شكراً ترمب .. قادة أوروبا يكتشفون القانون الدولي مجدداً!

حسام شاكر
جاء تصعيد الإدارة الأمريكية الجديد في ملفّ غرينلاند في الأيّام الأولى من سنة 2026- جيتي
جاء تصعيد الإدارة الأمريكية الجديد في ملفّ غرينلاند في الأيّام الأولى من سنة 2026- جيتي
شارك الخبر
يواصل معلِّقون في أوروبا اعتبار أزمة غرينلاند فرصة لاعتماد الأوروبيين على أنفسهم في الشؤون الدفاعية، بعد أن تبيّن لهم أنّ الولايات المتحدة صارت مصدر تهديد محتمل على حلفائها المقرّبين.

علينا أن نضيف فائدة أخرى على أيّ حال، هي أنّ أوروبا تستذكر القانون الدولي من جديد، وصار القادة الأوروبيون وحشد المعلِّقين من حولهم يترافعون باسمه بعد أن غضّوا الأنظار عنه في قضايا وتطوّرات متعددة بعضها حتى وقت قريب.

جاء تصعيد الإدارة الأمريكية الجديد في ملفّ غرينلاند في الأيّام الأولى من سنة 2026، أو تحديداً بمجرّد شنّ هجوم مُباغت على كراكاس واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجه واقتيادهما أمام الكاميرات بشكل مُهين إلى نيويورك.

ماذا قالت أوروبا بخصوص فنزويلا؟ حسناً، أصدر الاتحاد الأوروبي حينها بياناً خجولاً جداً باسم دوله الأعضاء، باستثناء المجر التي يقودها فيكتور أوربان، أحد أصدقاء ترمب. لم يتطرّق البيان الأوروبي المشترك إلى طبيعة الحدث، ولم يتحدّث عن انتهاك سيادة الدول، وخلا أيضاً من أيّ إشارة إلى القانون الدولي، كما لم يتضمّن أيّ لفتة استنكار أو استياء أو إعراب عن القلق. الرسالة السياسية واضحة: أوروبا لا تعترض على ما جرى، ولا ترى فيه انتهاكاً محدداً.

ما جرى بعد ذلك معروف للجميع، فقد سارع ترمب مباشرة إلى إطلاق حملة تهديد علنية للاستحواذ على جزيرة غرينلاند الدانمركية العملاقة، التي تُعادل مساحتها نصف أراضي الاتحاد الأوروبي. بدءاً من لحظة الصدمة هذه صار مصطلح "القانون الدولي" مرغوباً جداً وظاهراً بوضوح في البلاغات الرسمية وتصريحات المسؤولين والمنصّات السياسية عبر أوروبا، واكتشف المسؤولون الأوروبيون أنّ ثمّة قانوناً دولياً ينبغي احترامه.

حسناً، لأوروبا السياسية خبرة طويلة في استدعاء القانون الدولي حيناً أو تجاهله حيناً آخر، والحرب الإسرائيلية الضارية على قطاع غزة شاهد على هذا السلوك الانتقائي. يمكن بصعوبة بالغة فقط العثور على إشارات واضحة إلى القانون الدولي في نصوص البيانات والبلاغات الأوروبية المتعلِّقة بالحرب التي شنّها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة على مدار سنتين، باستثناء ما عبّرت عنه عواصم أوروبية معدودة. لم يرغب معظم قادة أوروبا، على مستوى الاتحاد أو على مستوى الدول، في التذكير بوجود قانون دولي يقع إسقاطه على مرأى من الجميع في قطاع غزة، بل في فلسطين عموماً في سياق حملة إبادة جماعية وتدمير شامل وتجويع رهيب وترويع للأهالي مبثوثة مباشرة من الميدان ويرى العالم فظائعها على مدار الساعة.

ولم تكترث أوروبا السياسية في غضون ذلك حتى بالرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 19 تموز/ يوليو 2024 الذي يؤكد عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي وضرورة إنهائه، كما تجاهلت المهلة التي منحتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرار أصدرته يوم 18 أيلول/ سبتمبر 2024، على أساس ما قرّرته المحكمة. طالب القرار الأممي بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة في غضون 12 شهراً، لكنّ المهلة انتهت كما كان متوقعاً، ولم تشأ أوروبا استذكارها.

