ونحن
على أعتاب الذكرى 61 لانطلاقة حركة التحرير الوطني
الفلسطيني (
فتح)، بل انطلاقة
الثورة الفلسطينية. نقف على الأطلال، وتلوح أمامنا محطات ومحطات، ويلمع أمام
أبصارنا وهج نضال نقف فيه إجلالا واحتراما لأولئك الذين أطلقوا الرصاصة الأولى،
وأصدروا بيانا عسكريا رقم (1)، الذي جاء في مطلعه: "اتكالا منا على الله،
وإيمانا بحق شعبنا في الكفاح لاسترداد وطنه المغتصب.."، ونستذكر تلك القامات
الوطنية الكبيرة ونعلق أسماءهم وصورهم نياشين على صدورنا، وتكاد لا تتسع حارات
وشوارع فلسطين وصروحها لتسمى بأسمائهم، وتكاد مكتباتنا تغص بمآثرهم النضالية المجيدة،
فمن شهيدنا الأول أحمد موسى، إلى الشهيد أبو علي إياد؛ القائل والفاعل "نموت
واقفين ولن نركع"، والشهيد بطل الكرامة الفسفوري، وأبو يوسف النجار،
والكمالين عدوان وناصر، إلى أمير الشهداء أبو علي سلامة، وعروسة فلسطين دلال
المغربي ورفاقها، وصاحب الكلمة الحرة والفكر الثوري ماجد أبو شرار، والقائد أبو
جهاد؛ أول الرصاص وأول الحجارة، وحماة الثورة وأمنها الشهيدين أبو إياد صلاح خلف وأبو
الهول هايل عبد الحميد، والقائد المثالي ودماغ الثورة العسكري سعد صايل، إلى
القائد الرمز الرئيس أبو عمار.
هناك
مسيرة نضالية تعمدت بدماء آلاف الشهداء لا تُعدْ مآثرها ولا تُحصى إنجازاتها، فكيف
تتحول هذه المآثر والإنجازات من أول الرصاص في الأرض المحتلة إلى إخفاقات وخزيٍ وعار
في رام الله؟ لقد صنع هؤلاء أول نصر عربي على العدو في معركة الكرامة في 21 آذار/
مارس 1968 كردٍ على نكسة حزيران/ يونيو 1967، وخططوا ونفذوا آلاف العمليات، وصمدوا
في مجازر أيلول الأسود 1970 في الأردن، وما تلاها من معارك، وعاشوا وقاوموا حصار ومجزرة
مخيم تل الزعتر عام 1976 في لبنان على أيدي النظام السوري وحلفائه الانعزاليين
اليمينيين من الكتائب وحزب الأحرار وحراس الأرز، والتي سبقتها بداية الحرب الفاشية
الانعزالية ضد القوى الوطنية اللبنانية والثورة الفلسطينية عام 1975 بمجزرة عين
الرمانة، وصنعوا ملحمة المواجهة في جنوب لبنان أثناء اجتياحه عام 1978، والذي شهد
ملحمة في قلعة الشقيف عام 1982، وحاصروا حصارهم في بيروت طيلة ما يقارب 90 يوما من
ذات العام، ولم يسلموا السلاح وبقيت راية فلسطين خفّاقة، وإن خرجوا إلى المنافي
البعيدة. وعندما عادوا لإعادة تنظيم قواتهم وعتادهم وقواعدهم، فاجأهم النظام
السوري بتآمر مع بعض الأخوة من فتح وبعض الفصائل، فكان لهم صمود من نوع آخر إلى أن
طُرد أبو عمار من سوريا.
إنها
حقبة مليئة بالإنجازات الثورية والنضالية، والتي تركت بصمتها على نضال الشعب
الفلسطيني، وأوصلت قضيتنا إلى العالم الصامت، لكن يبقى السؤال: ماذا فعل هؤلاء
القابعون في رام الله؟ تراهم يحافظون على البروتوكولات، والمراسم الرئاسية وحولوا
مواكب "الكفاح المسلح" إلى أجهزة أمنية لقمع التظاهر، والاحتجاج، وتلاحق
الوطنيين والمناضلين. ماذا فعل هؤلاء؟ لقد زادوا التنسيق الأمني والاستخباري مع
العدو، وكانوا شاهدين بل متفرجين على اجتياح وتدمير مخيمات جنين، وطولكرم، ونور
شمس، وبلاطة، والكثير من البلدات والقرى والمدن في الضفة الغربية.
