الحرب ليست صراع سلاحٍ ضد سلاح، بل صراع إرادات- كلاوزفيتز. قال
كيسنجر ثعلب السياسة الأمريكية يومًا إن الدول لا تعرف صداقاتٍ دائمة، بل تحكمها مصالح دائمة. وكانت مصلحة (غاية) الكيان الجوهرية هي البقاء، معتمدًا على الردع بوصفه ركيزته الأساسية. غير أنّ هذه المعادلة اصطدمت بقانونٍ صارم من قوانين الاستراتيجية السياسية: أن لكل خصمٍ مركزَ ثقلٍ ( ركيزة) يمكن تحديده ومن ثمّ تحييده. فإذا استطعت أن تشير بوضوح إلى ذلك العنصر الذي يقوم عليه توازن خصمك، فإنك غالبًا ما تستطيع ضربه، وتفريغه من قيمته، وكسره نفسيًا.
ولتَبسيط هذه الفكرة، يمكن أن نتساءل: ما هو مركز الثقل في منازلنا؟ تخيّل بيتًا محاطًا بأسوارٍ منيعة، وأبوابٍ حديدية، وكاميرات مراقبة، ونظام إنذار، وكلاب حراسة. ورغم تعدّد هذه الوسائل، فإنها جميعًا تختزل في فكرة واحدة: الأمان. فإحساسك بأن بيتك محصّن، ولا يمكن سرقته، هو مركز الثقل الحقيقي لهذا النظام كله. لكن إذا نجح لصّ في اقتحام المنزل، حتى وإن سرق شيئًا بسيطًا، فإن الثقة بهذا النظام تتلاشى. سيبقى الخوف حاضرًا، وستبدأ بتغيير كل وسائل الحماية، لأن ما انهار في الحقيقة ليس بابًا ولا كاميرا، بل الأمان نفسه.
وبالمثل، لم يكن طوفان الأقصى مجرّد اختراقٍ للسياج أو وصولٍ إلى مستعمرات وقواعد عسكرية في غلاف
غزة، بل كان عمليةً استهدفت جوهر المعادلة النفسية للكيان، وحدّدت بدقة مركز ثقله: البيت المنيع. ثم جرى تقويض هذا المفهوم علنًا وعلى الهواء مباشرة. فهذه المستعمرات لا يُنظر إليها باعتبارها مساكن فحسب، بل تُعامل بوصفها خطوط حماية متقدّمة لعمق الكيان نفسه. ويشبّه الخبراء الاستراتيجيون مستعمرات غلاف غزة بما عُرف تاريخيًا بـ«فجوة فولدا»، ذلك الممرّ الجغرافي المنخفض في وسط ألمانيا، والذي شكّل خلال الحرب الباردة أخطر نقطة أمنية كان الغرب يخشاها، لكونه أقصر وأسهل طريق إلى قلب أوروبا، بحيث إن سقوطه كان كفيلًا بتغيير ميزان الصراع بالكامل.
وهنا يتجلّى المعنى المهم لما قاله كلاوزفيتز: فالحرب تُحسم أولًا في نفس الإنسان قبل أن تُحسم في ساحة القتال، وعندما تنهزم النفس لا تعود التكنولوجيا قادرة على إنقاذ الموقف. إنه عنف يتجاوز الحدّ الذي تستطيع عنده أي وسيلة تقنية أن تعوّض انهيار المعنويات.
ويمثّل الكيان الصهيوني آخر مستعمرة أوروبية قائمة في العالم، وقد وُلد عام 1917 على أسطورة «الدم والأرض»، تلك الفكرة التي تزعم أن لعرقٍ معيّن حقًا حصريًا في أرضٍ بعينها، وهي فكرة تعود إلى القرن التاسع عشر، وقد استُخدمت لتبرير الإبادة والاستيطان والاحتلال. ثم جرى لاحقًا إلباس هذه الأسطورة ثوب القانون: دولة معترف بها، وجواز سفر، وقرارات أممية، وجيش، وحدود. ولضمان ديمومة هذا المشروع، جرى التنظير لما عُرف بـ«الجدار الحديدي»، انطلاقًا من قناعةٍ مفادها أن العرب لن يقبلوا المشروع الصهيوني طوعًا، وأن فرضه لا يكون إلا بقوةٍ عسكريةٍ ساحقة ومتواصلة، حتى تُكسر إرادة المقاومة ويحلّ اليأس محلّها. وعند تلك اللحظة فقط، بعد تحطيم الإرادة لا قبلها، يصبح التفاوض ممكنًا، لا حول الحق، بل حول الشروط، ومن موقع تفوّقٍ مفروض بالقوة.