انهمك القادة الأوروبيون بدلاً من ذلك في إعلان التمسّك المعتاد بـ"حلّ الدولتين"؛ دون خطوات عملية لردع الاحتلال الإسرائيلي وحرمانه من الشراكة الخاصة مع الاتحاد الأوروبي أو فرض عقوبات عليه لتمكين دولة فلسطينية مستقلة من النهوض على الأرض.

وبدلاً من دعم الاستقلال الفلسطيني عملياً كما يُفترض سارع قادة أوروبا إلى الترحيب بخطة دونالد ترمب بشأن غزة، التي أعلنها بمعيّة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية على خلفية اقتراف جرائم حرب. ثمّ ظهرت أوروبا الرسمية في شرم الشيخ في موقف تصفيق حارّ لترمب مع حفاوة بالغة بخطته من أجل "السلام"، وسارع المسؤولون الأوروبيون وغيرهم إلى التقاط الصور معه على المنصّة. لكنّ مضمون الخطّة كان مروِّعاً، فقد قدّم ترمب ذاته حاكماً أعلى لقطاع غزة، بمعيّة مقرّبيه وأصدقائه، وفرض تصوّراً ذا طبيعة استعمارية لكيفية حُكم غزة على أساس يُهين كرامة الشعب الفلسطيني ويتجاهل أيّ سلطة فلسطينية كانت ولا يفي بمتطلبات "حلّ الدولتين". لم يرغب القادة الأوروبيون باستذكار القانون الدولي حينها الذي أسقطته الإبادة الجماعية الرهيبة، ووُضِع في النهاية تحت حذاء ترمب الذي يتنكّر حتى للأمم المتحدة ويحرمها إمكانية عمل هيئاتها في قطاع غزة.

سرعان ما حاول ترمب تجريب هذا النموذج الاستحواذي مع حلفائه الأوروبيين، فارتفعت حينها شكواهم من انتهاك القانون الدولي، واجترأ بعضهم على التحذير علناً من عودة الأساليب الاستعمارية من جديد.

لا يمكن إعفاء أوروبا السياسية، وكذلك أوساط إعلامية وثقافية فيها أيضاً، من الضلوع في تشجيع واشنطن على هذا التمادي. بوسْع العالم أن يشهد على مواقف أوروبية مُطّردة، في عهد جو بايدن ثمّ دونالد ترمب، امتنعت عن الإشارة الواجبة إلى القانون الدولي، أو لفّقت ذرائع وتبريرات لانتهاكات جسيمة في حالات معيّنة لاعتبارات مصلحية أو تحالفية. من المثير للشفقة أن يترافع مسؤولون أوروبيون، بمن فيهم قادة الحكومة الدانمركية، دفاعاً عن القانون الدولي عندما مسّ الأمر سيادتهم ومصالحهم وأمن بلادهم وقارّتهم، وكأنّهم اكتشفوا هذا المصطلح أخيراً في صندوق المقتنيات القديمة.

لا ينبغي أن تفاجئنا أزمة غرينلاند، فقد حذّرت أصوات عدّة في عالمنا من تمادي الانزلاقات الجسيمة إن استمرّ التهاوُن مع فظائع جسيمة وانتهاكات مروِّعة كالتي جرت بحقّ الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. كُنتُ شخصياً أحدّ الموقِّعين على.إعلان عالمي من مفكِّرين ومثقفين وقيادات دينية وشخصيات عامّة وأدباء وفنانين صدر في كانون الثاني/ يناير 2024 حذّر من انزلاق السياسة الدولية إلى ما تشكو منه أوروبا اليوم. صدر الإعلان وقتها – بلغات ثمان - تحت عنوان "الفظائع الجارية في غزة تَحَدٍّ أخلاقيّ للعالم أجمع"، وممّا جاء فيه: "نحذِّر من العواقب التي يجرّها تغييب المواثيق والشرائع وإسقاط القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني؛ على السِّلم العالمي ومصالح الشعوب. (...) ليس مقبولاً استدعاء القيَم والمبادئ والمواثيق أو تعطيلها بصفة انتقائية سافرة حسب أولويّات السياسة واتجاهات المصالح. إنّ تناقُض مواقف القوى الدولية حسب مصالحها واستقطاباتها؛ ينزع المصداقية عن مواقفها عموماً." وحذّرت الوثيقة من أنّ "عالماً يُقرِّر تشغيل قيَمه ومبادئه ومواثيقه بصفة انتقائية، ولا تتكافأ فيه أرواح البشر أو تتساوى فيه حقوقهم وحريّاتهم وكرامتهم؛ هو عالم جائر يزرع الغضب في صفوف أجيالٍ تلحظ الفجوة بين شعارات نبيلة وممارسات مروِّعة".

