أمم متحدة مخصخصة؟ لماذا يهدد "مجلس السلام" لترامب الحوكمة العالمية

ألطاف موتي
"إذا حل هذا المجلس محل الأمم المتحدة، فلن يصبح العالم أكثر سلاما"- البيت الأبيض
"إذا حل هذا المجلس محل الأمم المتحدة، فلن يصبح العالم أكثر سلاما"- البيت الأبيض
شارك الخبر
في الثاني والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2026، بدأ المشهد الدبلوماسي العالمي في التحول تحت وطأة مؤسسة جديدة ومثيرة للجدل. ما بدأ كمخطط لإعادة إعمار غزة، سرعان ما توسع بشكل مذهل؛ فخلال مؤتمر صحفي عُقد في البيت الأبيض في العشرين من كانون الثاني/ يناير، سُئل الرئيس دونالد ترامب عما إذا كان "مجلس السلام" الذي شكله حديثا يهدف إلى استبدال الأمم المتحدة، فجاء رده صريحا ومباشرا: "ربما". وأضاف أن الأمم المتحدة "لم تكن مفيدة للغاية"، وهو ما يعد إشارة فعلية إلى احتمال نهاية النظام العالمي متعدد الأطراف الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.

نادٍ عالمي "للدفع مقابل النفوذ"

أُطلِق "مجلس السلام" رسميا على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وتُشبه هيكليته شركات الأسهم الخاصة أكثر مما تشبه الهيئات الدبلوماسية. فوفقا للميثاق المتداول حاليا، يُطلب من الدول دفع مليار دولار نقدا لتأمين مقعد دائم، أما الدول التي لا تستطيع الدفع، فتقتصر عضويتها على فترات مدتها ثلاث سنوات، تظل خاضعة لموافقة رئيس المجلس.

هذا التوجه يخلق نظاما عالميا طبقيا يُباع فيه النفوذ لمن يدفع أكثر، ويرى النقاد أن هذا يحول بناء السلام إلى مخطط "دفع مقابل اللعب"

هذا التوجه يخلق نظاما عالميا طبقيا يُباع فيه النفوذ لمن يدفع أكثر، ويرى النقاد أن هذا يحول بناء السلام إلى مخطط "دفع مقابل اللعب"، مما يسمح للدول الغنية بشراء الشرعية بينما تهمش الدول الفقيرة. وقد قادت فرنسا بالفعل جوقة متصاعدة من المعارضة؛ حيث صرح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بأن فرنسا تدعم السلام في غزة، لكنها لن تنضم إلى منظمة صُممت خصيصا لتحل محل الأمم المتحدة.

الميثاق الإمبراطوري: "رئيس مدى الحياة"

إن الجانب الأكثر إثارة للقلق في هذه المنظمة هو نظام حوكمتها. فعلى عكس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث يتم توزيع السلطة بين عدة أعضاء دائمين، يركز "مجلس السلام" كل السلطات في يد فرد واحد، ويسمي الميثاق الرئيس ترامب كمرجع أعلى يتمتع بصلاحيات واسعة تشمل:

* عضوية دائمة مدى الحياة.

* السلطة المنفردة في تقرير القادة العالميين المدعوين للانضمام.

* القدرة على إصدار قرارات من جانب واحد.

* حق نقض (فيتو) مطلق لا يمكن للأعضاء الآخرين الطعن فيه.

إننا لسنا أمام جمعية ديمقراطية، بل "بلاط إمبراطوري". ومن خلال نقل الدبلوماسية بعيدا عن أروقة الأمم المتحدة، تعمل إدارة ترامب على تجاوز المفاوضات المعقدة لمجلس الأمن، مستبدلة إياها بنموذج "صفقاتي" مبسط، تكون فيه كلمة الرئيس هي الفصل.

محو غزة: خصخصة إعادة الإعمار

ارتبط "مجلس السلام" في البداية بقرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي تم تمريره في أواخر عام 2025 ورحب بإنشاء هيئة انتقالية لغزة. ومع ذلك، طرأ تحول جذري على الميثاق الجديد؛ إذ يضع المجلس الآن كجسم عالمي دائم "لاستعادة الحوكمة الموثوقة" في أي منطقة مهددة بالصراع.

لقد تم استبدال كلمة "غزة" إلى حد كبير بلغة تركز على "جذب الاستثمارات" و"حشد رؤوس الأموال"، وهذا يشير إلى أن إعادة الإعمار يتم النظر إليها كـ"مشروع عقاري وبنية تحتية" أكثر منها مهمة إنسانية. وفي حين تمت تسمية التكنوقراط الفلسطيني الدكتور علي شعث لرئاسة لجنة فرعية، إلا أن "مجلس السلام" على مستواه القيادي الأعلى يفتقر تماما للتمثيل الفلسطيني.

وقد أثار انضمام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي قبل الدعوة في 21 كانون الثاني/ يناير، احتجاجات واسعة. ويُنظر إلى مشاركة نتنياهو في مجلس مكلف بالإشراف على مستقبل الأراضي الفلسطينية -دون وجود نظير فلسطيني مكافئ- بمثابة ضربة قاضية لحل الدولتين؛ فهي تؤدي فعليا إلى خصخصة الإشراف على المنطقة ووضعه تحت السيطرة الاستراتيجية لمجموعة من أوثق حلفاء ترامب.

