أوهام "أوسلو" في مواجهة واقع الضم والاستيطان

نبيل شيخي
"أصبح الهدف المعلن هو تحويل الضفة الغربية، ليس فقط واقعيا بل قانونيا، إلى "يهودا والسامرة"، وفرض وقائع على الأرض يستحيل معها أي حل سياسي مستقبلي"- الأناضول
"أصبح الهدف المعلن هو تحويل الضفة الغربية، ليس فقط واقعيا بل قانونيا، إلى "يهودا والسامرة"، وفرض وقائع على الأرض يستحيل معها أي حل سياسي مستقبلي"- الأناضول
شارك الخبر
لم يكن القرار الذي صادق عليه "الكابينيت" الإسرائيلي في الثامن من شباط/ فبراير 2026 مجرد إجراء إداري أو تعديل تقني في منظومة الإدارة المدنية في الضفة الغربية، بل شكّل في جوهره إعلانا سياسيا وقانونيا عن انتهاء صلاحية ما سُمي نظريا بالمرحلة الانتقالية التي دُشنت في تسعينيات القرن الماضي. إننا أمام لحظة يمكن وصفها بـ"الوفاة السريرية" لمسار أوسلو الذي حمل جذور فشله منذ اليوم الأول، حيث انتقلت دولة الاحتلال الآن من مرحلة المناورة بـ"الوضع المؤقت" إلى مرحلة التثبيت النهائي لـ"الضم الفعلي". فبمقتضى هذا القرار، الذي يمنح المستوطنين الضوء الأخضر لتملك الأراضي والعقارات في عمق التجمعات الفلسطينية المصنفة ضمن المنطقتين (أ) و(ب)، وتخويل أجهزة الاحتلال صلاحيات إنفاذ القانون بشكل مباشر في هذه المناطق، تكون تل أبيب قد أزالت عمليا آخر الحواجز النفسية والقانونية التي كانت تفصل بين مفهومي الاحتلال العسكري والسيادة المطلقة.

إن قراءة متأنية في حيثيات هذا التحول تكشف عن استراتيجية إسرائيلية ممنهجة لتفكيك البنية القانونية والسياسية التي كان من المفروض أن تستند إليها السلطة الوطنية الفلسطينية، وهي استراتيجية تسارعت وتيرتها بشكل جنوني منذ السابع من أكتوبر 2023. فالحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة لم تكن معزولة عن الضفة الغربية، بل اتخذتها حكومة اليمين المتطرف غطاء لتنفيذ أوسع عملية تغيير ديموغرافية وجغرافية منذ عام 1967. الأرقام هنا ذات دلالة واضحة، بل تنطق بحجم الكارثة؛ ففي عام 2024 وحده، صادرت سلطات الاحتلال ما يزيد عن 24 ألف دونم حسب تقرير للاتحاد الأوروبي (46 ألف حسب المصادر الفلسطينية) من أراضي الضفة الغربية وأعلنتها "أراضي دولة"،
هذا السعار في قضم الأرض لم يكن عشوائيا، بل استهدف مناطق استراتيجية في الأغوار وجنوب الخليل لقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني نهائيا
وهو رقم غير مسبوق يعادل تقريبا نصف ما تمت مصادرته طوال ثلاثة عقود منذ توقيع اتفاقيات أوسلو. هذا السعار في قضم الأرض لم يكن عشوائيا، بل استهدف مناطق استراتيجية في الأغوار وجنوب الخليل لقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني نهائيا.

وفي سياق متصل، شهدت وتيرة البناء الاستيطاني قفزة نوعية؛ إذ تشير التقارير الموثقة إلى المصادقة على مخططات لبناء أكثر من 12 ألف وحدة استيطانية جديدة في عام 2023، وهو الرقم الأعلى المسجل منذ عام 2012، تلاها الدفع بآلاف الوحدات الأخرى في العام التالي. الأخطر من ذلك هو "شرعنة" البؤر الاستيطانية التي كانت توصف إسرائيليا بـ"غير القانونية"، حيث تم الاعتراف بـما يقرب من 70 بؤرة رعوية وزراعية وتمتعت بتمويل حكومي مباشر لربطها بالبنية التحتية، مما حولها من نقاط معزولة إلى خناجر في خاصرة القرى الفلسطينية. هذه السياسة الممنهجة تهدف إلى خلق واقع استيطاني متصل يبتلع المجال الحيوي للفلسطينيين، ويحصرهم في "معازل" بشرية مفصولة عن بعضها البعض.

