ترامب والإمبريالية الجديدة: هل يبدأ التمرد الأوروبي؟

أحمد عويدات
البيت الأبيض
البيت الأبيض
شارك الخبر
يعيش العالم في هذه الآونة مشهدا فريداً لربما كان تكراراً، بنسخة جديدة أو معدّلة، لما شهده العالم في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما كان هتلر لا يرى في الجنس البشري إلا العرق الآري، ولا يرى دماً في العروق البشرية إلا الدماء الزرقاء، التي تجري في عروق الأمة الألمانية فقط. ولا يرى أحداً في العالم سواه.

بهذه الأيديولوجيا النازية اكتسح هتلر العالم، ودمّر أنحاءً كثيرةً منه، وقتل الملايين وشرد مثلهم. اليوم يتربّع ترامب على جغرافيا مختلفة، هناك ما وراء البحار، ويصر على الإبحار بعكس التيار، فلا يرى العالم بأسره، من خلال منظاره، سوى مجال لتحقيق مصالحه وأطماعه الاستعمارية، على حساب الشعوب وسيادة الدول وكرامة قادتها. يراه استثماراً عقاريا في غزة فهي «ريفييرا الشرق» والشواطئ الجميلة لإقامة المنتجعات السياحية على حساب أهلها، الذين سيهجّرون قسراً إلى المنافي، ويرى العالم ثرواتٍ ومعادن نادرة فيطمع بالسيطرة على غرينلاند، زاعماً أن ذلك ضرورة لأمن الولايات المتحدة القومي في مواجهة الصين، وروسيا؛ لأنهما- حسب زعمه- يتحفزان للسيطرة عليها، وهو القائل: «العالم لن يكون آمنا، ما لم تكن لدينا سيطرة كاملة وشاملة على غرينلاند».

ثانياً أن أوروبا وتحديدا الدنمارك غير قادرة على حمايتها، وثالثاً لقربها من الحدود الروسية، متناسياً أن ولاية آلاسكا لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن روسيا، فكيف هذا بذاك. ويرى العالم نفطا وغازا، ويمارس قرصنة لم تألفها البشرية فيخطف رئيس دولة فنزويلا وزوجته، ويفرض أجندته على الفنزوليين ليسرق نفطها وغازها، ويهدد معها سائر دول أمريكا اللاتينية الرافضة لأطماعه الإمبريالية. كما يرى العالم تجارةً ورسوماً جمركية، وأملاكاً خاصة، عندما يعبر عن ملكية الولايات المتحدة، لقناة بنما وأنه يريد استردادها كما يطمع بتغيير مسمى خليج المكسيك برؤية إمبريالية مختلفة، وكأنه يُعد العدة لسيطرة أخرى.

ويتعدى ذلك أيضا، للسيطرة على كندا الجارة الحليفة والعضو في الناتو كهدفٍ ثانً بعد غرينلاند؛ مؤكدا الانتقال من قوة الردع إلى السيطرة المباشرة. ولا يكف عن ذلك، بل يسيل لعابه على دول الخليج العربي، التي لا يرى فيها إلا سوقا لأسلحته وعتاده فيعقد الصفقات الخيالية مع أنظمتها قسراً، بعد أن يشعل المنطقة حروباً بذريعة التهديد الإيراني الخطير لوجود هذه الدول؛ زاعماً أن إيران تريد أن تسيطر على المنطقة. وينظر إلى علاقاته مع سوريا، وباقي الدول العربية من بوابة «إسرائيل» ومصالحها.

ولا ينسى أن يذكي النزاع على السلطة في السودان طمعاً بذهبه وثرواته. كما يسعى دوماً لطمأنة الصين بأن «تايوان مسألة داخلية» لضمان صمتها وعدم تدخلها، وكذلك الأمر أيضا مع بوتين، فيعترف بحقوق روسيا في أراضي أوكرانيا، على حساب الاوكرانيين، ويستخدم هذا الأخير هراوةً مهدداً بها الأوروبيين، بهدف إخضاع أوروبا لمشيئته، ولضمان بقائها بقرةً حلوب لأطماعه، وسوقاً لصادراته، وسداداً لديون الولايات المتحدة قائلاً، في إشارة منه إلى ما حدث إبان الحرب العالمية: «ولولا جهودنا التي بذلناها خلال الحرب العالمية الثانية، لكان كثير من الدول الأوروبية تتحدث اللغة الألمانية، وربما بعض منها يتحدث قليلاً من اللغة اليابانية». ولم تقف إجراءاته عند هذا الحد، بل عمل على رفع الرسوم الجمركية والتجارية على أوروبا ودول العالم التي تعارضه، وكان آخرها وليس أخيرها تهديده لكوريا الجنوبية بزيادة رسومها إلى 25% ورسوم كندا إلى 100%.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تحامل على رؤساء الدول ساخراً منهم، ومهدداً ومتوعداً لكثير من قادة العالم بأسلوبٍ لم تعهده اللياقة الدبلوماسية، ولا البروتوكولات التي تحكم علاقة الدول والرؤساء، حتى بلغ الأمر به وصف عزم «حليفه الرائع» في الناتو رئيس وزراء بريطانيا ستارمر، التخلي عن جزيرة «دييغو غارسيا» لأصحابها بأنه، «عمل من أعمال الغباء الشديد»، وكذلك مهيناً رئيس وزراء كندا كارني أمام منتدى دافوس على مرأى ومسمع من وسائل الإعلام المختلفة قائلاً: «كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة»؛ وكأنه فرعون العصر والحاكم الأوحد للعالم.

