ترامب يخاطبكم

عبد الناصر بن عيسى
جيتي
جيتي
شارك الخبر
يتفق زعماء المعمورة وشعوبها، على أن الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، هو ظاهرة غريبة لا مثيل لها في تاريخ الفاعلين. ومنظره وهو يتحدث مع رؤساء الدول وأمرائها، يجعلنا أمام مسرحية بفصول لا تنتهي، فيها بعض الهزل وبعض الاستفزاز والكثير من الضَّجر، ومع ذلك كلما تنهَّد الرجل، وجد صدى لتنهيداته في مختلف قارات العالم، كما كانت الحال في خرجته الأخيرة، عندما ألقى خطابا قيل إن متابعيه فاق تعدادهم متابعي فيلم “مرتفعات ويذرينغ” آخر أنجح أفلام هوليوود.

يفتقد الرئيس الأمريكي في خطاباته للجمل المفيدة بالنسبة للمستمع غير الأمريكي، فهو لا يختلف كثيرا عن مقاول يخاطب شركاءه، أو رجل أعمال أو موّال يحسب الدولارات وقطع الذهب والماشية بدقة متناهية. تسمع فيها “صلصلة” النقود و”كاشينغ” عدادات التريليونات من الدولارات أكثر من كلام السياسة والاقتصاد، من رجل قسّم العالم إلى جزءين لا ثالث لهما، نصفه من قوم تبّع، الذين لا يرون إلى ما يرى، والبقية مجبرون بالقوة والقهر على الانضمام للنصف الأول.. ولتذهب الحريات والديموقراطية والنزاهة إلى الجحيم.

بقناعة وغرور وصف الرئيس الأمريكي ما بلغته بلاده في بضعة شهور قضاها في البيت الأبيض، بالفترة الذهبية التي جعلت أمريكا أقوى وأغنى وهي الآمر والناهي.
لم يأخذ الرئيس الأمريكي كثيرا من الوقت في جسِّ نبض العالم

لم تعد أقوى بلد بين كبار العالم، بل القوة الوحيدة التي أمضت سنتين في تحدي العالم بـ”الفيتو” لمنع نجاة أطفال غزة ونسائها ومرضاها من المحرقة الصهيونية، خطف فيها رئيسًا من غرفة نومه رفقة زوجته وقرَّر محاكمته بما يقترح في حقه من عقاب، وهدّد فيها بلادا أخرى من بنما إلى إيران بالاحتلال، وراود كل بلد، شعَر بأنه متخمٌ بالخيرات، وسخر من صور وفيديوهات تورِّطه بالأدلة القاطعة، في فضيحة جزيرة إبستين، وفي كل مرة يخرج للعالم ليصيح: هل من مُنازل؟ ثم يعود إلى بيته “الأبيض” للاستمتاع بصلصلة النقود وحفيف الأوراق المالية في العدَّادات.

لم يأخذ الرئيس الأمريكي كثيرا من الوقت في جسِّ نبض العالم، حتى بدأ في التطبيق، إلى درجة التهور، ولم يسمع سوى صمت المقابر، وهو يفعلها خبط عشواء في غزة وكاراكاس وفي غيرهما من البلاد، وأغرب ما في دونالد ترامب، أنه صريحٌ جدا إلى درجة الصدمة، فهو يزن الناس بما يمتلكون من أموال، وكلما أعجبته أرضٌ، إلا وتحدّث عنها بغرام، قد ينتهي إلى ابتلاعها، غير معترف بالجغرافيا ولا بالتاريخ، فكل من سار على نهجه، هو صاحبُ المكان والزمان.

استمع سياسيٌّ فرنسي بتركيز وإمعان، لخطاب الرئيس ترامب، ولخّص تحليله للكلمة الطويلة، بنصح الأمريكيين بنقل رئيسهم إلى مصحَّة للأمراض النفسية، والواقع أن البشرية إذا سمحت لنماذج أخرى أن تحكم بلدانا وازنة، بنفس تركيبة ترامب، فهي من يجب أن تحوِّل الكرة الأرضية إلى مستشفى لجائحة الجنون.

الشروق الجزائرية
التعليقات (0)