"مجلس السلام لغزة".. وصاية جديدة بغطاء قانوني زائف: رأي قانوني

عبد اللطيف خضر
"لا تملك قوة الاحتلال أي حق في تغيير البنية السياسية أو الإدارية للإقليم المحتل"- الأناضول
"لا تملك قوة الاحتلال أي حق في تغيير البنية السياسية أو الإدارية للإقليم المحتل"- الأناضول
شارك الخبر
يثير الحديث المتزايد عن إنشاء ما يُسمّى بـ"مجلس السلام لغزة" جملة من التساؤلات القانونية والسياسية الخطيرة، ليس فقط حول مشروعية هذا الطرح، بل حول ما يمثّله من محاولة لإعادة إنتاج أنماط قديمة من الوصاية والاستعمار، في تعارض صارخ مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

فالقانون الدولي المعاصر يقوم على مبدأ أساسي لا يقبل الانتقاص، هو حق الشعوب في تقرير مصيرها. وهذا الحق، الذي كرّسه ميثاق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان لحقوق الإنسان، لا يمنح أي طرف خارجي صلاحية تقرير مستقبل شعب واقع تحت الاحتلال أو فرض ترتيبات سياسية أو إدارية عليه من دون إرادته الحرة. وعليه، فإن أي مبادرة لإنشاء هيئة لإدارة قطاع غزة خارج إطار الإرادة الشعبية الفلسطينية وممثليها الشرعيين، لا يمكن توصيفها إلا باعتبارها انتهاكا مباشرا لحق تقرير المصير، ومحاولة لإحياء مفهوم الوصاية الدولية بثوب جديد.

إنشاء "مجلس سلام" في هذا السياق لا يمثّل خطوة نحو الاستقرار، بل محاولة لإضفاء شرعية شكلية على واقع فرضته القوة المسلحة

ولا يقف الخلل القانوني عند هذا الحد، بل يمتد إلى مبدأ راسخ آخر في القانون الدولي، هو عدم جواز اكتساب الإقليم بالقوة. فقطاع غزة (كما الضفة الغربية بما فيها القدس)، وفقا لميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، يُعد جزءا لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة. ومن ثمّ، فإن أي ترتيب سياسي أو إداري يُفرض في ظل العدوان العسكري أو كنتيجة مباشرة له يُعد باطلا من الناحية القانونية، ولا يُنشئ أي آثار مشروعة. إن إنشاء "مجلس سلام" في هذا السياق لا يمثّل خطوة نحو الاستقرار، بل محاولة لإضفاء شرعية شكلية على واقع فرضته القوة المسلحة، في انتهاك واضح لقواعد آمرة في القانون الدولي.

كما يتجاهل هذا الطرح عمدا قواعد قانون الاحتلال الحربي (وبشكل خاص معادة لاهاي لعام 1907، اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949)، التي تنظّم بدقة ما يجوز وما لا يجوز لدولة الاحتلال القيام به في الأراضي الخاضعة لسيطرتها. فوفق اتفاقية جنيف الرابعة ولوائح لاهاي، لا تملك قوة الاحتلال أي حق في تغيير البنية السياسية أو الإدارية للإقليم المحتل، ويقتصر دورها على إدارة مؤقتة تهدف إلى حماية السكان المدنيين وتلبية احتياجاتهم الأساسية. وبناء على ذلك، فإن أي مجلس أو إدارة تُنشأ أو تُفرض بإشراف قوة أجنبية، أو لخدمة أهداف أمنية أو سياسية لدولة الاحتلال أو داعميها، تُشكّل خرقا جسيما لقانون الاحتلال، وترقى إلى مستوى الضم غير المباشر أو الاستعمار المقنّع.

التعامل مع غزة ككيان منفصل يخدم سياسة فرض الأمر الواقع التي طالما انتهجها الاحتلال، ويُقوّض أي أفق حقيقي لحل عادل وشامل

الأخطر من ذلك أن مقترح "مجلس السلام لغزة" يتجاوز منظومة الأمم المتحدة واختصاصاتها، ويفتح الباب أمام حلول أحادية تُفرض خارج إطار الشرعية الدولية. فإدارة النزاعات الدولية والترتيبات الانتقالية ليست شأنا خاصا للدول القوية، بل تخضع لاختصاص مجلس الأمن، وتستوجب موافقة الشعب المعني. إن القفز على هذا الإطار لا يُضعف فقط حقوق الشعب الفلسطيني، بل يُقوّض ما تبقّى من النظام الدولي القائم على القانون.

إضافة إلى ذلك، فإن حصر هذا الطرح بقطاع غزة وحده يُسهم في تكريس فصل سياسي وإداري مصطنع بين غزة والضفة الغربية، رغم أن القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة تؤكد أن الأراضي الفلسطينية وحدة إقليمية واحدة لا تتجزأ. إن التعامل مع غزة ككيان منفصل يخدم سياسة فرض الأمر الواقع التي طالما انتهجها الاحتلال، ويُقوّض أي أفق حقيقي لحل عادل وشامل.

في المحصلة، فإن ما يُسمّى بـ "مجلس السلام لغزة" لا يُمثّل مبادرة سلام بقدر ما يُجسّد محاولة لشرعنة الاحتلال وإدارته بوسائل جديدة، فهو يفتقر إلى أي أساس قانوني دولي، ويتعارض مع حق تقرير المصير، ومبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة، وقواعد قانون الاحتلال، واختصاصات الأمم المتحدة، ووحدة الأرض الفلسطينية. ومن ثمّ، فإن التعامل مع هذا الطرح بوصفه حلا واقعيا لا يُعد سوى قبولٍ بوصاية جديدة تُفرض على الشعب الفلسطيني تحت غطاء إنساني أو أمني.
التعليقات (0)