تزايدت هذه التحذيرات حول العالم دون أن تلتفت مراكز صنع القرار الأوروبي والغربي إليها على ما يبدو. لا يبدو أنّ أوروبا السياسية منفتحة على النقد الأخلاقي الذاتي أو راغبة بالإقرار بعواقب سلوكها الانتقائي في استدعاء القانون الدولي أو إغفاله، ولا حتى بالاعتراف بأزمة المصداقية القيمية التي تواجهها في العالم. لم يُنصَت كبار المسؤولين الأوروبيين حتى لصيحات جوزيب بوريل ممثِّل السياسات الخارجية الأوروبي عندما حذّر من منصّة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ يوم 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 من أنّ أوروبا ستفقد "سلطتها الأخلاقية" إن واصلت التصرّف بشأن غزة بشكل يتناقض مع موقفها في أوكرانيا. قال بوريل: "إنه لمؤكّد بوضوح أنّ وضع جماعة بشرية تحت حصار يمنع إمدادات المياه الأساسية يناقض القانون الدولي، في أوكرانيا وفي غزة. (...) وإن لم يكن بوسعنا أن نقول لذلك بشأن المكانيْن، فإننا نخسر سلطتنا الأخلاقية، الضرورية كي يكون صوْتنا مسموعاً".

لم تجد تحذيرات بوريل آذاناً صاغية، حتى أنّ الاتحاد الأوروبي لم يتوافق حتى على موقف جماعي يدعم وقف إطلاق النار في قطاع غزة إلاّ بعد انقضاء نصف سنة تقريباً (21 آذار/ مارس 2024) على بداية حرب الإبادة الجماعية الرهيبة، دون استنكار انتهاك القانون الدولي في غزة.

يتعيّن التذكير بمدى التناقض عندما شجّعت أوروبا ترمب في أيلول/ سبتمبر 2025 على خطّة تحكّم شبه استعمارية في قطاع غزة على أساس لا يوافق القانون الدولي ولا ينهض على أساس ديمقراطي، ثمّ رفضت تعميم هذا السلوك على أقاليم أخرى؛ مثل غرينلاند. كما اتخذت أوروبا موقفاً بارداً للغاية من غزو دولة لاتينية واختطاف رئيسها، بعد أن أمعنت القارّة في الرفض المستحقّ لغزو دولة أوروبية شرقية هي أوكرانيا.

هل اتعظت أوروبا من الدرس؟ فمن شأن التراخي والتقاعس عن اتخاذ مواقف مبدئية أن يرتدّ بعواقب وخيمة على أصحابه، فتسويغ التجاوزات يجعلها طريقة عمل مقبولة ويُغري بالتمادي فيها، فإنْ لم تنزعج أوروبا من انتهاك سيادة دولة تقع جنوباً؛ ما الذي سيمنع تغيير وجهة الانتهاك ليصير شمالاً؟ وإن لم ينتفض معظم القادة الأوروبيين جرّاء إسقاط القانون الدولي في فلسطين أو غيرها، ولم يحاولوا استخدام نفوذهم في مواجهة ذلك؛ ما الذي سيحدّ من شهية الاستحواذ والتوسّع لدى دولة عظمى تتباهى بقوّتها الحربية الجبّارة في عهد رئيس طائش يستعرض طائراته الشبحية في المكتب البيضاوي؟
لا ينبغي للتذكير بهذه الحقائق أن يحدّ من التضامن الصادق مع شعب غرينلاند، الذي يحمل ذاكرة تاريخية مؤلمة وصار يواجه حملة استحواذ جامحة تستقوي على بلاده المتجمدة وتفرض عليها العلم الأمريكي في منشورات دعائية استفزازية مشفوعة بالتهديد العسكري. ويتعيّن في الوقت ذاته تذكير القادة الأوروبيين، بمن فيهم الجالسون في كوبنهاغن، بأنّ استعادة هيبة القانون الدولي لا تكون بمواصلة النهج الانتقائي الذي يضع المصالح الذاتية فوق المواثيق التي يُفترض أن تكون شاملة ومنصفة للجميع في عالم واحد.

ترجمة خاصة إلى العربية عن "ميدل إيست آي"
التعليقات (0)

خبر عاجل