المشهد
اليوم هو ذاته منذ أكثر من سنتين، سوى اختلاف في لغة الأرقام للضحايا والشهداء، وتنوع
جغرافية الحدث، وتفاوت حدة التصعيد. فالحصار
لا زال متواصلا، والاغتيالات لرموز المقاومة لم تتوقف، ونسف البيوت حتى ضمن الخط
الأصفر مستمرا، وعدم إدخال المساعدات -خاصة الطبية منها- لا زال يفتك بآلاف المرضى
والجرحى من المدنيين، وقسوة الطبيعة بأمطارها الغزيرة ورياحها العاتية وبردها
القارس تحصد حياة الأطفال والكبار، الذين يلتحفون أغطية أغرقتها المياه، ويلوذون بخيام
متهالكة وممزقة، وأسر أعياها المرض وتفشي الأوبئة، وقصف يومي بالمسيرات وقذائف
الدبابات، إلى أن تطوّر إلى استخدام صواريخ طائرات "اف 16"، والتي أودت
بحياة العشرات من الشهداء والجرحى في حصيلة آخر عدوان تشنه الطائرات الإسرائيلية
على أنحاء واسعة من القطاع.
كل
ذلك وسط أصواتٍ لا تزال خجولة من المجتمع الدولي تطالب بوقف انتهاكات جيش
الاحتلال
لخطة
ترامب التي يتنازعها الموت البطيء، ووسط تخاذلٍ وصمتٍ عربي وإسلامي لا زال
سيد الموقف منذ السابع من أكتوبر وحربٍ مستمرة لكن بوتائر أخفض؛ لتجنب إدانات هذا
المجتمع الدولي الذي أدار الظهر لأنبل قضية في التاريخ، وتعامى عن نتائج أشرس حرب
إبادة يشنها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني،
إن في إقدام جيش الاحتلال وحكومة نتنياهو على متابعة سيناريو حربهم المجنونة والفاشية على الشعب الفلسطيني؛ ما يشير إلى فشلهم الذريع حتى اللحظة في تحقيق أهداف حربهم المعلنة وتحديهم للمجتمع الدولي، وتجاهل مناشدات المنظمات الإنسانية بوقف المجازر
هذا المجتمع الدولي الذي أمعن في
صمته فيدمّر الاحتلال ثانية المُدمّر من المباني، ويقصف ثانية المقصوف منها، ويُراكم
مرة أخرى فوق الركامِ ركاما جديدا، ويزيد معاناة المدنيين بأشكالٍ جديدة من
المعاناة. كل ذلك والعناوين ذاتها: التهجير القسري، وإعلان استسلام المقاومة بنزع
سلاحها، والادعاء بأن المقاومة استعادت قدراتها، وأن هناك تهديدا أمنيا لجنود
الاحتلال، وكذلك العنوان الأبرز الحيلولة دون وجود ما يهدد وجودها وأمنها؛ والإشارة
هنا إلى اجتثاث الشعب الفلسطيني من وطنه وأرضه.
والسؤال
هنا: هل المشهد اليوم هو ترجمة لما اتُفق عليه بين
نتنياهو وترامب لإبقاء خطة هذا
الأخير حبرا على ورق، وإبقاء "مجلس
السلام" جسما ميتا حتى اللحظة؟ إن في
إقدام جيش الاحتلال وحكومة نتنياهو على متابعة سيناريو حربهم المجنونة والفاشية
على الشعب الفلسطيني؛ ما يشير إلى فشلهم الذريع حتى اللحظة في تحقيق أهداف حربهم
المعلنة وتحديهم للمجتمع الدولي، وتجاهل مناشدات المنظمات الإنسانية بوقف المجازر؛
فالشعب الفلسطيني لا زال متمسكا بأرضه بثباته وصموده الأسطوري ورفضه التهجير،
والمقاومة لا زالت قابضة على سلاحها كالقابض على الجمر، برغم كل التهديدات
والاغتيالات واستهدافات المدنيين، والمقاومة لا زالت، بحسب زعمهم، تتحكم بمقاليد
الأمور في قطاع
غزة؛ برغم إعلانها المتكرر قبولها تسليم إدارة وسلطة غزة إلى
اللجنة الوطنية الفلسطينية.
