ماذا لو قاطع العالم… كأس العالم؟

عبد الناصر بن عيسى
عربي21
عربي21
شارك الخبر
في سنة 1980، عندما كانت موسكو تُحضّر نفسها لاستقبال منافسة الألعاب الأولمبية الصيفية، خرجت الولايات المتحدة الأمريكية، بقرار، أشبه بالأمر، فطلبت من دول العالم الانسحاب من الألمبياد، فضحى الكثير من أبطال العالم في شتى الرياضات، وأصحاب الأرقام القياسية بدورة أولمبية، لا تُسنح سوى مرة واحدة، كل أربع سنوات، وهذا بحجة أن الاتحاد السوفياتي اكتسح أرض أفغانستان، وتجاوبت معظم الدول من غربية باستثناء بريطانيا وخليجية وعربية للقرار الأمريكي الداعي للمقاطعة.
وفي سنة 1984، عندما كانت لوس انجلس تحضر نفسها لاستقبال منافسة الألعاب الأولمبية الصيفية، ردت لها موسكو الصفعة، صفعتين، بمطالبة بلدان المعسكر الشرقي بمقاطعة الألمبياد، وسارت كوبا وسوريا وكل شرق أوربا وغيرها من البلدان التي تسبّح بنهج موسكو على النهج البلشفي.

ويتابع العالم حاليا “بلطجة” ما بلغها بريجنيف ولا جيمي كارتر، شاهدنا فيها هندسة إبادة جماعية للأمة الفلسطينية، واختطاف رئيس وزوجته والإعلان الصريح باحتلال غرينلاند وتهديد بنما والمكسيك وإيران بالويلات، ومع ذلك، بدا اقتراح مقاطعة كأس العالم محتشما، بالرغم من أن المقاطعة تعني لعبة بالأرجل، والهدف يعني حياة شعوب طالتها النيران.

تؤكد السنوات المتعاقبة، أن الرياضة تسيّست إلى درجة خطيرة، وأي أمة تُبعدها عن السياسة، تكون قد أخطأت في حق نفسها.

فقد عاش الجزائريون في كأس أمم إفريقيا السابقة، منافسة سياسية، خلت نهائيا من جماليات لعبة كرة القدم، بل إن العالم لم يتذكر من الدورة مبارياتها وأهداف لاعبيها، وإنما حكايات التكتلات والكواليس والمناشف، وكانت رائحة السياسة هي الطاغية.

الغريب هذه المرة، أن دعاة مقاطعة مونديال القارة الجديدة، على قلتهم وحيائهم، من الأوروبيين الذين عرفوا أن الرئيس الأمريكي ترامب ما عاد يكنّ لهم أدنى احترام، ولأنهم عجزوا عن مواجهته سياسيا أو اقتصاديا، فكروا في حيلة مقاطعة لعبة كرة القدم، التي سيحتضنها خلال الصيف، وسيستغلها لتمرير رسائله التي لا تتوقف.

والغريب أيضا، أن الدول التي يهدّدها ويستفزها لم تدع إلى المقاطعة، ظنا منها أنه لا سياسة في الرياضة.

توقفت منافسة كأس العالم من سنة 1938 إلى سنة 1950، بسبب اشتداد سعير الحرب العالمية الثانية،، وأفرزت كؤوس العالم التي تلتها مشاهد سياسية كانت تتقاذفها الأدمغة والألسن والأقدام أيضا، وهي الآن مبطنة بالسياسة.

إن لم تبادر بلاد أوروبا والبلاد الحرة، إلى التضحية باللعبة من أجل “الجِد”، فإن العريس العجوز، سيقدم لضيوفه أطباقا سامة، ويجبرهم، على التهامها.

لا يخلو عالم كرة القدم- مثل كل المجالات- من الأبطال الحقيقيين الذين يجعلون جمال اللعبة بمبادئهم الثابتة، ومنهم نجوم منتخب جبهة التحرير الوطني، الذين ضحوا بالمشاركة في كأس العالم التي أقيمت سنة 1958 بالسويد، من أجل هدف إسماع صوت الجزائر والجهاد لأجل حريتها، فذهبت الكرة والكؤوس، وبقي لاعبو جبهة التحرير الوطني، مثل الكنز الخالد الذي كلما قَدُم، تضاعفت قيمته.

الشروق الجزائرية
التعليقات (0)