وبالعودة إلى تحليلات هنري كيسنجر، تتحدّد ركائز القوة لدى الكيان في ثلاثة أركان رئيسية. أولها التماسك الداخلي، القائم على توزيعٍ هرمي للنفوذ، حيث يحتكر الأشكناز (الأوروبيون) مفاصل الدولة العليا، من المحكمة العليا إلى الصناعات المتقدّمة وسلاح الجو، بينما يُدفع بالمزراحيين (الشرقيين) والصهاينة الدينيين إلى ساحات القتال وصناديق الاقتراع. وثانيها الركن الاقتصادي، الذي يقوم على طبقة من أصحاب الثروات المقيمين داخل الكيان، إلى جانب المستوطنين الذين يعيشون في فلسطين المحتلة بكلفة معيشية منخفضة. أما الركن الثالث فهو اللاهوتي، ويتمثّل في سردياتٍ دينية تُستخدم لتبرير الاستعمار، وإضفاء المشروعية على القتل، وسلب الأراضي.
لم يكن السابع من أكتوبر مجرّد عمليةٍ لحماس، بل لحظة تصحيحٍ قسري لسلامٍ مختلّ
وفي هذا السياق، شيّد الكيان الصهيوني ترسانةً عسكريةً هائلة: أسلحةً دقيقة بعيدة المدى، وقدراتٍ سيبرانية متقدّمة، وسيادةً جوية شبه مطلقة، إلى جانب كتيبة الاستخبارات 8200 القادرة على اعتراض الاتصالات والتنصّت والتجسّس. وقد صُمّمت هذه المنظومة أساسًا بوصفها قوة ردعٍ للخصوم، لكنها في الوقت نفسه تُبقي على الأرض قطعان المستوطنين للقيام بالأعمال القذرة، في تجاهلٍ صريح للتحذير الذي أطلقه كيسنجر حين قال: إذا أُسندت الحرب إلى الهواة، فإنها سرعان ما تُنقل إلى غرفة جلوسك.
وتتجلّى «عبقرية» مجرم الحرب نتن ياهو في قدرته على إدارة الأزمات لا حلّها؛ إذ نجح في تحويل الكراهية المتراكمة، وتفكّك النسيج الاجتماعي، واحتجاجات الإصلاح القضائي، نحو غزة. غير أن هذا التكتيك لا يشتري إلا الوقت، فما إن تصمت المدافع حتى تعود الأزمات الداخلية إلى الواجهة، أكثر حدّةً وأشدّ تعقيدًا.
وكان مسار
التطبيع العربي يتقدّم بسلاسةٍ كاملة لصالح الكيان: سلامٌ بلا ثمن، في تجسيدٍ حرفي لواقعية كيسنجر السياسية، التي ترى أنه حين يقتنع الأقوياء بأنهم لا يحتاجون مخرجًا دبلوماسيًا، فإن الضعفاء سيبتكرون مخرجًا عسكريًا. ومن هنا، لم يكن السابع من أكتوبر مجرّد عمليةٍ لحماس، بل لحظة تصحيحٍ قسري لسلامٍ مختلّ.
غير أن طوفان الأقصى أصاب جوهر المعادلة، إذ حدّد مركز ثقل الكيان، الأمان، وقوّضه بالكامل. فجاء الردّ اندفاعًا إجراميًا كشف انهيار منظومة الدفاع الأخلاقي للكيان التي طالما روج لها، عبر تنفيذ إبادة جماعية على الهواء مباشرة. وتعرّضت صورة «الواحة الديمقراطية الآمنة» لتصدّعٍ كبير، وتراجع مستوى الحياة اقتصاديًا، فيما فقدت سردية الهولوكوست قدرتها على إقناع العالم بتبرير
الاحتلال والإبادة . ولهذا، يبدو أن الكيان اختار تطبيق النصيحة الاولى ذاتها: إمّا تفاوضٌ من موقع ضعف، أو قتالٌ حتى الإنهاك، ولا وجود لفصلٍ ثالث.
وبعد يبقى السؤال الجوهري: هل انهيار مركز ثقل الكيان قابل للترميم، أم أن القطار قد فات؟
الدستور الأردنية