هناك
حقيقة لا تخفى على أحد؛ إذ دأب جيش الاحتلال على تسويق بعض المبررات لاستمرار هذا
السيناريو من المجازر؛ مفادها أن هناك مقاتلين خرجوا من الأنفاق، وآخرون شكلوا
تهديدا مباشرا لأمن جنوده، وهذا بدوره - إذا كان صحيحا- فإنه يعني رفض المقاومين
الاستسلام والخضوع لشروط العدو، ويؤكد حقيقة ساطعة، أن المقاومة لا زالت تحاول
استعادة قدراتها، وتحتفظ بقوة المواجهة والمناورة، برغم الظروف الميدانية الصعبة.
إن
استمرار ارتكاب المجازر، وكل أشكال الإبادة التي لم تتوقف حتى اللحظة يضع المقاومة
أمام خيارات صعبة بين التزامها بوقف إطلاق النار من طرفٍ واحد تطبيقا لخطة ترامب، أو
الرد على هذه الانتهاكات التي تزداد وتائرها يوما بعد يوم؛ ما يعني العودة من جديد
لحرب الإبادة، وهذا ما يسعى إليه نتنياهو ورموز اليمين الديني المتطرف. حتى التوجه
إلى الوسطاء لأخذ دورهم، والضغط على نتنياهو وحكومته، بات أمرا عقيما ولا يجدي
نفعا أمام تعنت نتنياهو.
استمرار هذا السيناريو النتنياهوي يعني ضربا للمشروع الترامبي الاستراتيجي والاستثماري في المنطقة، وتجاهلا لدول "مجلس السلام" الضامنة، ودفنا لخطته
ويبقى التوجه إلى الرئيس ترامب الخيار الوحيد الذي يضع
ترامب ومجلس سلامه المزعوم أمام مسؤولياتهم، بالضغط على نتنياهو لوقف هذه
الاعتداءات والغارات الوحشية، التي أودت في آخر حصيلة لها بالأمس القريب بحياة أكثر
من 35 شهيدا وعشرات الجرحى، منهم 7 شهداء من أسرة واحدة في خيمة نازحين بمواصي خان
يونس، في تكذيبٍ لرواية متحدثٍ باسم الجيش الإسرائيلي أنه "هاجم مستودعا لوسائل
قتالية وموقعا لتصنيع السلاح، وبنى تحتية عسكرية لحماس في قطاع غزة".
هذا
الضغط لربما يدفع قادة الاحتلال للانتقال إلى المرحلة الثانية، وبدء انسحاب القوات
الإسرائيلية إلى الخطوط المتفق عليها في خطة ترامب، وفتح المعابر، وإدخال
المساعدات بالإعداد الوافرة، وبحسب البروتوكولات الإنسانية المتفق عليها، وتمكين
اللجنة الوطنية الفلسطينية، التي تحظى بدعم جميع الفصائل و"مجلس السلام"،
من دخول غزة، وأخذ دورها بإدارة القطاع، والبدء بمرحلة الإعمار، وعدم ربط هذه
المرحلة بنزع سلاح المقاومة بعد أن كان المبرر الذي يختبئ وراءه نتنياهو ويمرر
أجندته العدوانية؛ هو تسليم جثة آخر أسير إسرائيلي.
وغير
ذلك، فإن استمرار هذا السيناريو النتنياهوي يعني ضربا للمشروع الترامبي
الاستراتيجي والاستثماري في المنطقة، وتجاهلا لدول "مجلس السلام"
الضامنة، ودفنا لخطته، وأنه أيضا الرسالة القوية التي أرادها جيش الاحتلال لقوة
الاستقرار الدولية قبل وصولها؛ بأن هذا الجيش ماضٍ في تحقيق أهدافه، وإنفاذ نزع
سلاح المقاومة بالقوة، شاء "مجلس السلام" أم أبى؛ وإلا فإن ما قيل وما كُتب
وما صدر عن ترامب يبقى كلاما في الهواء.
وتستمر
غزة بالأنين ونزف دماء أبنائها يتواصل، بينما يستمر نتنياهو بعدوانه الفاشي، ويضع
المنطقة برمتها على فوهة بركان، وخطة ترامب بمرحلتها الثانية تنتظر من جديد.
[email protected]