إيران ليست مشكلة لأنها تفعل أشياء خاطئة، بل لأنها تفعل أشياء مستقلة - كيسنجر.
عادةً ما تتخذ
الولايات المتحدة قرارها بمحاربة دولةٍ ما، ثم تبدأ لاحقًا في بناء سرديةٍ تُبرِّر تلك الحرب وأسبابها؛ ومع مرور الوقت قد تتبدّل هذه الأسباب، لكن العنوان يبقى واحدًا لا يتغيّر. هكذا جرى الأمر عندما قررت الولايات المتحدة احتلال العراق عام 2003؛ إذ كانت قد أعدّت للحرب مبكرًا، فحددت لها أسبابًا متعاقبة، بدأت بالادعاء بامتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل، ثم تحوّل الخطاب إلى الزعم بوجود ارتباطٍ له بتنظيم القاعدة، قبل أن تُطوَّر الأهداف لاحقًا لتتخذ طابعًا أكثر «هوليووديا»، مثل «نشر الديمقراطية» و«حماية العالم».
وبعد احتلال العراق وانزلاقه إلى الفوضى، اعترف مسؤول استخباراتي أمريكي في إفادات موثقة ضمن تقارير الكونغرس بأن المعلومات الاستخباراتية كانت تُفصَّل على قياس القرار السياسي.
هذه الجملة تُستَخدم اليوم حرفيًا في الحرب المرتقبة مع إيران. فأجد نفسي حائرًا وأنا أتابع مبررات الحرب معها، التي تتبدّل من أسبوع إلى آخر؛ إذ كانت الذريعة في بدايتها «السلاح النووي»، وعلى أساسها وجّهت الولايات المتحدة ضربةً عسكرية في شهر حزيران الماضي أثناء تفاوض إيران حول برنامجها النووي، وخرج الرئيس الأمريكي حينذاك في مؤتمرٍ صحفي معلنًا أنه قد قضى على البرنامج النووي الإيراني.
وبعد أشهر، اندلعت مظاهرات شعبية في إيران نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي فاقمها الحصار الاقتصادي المفروض عليها. وفي خضم ذلك، نشط عملاء الموساد في تأجيج الاحتجاجات ومحاولة تحويلها إلى صراعٍ مسلح، بينما خرج الرئيس ترامب معلنًا دعمه لهذه المظاهرات. عندها تبدّل سبب الحرب ليُقدَّم على أنه ردٌّ على سوء معاملة النظام السياسي للمتظاهرين.
وفي هذا السياق قال الرئيس ترامب: «أيها الوطنيون الإيرانيون، واصلوا الاحتجاج سيطروا على مؤسساتكم، والمساعدة في الطريق». غير أن إيران ما لبثت أن أحكمت سيطرتها على الاحتجاجات، كما تراجعت حدّة تصريحات الرئيس ترامب بعد إلحاح مجرم الحرب نتن ياهو، بحجة أن الكيان غير مستعد لردّة فعل إيرانية محتملة.
وبعد فشل المظاهرات في تحقيق أهدافها المأمولة، عادت الولايات المتحدة مرةً أخرى إلى التأكيد على أن سبب الحرب هو البرنامج النووي الإيراني، وهو البرنامج الذي كانت قد أعلنت سابقًا أنها قضت عليه، وطُولبت إيران بعقد صفقة لتفكيك برنامجها النووي. وقبل أيام، نشر الرئيس ترامب على حسابه في منصة «تروث سوشال» تصريحًا حدّد فيه بوضوح سبب الحرب «القديم–الجديد»، قائلًا: «أسطولٌ هائل يتجه نحو إيران؛ يتحرّك بسرعة، وبقوة، وبحماس، وهدفٍ واضح. إنه أسطول أكبر، تقوده حاملة الطائرات العظيمة أبراهام لينكولن، من ذلك الذي أُرسل إلى فنزويلا.
وكما في حالة فنزويلا، فهو جاهز، وراغب، وقادر على تنفيذ مهمته بسرعةٍ وعنف إذا لزم الأمر. نأمل أن تأتي إيران سريعًا إلى طاولة المفاوضات وتُبرم صفقة عادلة ومنصفة بلا أسلحة نووية صفقة جيدة لجميع الأطراف. الوقت ينفد، والأمر بالغ الأهمية! كما قلت لإيران من قبل: أبرموا صفقة! لم يفعلوا، فكانت هناك «عملية مطرقة منتصف الليل» التي دمّرت إيران تدميرًا كبيرًا. الهجوم القادم سيكون أسوأ بكثير! لا تجعلوا ذلك يحدث مرة أخرى. شكرًا لاهتمامكم بهذا الأمر!.
كل ما يُقدَّم بوصفه أسبابًا للحرب ليس سوى أعذار
وبين هذين السببين، ظهر سببٌ آخر للحرب في الفترة الفاصلة بين المظاهرات واستهداف الولايات المتحدة للبرنامج النووي الإيراني؛ إذ أعلن الرئيس ترامب أنه سيقصف إيران إذا واصلت توسيع برنامجها الصاروخي. وعندما سُئل عن تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة والكيان يناقشان خططًا لضرب إيران لمنعها من توسيع ترسانتها البالستية وإعادة بناء دفاعاتها الجوية التي تضررت خلال حرب الاثني عشر يومًا، قال للصحافة: آمل ألا يحاولوا إعادة البناء، لأنه إذا فعلوا ذلك فلن يكون أمامنا خيار سوى القضاء على هذا التوسع بسرعة كبيرة.
لذلك، يصبح من الواضح أن كل ما يُقدَّم بوصفه أسبابًا للحرب ليس سوى أعذار؛ فعندما تتعدد التبريرات وتتناقض من دون أي رابطٍ منطقي بينها، تتحول إلى ذرائع لتبرير الحرب لا إلى أسباب حقيقية لاندلاعها.
ولا تختلف إيران عن فنزويلا، ولا عن العراق أو ليبيا؛ فلم تكن الحرب على العراق بسبب امتلاكه أسلحة دمار شامل، ولا على ليبيا بذريعة حماية المتظاهرين، ولا على فنزويلا بحجة تهريب الكوكايين، وإنما يجمع هذه الدول جميعًا عاملٌ واحدٌ مشترك: امتلاكها كمياتٍ كبيرة من النفط، وتمردها على الهيمنة الأمريكية.
الدستور الأردنية