وفي سياق آخر، يتعدى الإمبريالي الجديد ذلك، إلى تشكيل شرعية دولية سماها «مجلس السلام» استولدها من رحم الأمم المتحدة بطريقة مخادعة لا يتقنها إلا القراصنة السياسيون، إنه السعي الإمبريالي الجديد لتقويض عمل الأمم المتحدة، ونزع دورها في حل النزاعات الدولية، وحصر القرارات بيد شخصٍ يتمتع لوحده برفض أو قبول أي مقترح (حق النقض)؛ كما قال الرئيس البرازيلي: «ترامب يريد أن ينشئ أمم المتحدة جديدة يكون هو المالك الوحيد لها».

إصرار ترامب على اتباع سياسة «البلطجة والزعرنة» حتى ضد حلفائه في الناتو، وإصراره على تحقيق أطماعه، في السيطرة على غرينلاند بقوله: «من المهم لنا أن نستخدمها ونحوزها لتحقيق أمننا القومي، وتحقيق الأمن العالمي». يؤكد اتساع الهوة في العلاقة مع أوروبا، وينذر بمواجهة غير عادية بينهما، فهل ستبقى هذه المواجهة في اللغة والخطاب السياسي؟ أم ستتعدى حدود ذلك؟ وهذا ما يضع أوروبا وقادتها أمام اختبارات صعبة.
إن هناك شعورا مشتركا وتفاهما حول الأخطار الناتجة عن سياسات ترامب

أمام هذا الواقع الذي يتسم بخيارات صعبة أمام القادة الأوروبيين، فإن هناك شعورا مشتركا وتفاهما حول الأخطار الناتجة عن سياسات ترامب، وإجراءاته الإمبريالية الضامنة لمصالح الولايات المتحدة على حساب شركائه الأوروبيين، والساعية إلى إلحاق أوروبا بتبعية عمياء لمخططاته المتهورة؛ ما يهدد نحو 80 عاما من العلاقة مع الولايات المتحدة في حلف الناتو، كما ينذر ببدء تمرد أوروبي، وآخر عالمي تتقدمه كندا، للتصدي للتحديات التي فرضها خطاب ترامب الإمبريالي أمام المنتدى الاقتصادي في دافوس. ولعل في قول رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، أمام منتدى دافوس: «إن العالم تغيَّر جذرياً، وإن على أوروبا التّغيُّر معه، وأن تُسرِّع مساعيها نحو الاستقلال»، يؤكد توافق الأوروبيين، بل إقرارهم بالحاجة إلى مرحلة انتقالية أكثر استقلالية نحو نظام دولي جديد؛ كردٍ على سياسات ترامب، وفرض الرسوم الجمركية والسياسة الإلحاقية التي يريدها. وإلى ضرورة إجراء إصلاح اقتصادي لدول أوروبا وإجراء إصلاحات بنوية في مجالات الطاقة والدفاع والأمن والتجارة والإدارة. والحاجة أيضا، إلى تغيير مسارها والإسراع بالخطى، وبناء شراكات جديدة متنوعة، وصياغة تحالفات جديدة، والابتعاد عن النظام القديم.

إن أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، هي غير أوروبا بعد ولاية ترامب الثانية، فهو يريد من خلال إمبرياليته الجديدة حل مسألة الديون الأمريكية، والحيلولة دون وجود عملة جديدة تنافس الدولار، ومحاصرة الصين اقتصاديا بالسيطرة على طرق التجارة العالمية، ومنعها من الحصول على النفط والغاز بأسعارٍ رخيصة، ونشر ثقافة التقارب مع روسيا في الداخل الأمريكي، وضمان أمن الولايات المتحدة من على بعد دون التزامات مالية إضافية، والسيطرة على ثروات العالم أينما وُجدت. فهل تهديد الاتحاد الأوروبي بفرض 93 مليار دولار كرسوم جمركية على الصادرات الأمريكية، هو بداية المواجهة؟

وكما هو التعويل على جيل الشباب والأكاديميين الأمريكيين، لتغيير الأوضاع هناك، فإن الوضع مماثل في أوروبا؛ فالأمل معقود على جيل الشباب، وليس على هذه النخب السياسية التابعة الموجودة.

إن في ناتج عربدة ترامب، ونهجه الإمبريالي الجديد، ربما لن يطول بنا الزمن حتى نشهد، ليس فقط تصدعا بالعلاقات الأوروبية الأمريكية، بل ربما مواجهة تأخذ أشكالا متعددة بين الانكلوسكسوني واليانكي الأمريكي.

القدس العربي
التعليقات (0)