في المقابل،
جاء القائد الرمز أبو عمار عبر البحار لفك حصار النظام السوري وأعوانه عن مخيمي البداوي
ونهر البارد في شمال لبنان في العام 1983. ولو حدث حصار وتجويع ومن ثم تدمير مخيم
اليرموك على أيدي النظام السوري في 2012، وكان أبو عمار على قيد الحياة؛ لكان هناك
حديث آخر، وما كان لهذا الحصار وتشريد أهله أن يحدث.
وهناك
على منصة الأمم المتحدة مشهدان لا يمكن مقارنتهما؛ حينما وقف أبو عمار مخاطبا
العالم: "جئتكم بغصن الزيتون في يدي وبندقية الثائر بيدي، فلا تسقطوا الغصن
الأخضر من يدي". قالها متزنرا مسدسه ومعتمرا الكوفية الفلسطينية، الرمز
النضالي الذي اعتاد شعبنا عليه، بينما وقف فخامة الرئيس أبو مازن بياقته الأنيقة
مستجديا ممثلي العالم قائلا: "من شان الله احمونا". ماذا صنعتم أيها
الجاثمون منذ عقودٍ على جسدي في رام الله؟ هل واجهتم عدوكم وعدو شعبنا كما فعل القائد
أبو عمار عندما حُوصر في المقاطعة، وأصر أن يكون "إما أسيرا أو شهيدا". وماذا
قدمتم لآلاف الأسرى القابعين في زنازين ومعتقلات الاحتلال حتى الآن؟ وماذا كان ردّكم
عندما اتهمكم الرئيس ترامب بالكذب؟ وهل كان موقفكم يا فخامة الرئيس يمثل كرامة
وسيادة الشعب المعمدة بدماء آلاف الشهداء؟
لقد
واجهت "فتح" الكثير من المؤامرات التي حاكتها الأنظمة، وتلك التي تورّط
بها بعض الأخوة القادة المغرّر بهم داخل حركة فتح، لكن لم يُرفع السلاح بوجههم،
ولم يُخوَّنوا برغم أنهم تجاوزوا كل المحرمات، وأبقى أبو عمار على قنوات الحوار
معهم، معتبرا إياهم إخوة النضال والسلاح. أما اليوم فتشهد "فتح" تآمرا
علنيا من بعض الأنظمة، ولا تحرك ساكنا إلا على إخوة السلاح من فصائل المقاومة،
ويخرج بعض المتحدثين باسم السلطة و"فتح" ممن لا نعرف أسماءهم من قبل؛ مُتّهمين
المناضلين المقاومين بالتفرد بالقرار الفلسطيني، وتعريض الشعب للإبادة والتدمير،
ويصفون مقاومتهم بالإرهاب، وكأنهم في نفس القارب مع قادة الصهاينة والإدارة
الأمريكية والغرب الذي لا يرى بمقاومة شعبنا إلا إرهابا.
وعندما
طُرحت "المرحلية" و"برنامج النقاط العشر" في العام 1974 عارضها
قادة وكوادر "فتح" الشركاء وأخوة الخندق الواحد، وشكلت بعض الفصائل
المعارضة ما سمي آنذاك بـ"جبهة القوى والفصائل الرافضة للحلول الاستسلامي".
ومع ذلك، بقيت قنوات الحوار قائمة وبقي الاحترام لإخوة النضال والسلاح قائما، ولا
زال آنذاك أبو عمار يخاطب أمين عام الجبهة الشعبية جورج حبش بـ"حكيم الثورة".
ولم يُخوِّن أحدا، ولم يرفع السلاح بوجه أحد، بل صوّر الوضع على أنه اختلاف في
وجهات النظر والرؤية النضالية، وليس خلافا أو انقساما.
وقد
انتقل هذا الاختلاف السياسي الكبير إلى أروقة المؤتمر الرابع لحركة فتح، الذي عُقد
في دمشق عام 1980، وشهد البرنامج السياسي ومخرجاته الصادرة عنه انتصارا لما عرف
آنذاك بالجناح الراديكالي، حتى في انتخاب اللجنة المركزية للحركة والتي جاءت بقادةٍ
ذوي رؤية سياسية مختلفة مع قيادة الحركة، ومنهم أبو صالح نمر صالح، وسميح أبو كويك
قدري، وماجد أبو شرار، وقادة عسكريون آخرون كأعضاء في المجلس الثوري للحركة أمثال
أبي موسى، وأبي خالد العملة.