تم استبدال كلمة "غزة" إلى حد كبير بلغة تركز على "جذب الاستثمارات" و"حشد رؤوس الأموال"، وهذا يشير إلى أن إعادة الإعمار يتم النظر إليها كـ"مشروع عقاري وبنية تحتية" أكثر منها مهمة إنسانية

الاصطفافات الجيوسياسية: انقسام عالمي عميق

لقد أشعل "مجلس السلام" صدعا أيديولوجيا عميقا يتجاوز التحالفات التقليدية. فبدلا من مجرد قائمة ثابتة للأعضاء، يشهد العالم الآن نقطة تحول استراتيجية؛ حيث تحركت كتلة بارزة من القوى الشرق أوسطية والآسيوية للتعامل مع المجلس، مؤطرة مشاركتها كجهد براجماتي (واقعي) لتأمين وقف دائم لإطلاق النار والتأثير في عملية إعادة الإعمار من الداخل. وترى هذه الدول في المجلس بديلا أسرع و"موجها نحو النتائج" مقارنة بآليات الأمم المتحدة التي غالبا ما تعاني من الركود.

وفي المقابل، تستمر مجموعة مصممة من الدول الأوروبية في المقاومة، ناظرة إلى هذا التحول المؤسسي كهجوم مباشر على ميثاق الأمم المتحدة وركائز العمل متعدد الأطراف، وتحذر هذه الدول من أن تجاوز القانون الدولي المستقر يرسم سابقة خطيرة للحوكمة العالمية في المستقبل. وقد ترك هذا الانقسام عدة قوى عالمية كبرى أخرى في حالة من "الغموض الاستراتيجي"؛ إذ تراقب هذه الدول المشهد عن بعد، لتتبين ما إذا كان المجلس سيتمكن حقا من ترسيخ مكانته كحكم عالمي "مخصص" جديد للسلام قبل أن تخاطر برصيدها الدبلوماسي.

تصنيف الاستجابات العالمية

- البراجماتيون (الواقعيون): دول تعطي الأولوية للاستقرار الإقليمي الفوري والوصول المباشر لـ"عقيدة ترامب" على حساب عمليات الأمم المتحدة التقليدية.

- المؤسساتيون: دول تدافع عن إطار الأمم المتحدة باعتباره المصدر الشرعي الوحيد للقانون الدولي والمساواة بين الدول.

- المراقبون: قوى كبرى تلتزم الصمت لتقييم ما إذا كان المجلس سيصبح ركيزة دائمة أم مجرد تجربة دبلوماسية عابرة.

التداعيات: نهاية التعددية الدولية

إذا نجح "مجلس السلام" في حجب دور الأمم المتحدة، فإن التداعيات ستكون جسيمة. ستكون الضحية الأولى هي "القانون الدولي"؛ فالأمم المتحدة تعمل بناء على معاهدات تسري على جميع الدول، بينما يعمل مجلس السلام بناء على ميثاق خاص يمكن للرئيس تغييره في أي وقت.

ثانيا، يقوض المجلس "شرعية تسوية النزاعات"، فعندما تُدار عملية السلام من قبل "مجلس" من الضيوف الذين دفعوا ثمن مقاعدهم، نادرا ما تكون النتائج محايدة. لقد صُمم هذا الكيان لخدمة مصالح أعضائه ورئيسه، وليس ضحايا الحروب.

أخيرا، يخلق هذا الأمر سابقة عالمية خطيرة، فإذا أنشأت الولايات المتحدة "أمم متحدة خاصة"، قد تحذو قوى عالمية أخرى حذوها، مما قد يؤدي إلى تفتت العالم إلى "مجالس سلام" متنافسة، لكل منها "رئيس مدى الحياة". وهذا سيقود إلى نظام فوضوي تكون فيه القوة والمال هما القاعدتان الوحيدتان اللتان يعتد بهما.

العالم المخصخص

يمثل "مجلس السلام" التابع لدونالد ترامب الذروة في خصخصة السياسة الخارجية الأمريكية؛ فهو يتعامل مع الاستقرار العالمي كسوق، ومع الدبلوماسية كسلسلة من الصفقات. ومن خلال تهميش الأمم المتحدة، تحاول الإدارة الأمريكية إزالة آخر الضوابط المتبقية على نفوذها العالمي.

التداعيات واضحة: تهميش الدول الصغيرة وتحويل الرئيس الأمريكي إلى حكم عالمي يفتقر للمساءلة. إن "مجلس السلام" لا يقدم طريقا جديدا نحو الاستقرار، بل يقدم عودة إلى عصر الهيمنة الإمبراطورية، مغلفا بلغة "التقدم الموجه بالنتائج". فإذا حل هذا المجلس محل الأمم المتحدة، فلن يصبح العالم أكثر سلاما، بل سيصبح مكانا يُعد فيه السلام سلعة فاخرة لا يملكها إلا أصحاب أعلى العطاءات.
التعليقات (0)