضحة، مثلما اتضحت جهود الحكومة
الإسرائيلية بتجريم ومنع عمل المؤسسات الدولية في الأراضي المحتلة، والتحريض على
الأمين العام أنطونيو غوتيرش باعتباره شخصا غير مرغوب فيه، ولم يشكل سابقة
خطيرة، على اعتبار أن سجل
الإرهاب الإسرائيلي طافح بالتحريض على أمناء عامين
سابقين، واغتيال مندوبين للمنظمة الدولية وترهيب آخرين، وعدم الامتثال لأي قرار
دولي، وصولا إلى تجريم نشطاء ومنع مؤسسات دولية وقانونية وإعلامية وطبية وإغاثة من
العمل على الأرض؛ لافتضاح السياسات الاستعمارية على الشعب الفلسطيني، وتلك مواقف
تتماشى تماما مع سياسة أمريكية لها نفس المسعى كما أوضح الرئيس ترامب.
الموقف الفرنسي الألماني من ألبانيزي مخزٍ بكل المقاييس، ومحاولة لطمس
الحقائق التي تسلح بها الفلسطينيون لتكون رافعة سياسية وقانونية وأخلاقية ليدافعوا
بها عن أنفسهم، أمام الإرهاب الإسرائيلي الذي يجتاح كل فلسطين. ففي وثائق المقررة
الأممية ما يكفي لأن يتخذ العالم مواقف تلجم هذا الإرهاب، من فرض العقوبات وتقديم
قادة الاحتلال إلى المحاكم الدولية، وتجريم الاستيطان والمستوطنين، إلى قطع
العلاقات مع دولة الاحتلال، ووقف إمدادها بوسائل استمرار تنفيذ جريمة التطهير
العرقي وفرض نظام الأبارتايد على الأرض.
فالتشدق الغربي بدعم السلام في المنطقة دون ربطه بإلزام إسرائيل إنهاء
احتلالها وتنفيذ القرارات الدولية وتفكيك بؤر الاستعمار، لا يستقيم بفضل هذا
النفاق والتخندق في صف المستعمر، والصمت عن جرائم قمع المنظمات الدولية وكياناتها
وأفرادها، لا بل والمشاركة بهذا التجريم، فإذا كانت ألبانيزي، مثلا، في كل مرافعاتها
وطريقة عملها تزعج العقل الغربي والأمريكي، وتقض مضاجع المجرمين، أليس من المفترض
بدل البحث في نصوص التصريحات الإعلامية، وتجريم من ينتقد سلوك المجرم، وتفتيش صدور
المعادين لجرائم الحرب واتهامهم بدعم الإرهاب، معاقبة دولة الإرهاب والإبادة
الجماعية، وتجريم مرتكبيها، إنصافا لأكثر من ربع مليون ضحية بين شهيد وجريح، ولدعم
حياة مليوني غزواي تحولت حياتهم لجحيم حقيقي؟ أليس من المفروض اتخاذ مواقف من
إرهاب المستوطنين المدعومين من دولة تقوم بتسليحهم وحمايتهم، وترسم لهم طرائق
تنفيذ عمليات الإرهاب ضد المدنيين؟
لن ننتظر الإجابة عن فرضيات، إذا أخذنا الانتصار القضائي الذي انتزعته حركة
"فلسطين أكشن" من براثن القضاء البريطاني، بعد قرار تجريمها بـ"الإرهاب
" وملاحقة واعتقال مناصريها، لاحتجاجهم على شركات توريد السلاح لإسرائيل
لتسهيل ارتكاب واستمرار الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، فهذه البراءة فضيحة
للمتواطئين مع الجرائم الإسرائيلية، كما هي فضيحة ترهيب المقررة الأممية فرانسيشكا
ألبانيزي.
أخيرا، من الواضح أن جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل -وما
تزال- ضد الشعب الفلسطيني، ستخلد في الذاكرة كإحدى جرائم العصر الحديث، ومن
يواجهها ويفضحها سيبقى نموذجا فريدا للشجاعة. وفرانشيسكا البانيزي واحدة من هذه
النماذج في عالم اليوم الذي ستنتصر فيه على الترهيب والضغط، لأن تحريف الانتباه عن
شعب يتعرض للإبادة وأرض تتعرض للسرقة والتهويد سيبقى أحد الجوانب المشؤومة للنفاق الغربي
لإرهاب إسرائيلي على أرض وشعب، وغض الطرف عنه بتشويه وتجريم من ينتقده ويطالب
بمعاقبة إسرائيل، يمثل استباحة للقانون الدولي وتحويله لمكان موحش لا يرحب
بالضحايا، وهو أمرٌ لن ينصاع إليه كثيرون في هذا العالم. وترهيب ألبانيزي في وقت
تتم فيه تبرئة حركة "فلسطين آكشن"، مع مظاهرات الملايين حول الأرض ضد
سياسة الاستعمار الصهيوني وضد قادته المجرمين، لن يكون استثناء في زمن تفكيك سردية
استعمارية، ودليل على أن العدالة ستنتصر يوما.
x.com/nizar_sahli