وبقيت
"فتح" ديمومة الثورة، وواجهوا معا الاجتياح الإسرائيلي وحصار بيروت عام
1982. وما أغرب اليوم عن الأمس؛ فلا شبه ولا تماثل بين ما حدث آنذاك وما يحدث
اليوم، فاليوم تُشن أعتى حرب مدمّرة إجرامية على قطاع غزة، وتكتفي رام الله -أسوة
بدول العالم الأخرى- بالإدانة والاستنكار والتحرك الدبلوماسي، وتنحو باللائمة على
من أعطى العدو مبررا، وأوجد أعذارا له لشن هذه الحرب (وكأن إسرائيل تنتظر مبررات
لحرب الإبادة الممنهجة على الشعب الفلسطيني)، ولا تتوقف عن نعت المقاومة بأقسى الكلمات
وشتمهم (أولاد الكلب)، ويذهب البعض -ممن فجأة ظهروا قادة على ساحة العمل الوطني
الفتحاوي- إلى كيل تهم الخيانة والعمالة والارتباط بالعدو للمناضلين والقادة الذين
حملوا روحهم على أكفهم، وقدموا فلذات أكبادهم بل أرواحهم قربانا لفك الحصار
والدفاع عن شعبهم والانتصار لقضيته.
نعود
فنسأل: ماذا صنع أولئك ممن أطلقوا "فتح" 1965؟ وماذا صنع هؤلاء والمتمسكون
بأوسلو بـ"فتح" الآن؟ صحيح أن القائد الرمز أبو عمار كانت له اليد
الطولى في اتفاقات
أوسلو، لكنه قال عنها بحسب ما صرح به عباس زكي، عضو اللجنة
المركزية لحركة فتح: "لقد كانت اتفاقات أوسلو فخا، وقد وقعنا فيه"، فماذا
أنت فاعلٌ يا فخامة الرئيس؟ خاصة بعد أن اتضحت معالم سياسة نتنياهو، وحكومة اليمين
المتطرف، وباقي الأطياف من القادة الإسرائيليين، وبعد أن أزاح نتنياهو الستار عن
حلمه والمشروع الصهيوني "إسرائيل الكبرى".
ماذا
أنت فاعلٌ فخامتكم، والاستيطان يزداد يوما بعد يوم واعتداءات المستوطنين واقتحامات
جيش الاحتلال متواصلة وبضراوة للمخيمات والبلدات والمدن الفلسطينية؟ ماذا أنت فاعلٌ
فخامتكم، والعمل جارٍ على نسف البيوت وقتل الأطفال واعتقال النساء والشباب ومصادرة
الأراضي وتهويد الأقصى والقدس تمهيدا لضم الضفة الغربية الذي أقره الكنيست، وإنهاء
سلطتكم؟ ماذا أنت فاعلٌ فخامتكم، والعمل قائم على نزع سلاح المقاومة وبسط السيادة الإسرائيلية
الأمريكية الترامبية على قطاع غزة؟ ماذا أنت فاعلٌ فخامتكم، والإدارة الامريكية لم
تنبس ببنت شفة فيما يتعلق بحل الدولتين أو مجرد ذكر "دولة فلسطينية" أو
حق تقرير المصير لشعبنا، في الوقت الذي لا زال العالم يكتفي بالإدانة والاستنكار
والشجب لممارسات جيش الاحتلال ضد شعبنا؟
ألا
يستدعي كل ذلك وضع استراتيجية جديدة؛ تأخذ بعين الاعتبار كل هذه المستجدات
والتطورات، وتنهي حالة الانقسام الفلسطيني، للتمكن من مواجهة كل الضغوط الدولية
والإقليمية، ومخططات الاحتلال، وتستثمر سياسيا ما تم إنجازه من قبل المقاومة؟ ألا
يستدعي هذا الحال إعادة بناء المؤسسات على أسس وطنية واضحة، ورد الاعتبار لدور
منظمة التحرير الفلسطينية؟ أليس من الأجدى والأجدر الدعوة إلى مؤتمر عام وطني، تشارك
فيه كل القوى والفصائل والشخصيات الفلسطينية لتدارس الأوضاع، واتخاذ ما يلزم خدمة
للمصالح الوطنية لشعبنا وصونا وانتصارا لقضيتنا العادلة؟ ألا يتطلب ذلك خطابا
جديدا يعيد لحركة "فتح" مكانتها التاريخية في قيادة العمل الوطني
الفلسطيني؟ ألا يستدعي ذلك الوقوف مطولا أمام نضالات الشهداء القادة الكبار الذين
أطلقوا الرصاصة الأولى وعملوا على استمرارية الثورة، ولتبقى "فتح ديمومة
الثورة والعاصفة شعلة الكفاح المسلح"؟
كفى،
فإن الوقت من دم وفلسطين تنزف، وشعبنا ينتظركم ويتطلع إليكم، يا إخوتنا في فتح 2026.
[email protected]