ترامب وسمات الإمبريالية الجديدة

أحمد عويدات
"هذا الحدث يمثل وحشية هذا الغرب الذي أسقط الأقنعة، وأماط اللثام عن مكنوناته الغريزية وشهوات نخبه ورغباتها"- جيتي
"هذا الحدث يمثل وحشية هذا الغرب الذي أسقط الأقنعة، وأماط اللثام عن مكنوناته الغريزية وشهوات نخبه ورغباتها"- جيتي
شارك الخبر
هل نحن حقا أمام إمبريالية جديدة مختلفة بالسمات والأساليب والأهداف؟ أم أننا أمام انحطاط أخلاقي جديد؟

إن ما حدث مؤخرا يعبر عن الوجه الحقيقي للغرب الساقط المليء بالجرائم والسادية، التي كشفت عنها وثائق الملايين الثلاثة للملياردير جيفري إبستين وشركائه، والتي تشكل نصف ما تركه هذا الأخير من ميراث يندى له الجبين. إن هذا الحدث يمثل وحشية هذا الغرب الذي أسقط الأقنعة، وأماط اللثام عن مكنوناته الغريزية وشهوات نخبه ورغباتها، وطقوسها الشيطانية، والاتجار بالبشر على حساب القاصرين الفقراء، وأسقط كل التبجح والادعاءات بالديمقراطية والعدل، وحماية الطفل والمرأة وحقوق الإنسان. إنه رأس المال والنفوذ السياسي الذي يحمي هؤلاء من حكم العدالة والقانون، ويبقي الفقراء من البشر، وخاصة الأطفال فتيانا وفتيات والنساء، ضحايا لنزواتهم وشهواتهم الحيوانية.

إن التحالف بين رأس المال السادي والإجرامي مع النخب أصحاب النفوذ السياسي والاقتصادي، يعبر عن السمة الأولى للإمبريالية الجديدة المتوحشة التي تختبئ وراء ليبرالية ليست أقل توحشا، ووراء قيمٍ مزيفةٍ لا تمتّ بصلةٍ إلى قيم الإنسانية، وأبعد ما تكون عن الواقع. إن الحقيقة التي لم يخفها إبستين تكمن في سؤاله لبيل غيتس: "كيف يمكننا التخلص كليا من الفقراء؟" وكأنهم قمامة بشرية جالبة للأوبئة والأمراض.

التحالف بين رأس المال السادي والإجرامي مع النخب أصحاب النفوذ السياسي والاقتصادي، يعبر عن السمة الأولى للإمبريالية الجديدة المتوحشة التي تختبئ وراء ليبرالية ليست أقل توحشا، ووراء قيمٍ مزيفةٍ لا تمتّ بصلةٍ إلى قيم الإنسانية، وأبعد ما تكون عن الواقع

لقد وجد هؤلاء المتنفذون سبيلا للتخلص من هذه "النفايات البشرية"، وهو الانقضاض على الشعوب، وقتل أبنائها، ومصادرة أراضيها وثرواتها، والتحكم بسيادتها، واستباحة كل شيء، وقتل كل جوانب الحياة وممارسة كافة أشكال الإبادة. وما حدث في غزة من مجازر إبادة وتطهيرٍ عرقي وصل عدد ضحايا إلى نحو 72 ألفا والجرحى إلى 171 ألفا؛ إلا شاهد على هذه الوحشية، وهذه الأيديولوجيا السادية والسيكوباثية. وما خطف رئيس دولة فنزويلا وزوجته في عتمة الليل، وفي قرصنة غير مسبوقة، إلا دليل على سمة "الزعرنة والبلطجة" التي تفخر بها هذه الإمبريالية الجديدة، وتجد لها مسوغات ومبررات واهية، إذ تعمد إلى ربطها بالمخدرات والاتجار بها، وكأنهم أبرياء يريدون تحصين البشرية منها، وهم في الحقيقة من يروجون لها ويصنعونها، ويستخدمونها للإيقاع بضحاياهم في تلك الجزيرة الملعونة، وذاك المنزل في نيويورك، الذي كثيرا ما كان منزلا لإقامة إيهود باراك، رئيس وزراء الكيان السابق، وفي تلك المزرعة مسرح الجريمة النكراء التي شارك فيها الكثير من قادة الغرب وبعض من العرب، وبعض آخر من بلدان شتى من المتنفذين؛ سلطة ورأس مال وتكنولوجيا واقتصاد وعلماء.

لم تكن هذه الأماكن مجرد جغرافيا بعيدة في أعالي البحار لإشباع رغباتهم وشهواتهم الجنسية، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى مسرحٍ سياسي واقتصادي؛ لابتزاز القادة وأصحاب النفوذ بغية اتخاذ قرارات تصب بمصالح وأهداف الموساد الذي ارتبط معه إبستين، وغيره من أجهزة المخابرات. وعبّر عن ذلك حين طلب من إيهود باراك نفي صفة العمالة والارتباط بالموساد؛ كما أشارت إلى ذلك إحدى تلك الوثائق التي كشفت عنها وزارة العدل الأمريكية مؤخرا.