تترافق هذه الهندسة الجغرافية مع إرهاب منظم يمارسه المستوطنون تحت حماية الجيش. فمنذ طوفان الأقصى، وثقت المنظمات الحقوقية والدولية تهجير أكثر من 47 مجتمعا بدويا ورعويا فلسطينيا قسريا (39 مهجرا بالكامل و8 جزئيا)، خاصة في مناطق "مسافر يطا" والأغوار، تحت وطأة هجمات المستوطنين المسلحة التي تجاوزت 1400 اعتداء عنيف في عام واحد فقط، (موثقة من قبل مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة (OCHA) خلال عام 2024). نحن إذن أمام عملية تطهير عرقي صامتة لا تحتاج إلى شاحنات لترحيل السكان، بل تعتمد على جعل حياتهم جحيما لا يطاق عبر حرق المحاصيل، وتسميم الآبار، ومنع الرعاة من الوصول إلى مراعيهم، في تطبيق واضح لسياسة الأرض المحروقة.

إن السماح بشراء الأراضي في قلب المدن الفلسطينية اليوم تحت غطاء "السوق الحرة"، وإلغاء العمل بالقوانين الأردنية التي كانت تشكل سياجا حمائيا للمُلكيات الخاصة، ليس سوى استكمال لهذه اللوحة القاتمة. إنها هندسة تهدف إلى تفتيت النسيج المجتمعي الفلسطيني من الداخل، وزرع بؤر استيطانية في المراكز الحضرية الكبرى، مما يجعل فكرة الدولة المتصلة جغرافيا ضربا من الخيال السياسي المستحيل. وبهذا المعنى، يتم تحويل السلطة الفلسطينية من مشروع "نواة دولة" كما أوهمت بها الأدبيات السياسية للمرحلة السابقة، إلى مجرد وكالة خدماتية وظيفية، أو "بلدية كبرى" منزوعة الصلاحيات السيادية، ينحصر دورها في تدبير شؤون السكان المدنية من تعليم وصحة ورفع للنفايات، في حين تظل مفاتيح الأرض والموارد والسيادة بيد صاحب القرار الفعلي في تل أبيب، الذي نقل صلاحيات الإدارة المدنية من الجيش إلى وزير مدني (بتسلئيل سموتريتش)، في خطوة إدارية ذات دلالة سياسية خطيرة تؤكد الانتقال من الاحتلال العسكري المؤقت إلى الضم المدني الدائم.

تأتي، بطبيعة الحال، هذه الخطوات المتسارعة تتويجا لمسار طويل، لكن الفارق اليوم يكمن في الوقاحة القانونية التي يتسم بها اليمين الإسرائيلي الحاكم؛ إذ لم يعد بحاجة إلى التخفي وراء الذرائع الأمنية التقليدية لتبرير توسع الاستيطان. لقد أصبح الهدف المعلن هو تحويل الضفة الغربية، ليس فقط واقعيا بل قانونيا، إلى "يهودا والسامرة"، وفرض وقائع على الأرض يستحيل معها أي حل سياسي مستقبلي لا يتماشى مع الرؤية التوراتية. إن منح صلاحيات الإنفاذ المباشر في المناطق (أ) و(ب) يعني عمليا إلغاء الترتيبات الأمنية والسياسية التي منحت السلطة هامشا من الحركة، مما يجعل "رام الله" مكشوفة تماما أمام العربدة القانونية والأمنية الإسرائيلية، وينهي أي وهم بوجود سيادة فلسطينية ولو بشكلها الرمزي.

وفي المقابل، يبدو المشهد السياسي الفلسطيني الرسمي غارقا في حالة من الإنكار الغريب. فبينما تغير الجرافات والقرارات الإسرائيلية وجه الأرض، وتُقتطع آلاف الدونمات بجرة قلم، تكتفي السلطة في رام الله باجترار بيانات الشجب والإدانة بلغة خشبية لم تعد تقنع حتى صائغيها. هذا العجز عن إنتاج فعل سياسي موازٍ لحجم التحدي يطرح تساؤلات وجودية حول جدوى الاستمرار في التمسك بأدوات عمل أثبتت فشلها الذريع على مدى ثلاثة عقود. إن التناقض الصارخ بين واقع الاحتلال الذي يفرض سيطرته بالقوة ويشرعن الضم، وبين سلوك السلطة التي تتمسك بـالتنسيق الأمني واتفاقيات لم يعد الطرف الآخر يعترف بها إلا بقدر ما تخدم أمنه، يضع الحالة الفلسطينية أمام مأزق تاريخي؛ إذ كيف يمكن لسلطة أن تدعي تمثيل تطلعات شعبها في التحرر وهي مكبلة بقيود اتفاقيات تحولت إلى غطاء لشرعنة الضم؟ وكيف ترد على تهجير التجمعات البدوية ومصادرة الأراضي بمناشدات دولية لا تجد آذانا صاغية؟

