تكتسب
عملية إعادة فتح
معبر رفح أهمية سياسية كبيرة، بجانب ما تشكله من ضرورة إنسانية
واجتماعية مُلحّة لأهل
غزة، حيث تتقاطع في ذات الخطوة المتحققة، متطلبات الإغاثة
العاجلة، والحاجة للسفر، مع صراع عميق على مستقبل غزة وسكانها. فالمعبر، الذي يشكل
المنفذ الوحيد غير الخاضع لسيطرة
الاحتلال الاسرائيلي المباشرة، تحول إلى ساحة
اختبار حقيقية لحدود قوة جميع الأطراف.
منذ
الإعلان عن إعادة فتحه، لم يُخفِ الاحتلال الإسرائيلي سعيه الحثيث لتفريغ الخطوة
من مضمونها السياسي، واعتبارها شأنا إنسانيا خالصا، لا حق سياديا للشعب المحاصر،
عبر فرض ترتيبات أمنية مقيدة، والتدخل في آليات العمل، ومحاولة ربط المعبر
باعتبارات تخدم أجندته العسكرية، علما بأن هذا السلوك يتناقض بشكل صارخ مع قواعد
القانون الدولي الإنساني، إذ تنص المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة على حظر
العقاب الجماعي، كما تؤكد المادة (55) على التزام قوة الاحتلال بضمان الإمدادات
الغذائية والطبية للسكان المدنيين، لا استخدام المساعدات كأداة ابتزاز سياسي.
في هذا
السياق، يندرج تعامل الاحتلال الإسرائيلي مع معبر رفح ضمن استراتيجية أوسع تهدف
إلى إبقاء غزة في حالة انهيار دائم، بما يعزز ما وصفه الأمين العام للأمم المتحدة
أنطونيو غوتيريش بأنه "خلق ظروف معيشية لا تُطاق تدفع المدنيين قسرا إلى
النزوح"، بمعنى إبقاء خيار التهجير قائما، وهو توصيف يتطابق قانونيا مع مفهوم
التهجير القسري المحظور بموجب المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة، والتي تحظر
النقل القسري الجماعي أو الفردي للسكان تحت أي ذريعة.
يعكس هذا الموقف فهما مصريا عميقا لطبيعة الصراع، حيث لا يُنظر إلى إعادة فتح المعبر كإجراء إغاثي مؤقت، بل كجزء من معركة سياسية لمنع تصفية القضية الفلسطينية عبر أدوات إنسانية مضللة. وهو ما ينسجم مع الموقف العربي والإسلامي
في المقابل،
برز الموقف
المصري بوصفه عامل كبح رئيس أمام هذه المساعي. فقد أكدت القاهرة، في
أكثر من مناسبة رسمية، رفضها القاطع لأي ترتيبات تمس بالسيادة
الفلسطينية على
المعبر أو توظفه كمدخل لتهجير السكان. وشددت مصر على أن معبر رفح "ممر
فلسطيني مصري"، وأن أي محاولة لفرض وقائع أمنية أو سياسية من جانب واحد تمثل
تجاوزا غير مقبول، ليس فقط للحقوق الفلسطينية، بل لمحددات الأمن القومي المصري
ذاته. وقد نجحت مصر في اعتماد فتحه في الاتجاهين ذهابا وايابا، كاسرة أحد أهم
لاءات نتنياهو بهذا الصدد.
ويعكس هذا
الموقف فهما مصريا عميقا لطبيعة الصراع، حيث لا يُنظر إلى إعادة فتح المعبر كإجراء
إغاثي مؤقت، بل كجزء من معركة سياسية لمنع تصفية القضية الفلسطينية عبر أدوات
إنسانية مضللة. وهو ما ينسجم مع الموقف العربي والإسلامي المعلن من قبل اللجنة
الضامنة والوسطاء الذين شددوا، في أكثر من بيان رسمي، على أن "أي حل لا يضمن
بقاء الفلسطينيين على أرضهم هو حل مرفوض وغير قابل للحياة".
إن
محاولات الاحتلال الإسرائيلي تفريغ خطوة إعادة فتح معبر رفح من مضمونها الحقيقي،
عبر جعله فتحا هشا ومشروطا ومؤقتا، وما وثقته الشهادات القادمين لغزة من اعتداءات
وتحقيق وتهديد، يخدم رؤية الاحتلال الإسرائيلي القائمة على إدارة الأزمة بدل حلها،
وعلى دفع السكان نحو خيار الخروج لا العودة، باعتباره الخلاص الوحيد. أما تثبيت
المعبر كمنفذ سيادي، ومنظم، ومستدام، فيمثل خطوة مركزية في إفشال مشروع التهجير،
وتهيئة بيئة تسمح بإعادة الإعمار وبقاء المجتمع الفلسطيني متجذرا في أرضه.
وعليه،
فإن معركة معبر رفح تتجاوز الجدل الإجرائي حول ساعات الفتح وآليات العبور، لتصبح
معركة سياسية وقانونية حول الحق في الأرض، ورفض تحويل المعاناة الإنسانية إلى أداة
لإعادة رسم الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية، وهي معركة يدرك الفلسطيني كما
تدرك الجارة مصر خطورتها، وتتعامل معها باعتبارها خطا أحمر وتهديد مباشر لأمنها
واستقرارها.