لقد بلغ الأمر بهذه الإمبريالية الجديدة إلى الانتقال من سياسة الاحتواء الباردة إلى سياسة "السلام بالقوة"، ومنها إلى سياسة الهيمنة والسيطرة المباشرة. وهذا ما يفعله ترامب في هذه الآونة، عندما يهدد قادة أوروبا ودولها؛ بضم كندا إلى الولايات المتحدة، والسيطرة على جرينلاند، بل ويسمو بخيالاته الحالمة وكأنه قيصر العالم الجديد، ولم يبق إلا أن يعلن كما أعلن شريكه نتنياهو من قبل أنه في مهمة "تاريخية وروحانية"، وأن الله اصطفاه لتحقيقها.

وهو يريد تغيير العالم وفرض رؤيته، لذلك تراه يتحرك يمينا وشمالا بما يشبه الهذيان، وفي كل الاتجاهات هنا وهناك؛ فتارة يريد السيطرة على قناة بنما، وتارة يرغب بتغيير تسمية خليج المكسيك، ويستمر بفرض الحصار على كوبا، ويتعدى ذلك إلى تهديد دول أمريكا اللاتينية التي تعارض سياساته. ويرى في غزة منتجعا جاذبا لاستثماراته، فهي بالنسبة له "ريفيرا الشرق"، ذات المناخ الرائع والشواطئ الخلابة.

هل تنامي هذه الإمبريالية الجديدة سيؤدي إلى عالمٍ متعدد الاقطاب قادر على مواجهة هذا التغوّل الجديد؟ أم أننا أمام انهيارٍ وشيكٍ للظاهرة الترامبية، بعد هذه الفضائح؟ أم أن هذه الإمبريالية ستصبح أكثر تغوّلا

إن التعالي على الآخرين واحتقارهم والسخرية منهم يعبر عن مدى الانحطاط الأخلاقي والسيكولوجي لهذه الإمبريالية الجديدة، فلا ملابس زيلنسكي تعجب ترامب، ولا نظارة ماكرون، ولا يرى أوروبا إلا "تتحدث باللغة الألمانية وقليل من اليابانية"؛ في إشارة إلى فضل الولايات المتحدة بحماية القارة العجوز، وتحقيق الانتصار في الحرب العالمية الثانية.

إن ما تسعى الإمبريالية الجديدة إليه، والسيطرة على العالم اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، عبر أنشطتها المالية ومضاربات السوق والديون، وسرقة الثروات والتحكم بالأسواق العالمية وممرات التجارة العالمية، إضافة إلى زيادة إنتاج السلاح، وفرض أنظمة ديكتاتورية ترعى مصالحها وتحقق غاياتها، تحت ملاءة الاستثمار وقناع التنمية. إن هذا التماهي بين رأس المال وأصحاب القرار والنفوذ السياسي، يشكل ضرورة لحماية أصحاب رأس المال من المساءلة والملاحقة القانونية عن أي جرم يرتكبونه، وفيما بعد، يصبح رأس المال هذا هو المتحكم بمصير أصحاب النفوذ السياسي فيفرض أجندته. وهذا ما يشكل سمة أخرى من سمات الإمبريالية الجديدة؛ حيث تصبح الدولة طيّعة بيد رأس المال، على عكس ما كانت عليه في مرحلة الإمبريالية القديمة، إذ كانت الدولة، بحسب كارل ماركس "أداة سيطرة طبقية يتعمق فيها اندماج الدولة مع رأس المال الاحتكاري".

ومن سمات الإمبريالية الجديدة أيضا، العنصرية والأمركة ورفع شعار "أمريكا أولا"، وشعار "لنجعل أمريكا عظيمة ثانية"، ولو كان ذلك على حساب الشعوب ومقدراتها وثرواتها؛ لذلك جاءت محاولة السلطات الأمريكية السيطرة على الهجرة غير الشرعية، ومحاربة المهاجرين وترحيلهم بعد اتهامهم بارتكاب جرائم مزعومة ضد المجتمع الأمريكي، واتخاذ إجراءاتٍ وقيودٍ غير مسبوقة للدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وحظر مواطني العديد من الدول من السفر إليها.

في نهاية المطاف، هل تنامي هذه الإمبريالية الجديدة سيؤدي إلى عالمٍ متعدد الاقطاب قادر على مواجهة هذا التغوّل الجديد؟ أم أننا أمام انهيارٍ وشيكٍ للظاهرة الترامبية، بعد هذه الفضائح؟ أم أن هذه الإمبريالية ستصبح أكثر تغوّلا، وستكشر عن أنيابها لتلتهم المزيد من العالم، ونخضع لنظامٍ عالميٍ جديد؟

[email protected]
التعليقات (0)