إن خطورة اللحظة الراهنة لا تقتصر على خسارة الأرض فحسب، بل تمتد لتشمل مواصلة تكريس تآكل الشرعية السياسية للمؤسسات الفلسطينية. لقد قدمت العنجهية الإسرائيلية للسلطة الفلسطينية فرصة ذهبية -ربما تكون الأخيرة- لمغادرة مربع الانتظار السلبي، وإجراء مراجعة شاملة للعقيدة السياسية التي حكمت المرحلة الماضية. لم يعد خيار إدارة الأزمة متاحا في ظل هجمة استيطانية لا تبقي ولا تذر، وبات المطلوب هو اتخاذ قرارات مصيرية تتجاوز سقف تحسين شروط العيش تحت الاحتلال، نحو إعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني كحركة تحرر وطني، والتحلل من التزامات أوسلو التي باتت عبئا ثقيلا على كاهل القضية. وهو ما يستدعي بالضرورة إعادة بناء البيت الداخلي الفلسطيني على أسس نضالية جديدة تتناسب مع طبيعة الصراع الوجودي الذي تفرضه إسرائيل، ومواجهة سياسات التهجير والمصادرة بمقاومة شعبية شاملة تحمي الأرض والإنسان.

الرهان على التطبيع كمدخل لتهدئة السلوك الإسرائيلي أثبت عقمه، والواقع يؤكد أن إسرائيل ماضية في مشروعها دون اعتبار لأي شريك في المنطقة

وعلى المستوى الإقليمي، يلقي هذا التصعيد بظلاله القاتمة على الواقع العربي والإسلامي. فسياسة الأمر الواقع التي تنهجها إسرائيل في القدس والضفة، واستباحتها للدماء والأرض في غزة، تضع النظام الرسمي العربي أمام مسؤولياته التاريخية والأخلاقية. لم تعد لغة الدبلوماسية الناعمة وبيانات القلق مجدية أمام كيان لا يفهم إلا لغة القوة والمصالح، ويمضي في مخططاته غير عابئ بالقانون الدولي. إن الصمت المطبق، أو الاكتفاء بردود الفعل الباهتة تجاه مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي في عام واحد، يفسره الاحتلال ضوءا أخضر للمضي قدما في مشروعه الاستيطاني. لذا، فإن الدول العربية، شعوبا وأنظمة، مطالبة اليوم بمغادرة مربع التردد، وتفعيل أوراق ضغط حقيقية وملموسة -اقتصادية وسياسية- لوقف هذا النزيف. إن الرهان على التطبيع كمدخل لتهدئة السلوك الإسرائيلي أثبت عقمه، والواقع يؤكد أن إسرائيل ماضية في مشروعها دون اعتبار لأي شريك في المنطقة.

ختاما، يمكن القول إن قرار الثامن من شباط/ فبراير 2026 قد أسقط آخر أوراق التوت عن وهم السلام ومسار التسوية المزعوم، وكشف الوجه الحقيقي لمشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يجري تنفيذه بصمت وضجيج في آن واحد. نحن أمام مرحلة جديدة تتسم بالوضوح الفج: صراع مفتوح على الوجود والهوية والأرض، لا مكان فيه للمناطق الرمادية أو الحلول الوسط. وأمام هذا الواقع، لم يعد أمام الفلسطينيين سوى العودة إلى المربع الأول، مربع الوحدة الوطنية والصمود والالتحام بين مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، لفرض معادلات جديدة تجبر الاحتلال على التراجع، قبل أن يتحول الضم إلى حقيقة نهائية لا تنفع معها أي محاولات للاستدراك. إنها لحظة الحقيقة التي تتطلب شجاعة القرار ووضوح الرؤية، بعيدا عن أوهام وسراب أوسلو الذي تبدد نهائيا تحت جنازير الجرافات وقرارات المصادرة.
التعليقات (0)