من الواضح جدا أن دعوة الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب رؤساء الدول إلى الانضمام إلى إنشاء مجلس للسلام، ليس قصده فقط إحلال السلام في قطاع
غزة، فميثاق المجلس لا يشير إلى منطقة بعينها، بقدر ما يشير إلى فض النزاعات وإحلال الأمن والاستقرار في العديد من مناطق التوتر والنزاع، كما أن الرئيس الأمريكي، لم يكف عن انتقاد الأمم المتحدة بجميع هيئاتها واتهامها بالفشل في القيام بمهماتها في حفظ السلام، هذا فضلا عن اتخاذه قرارات دالة بالانسحاب من حوالي 66 منظمة دولية تابعة للأمم المتحدة.
هذه مؤشرات ظاهرية، تبين محاولة واشنطن استثمار لحظة اضطراب العلاقات الدولية، وعجز النظام الدولي عن حلها، لكي تقدم مبادرة تستطيع من خلالها ابتداء التموقع في المنتظم الدولي، وفي الآن ذاته منح شرعية لسياساتها القادمة، والتي من المؤكد أنها لا تنسجم مع معايير النظام الدولي القائم، فالرئيس الأمريكي، يعلم أن «حلم» غرينلاند، ونفط وغاز فنزويلا، وربما التوسع في كندا أو حتى في أمريكا اللاتينية، والهيمنة على خارطة المعادن الثمينة في العالم، رهين بتغيير بنية النظام الدولي القائم وعقيدته، ويدرك أن هناك قوى منافسة، لا يمكن أن تسمح بانفرادها بالكعكة كلها، وأنه ليس بالضرورة أن يكون موقفها ممانعا، بل من الأرجح أنها ستأخذ ما يكفي من الوقت لتنظر فيما يمكن أن تكسبه وتخسره من هذه المبادرة، ثم تحدد موقفها بناء على ذلك.
ولذلك لم يتردد الرئيس الأمريكي في توجيه الدعوة إلى الدول المنافسة أو المعادية لواشنطن، مثل روسيا والصين، في حين، تشكل دول أوروبا اليوم، الفاعل الدولي الأكثر ممانعة لخطته.
كان من المفترض نظريا أن تجد هذه الدعوة رفضا مبدئيا من الصين وروسيا، وأن تجد في المقابل قبولا مبدئيا من جهة المعسكر الغربي الحليف لواشنطن، لكن يبدو أن موقف روسيا والصين كان أقل راديكالية من موقف أوروبا نفسها، فروسيا أحالت الدعوة إلى وزارة الخارجية من أجل دراستها والتشاور مع شركائها (الصين تحديدا) قبل إبداء موقف بشأنها، فيما لم تعلن الصين إلى اليوم موقفها من المبادرة، مفضلة رفض أن يكون
مجلس السلام بديلا عن الأمم المتحدة.
هذه المفارقة، تطرح أسئلة مهمة بخصوص تحفظ أو رفض أغلب دول الاتحاد الأوروبي، وعدم تسرع روسيا والصين في الرد على مجلس ترامب، وتعيد إلى الأذهان الخلاف المفصلي بين الرؤيتين الأمريكية والأوروبية لوقف الحرب الروسية الأوكرانية، وكيفية صناعة السلام وفض النزاع بين أوروبا وروسيا، فأوروبا منذ صعود الرئيس الأمريكي للبيت الأبيض، وربما أكثر مع اللقاء الذي جمعه بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، وانطلاق المفاوضات معها ومع أوكرانيا من أجل حل هذا النزاع، أدركت أن سياسة واشنطن هي بصدد تحول نوعي، سواء في التحالفات، أو في السياسات، أو حتى في تعريف المصالح والأمن القومي، أو قل هي بصدد تحول جوهري في «البراديغم» الكلي المؤطر لسياستها الخارجية، فأمن أوروبا، لم يعد يشكل ثابتا من ثوابت السياسة الأمريكية، فما يؤطر هذه السياسة هو مصلحتها في إقامة توازن مع خصومها بشكل لا يفضي إلى زعزعة الأمن الدولي، وتعرض المصالح القومية الأمريكية إلى الضرر، ولذلك، لا يتردد الرئيس الأمريكي في أن يطرح فكرة تنازل أوكرانيا عن بعض أراضيها من أجل السلام، في حين تنظر أوروبا إلى ذلك بوصفه تهديدا وجوديا لأمنها وتضحية أمريكية بهذا الأمن من أجل مصالح خاصة.
الرئيس الأمريكي، لم يكف عن انتقاد الأمم المتحدة بجميع هيئاتها واتهامها بالفشل في القيام بمهماتها في حفظ السلام
من المثير للملاحظة في هذا السياق أن الرئيس الأمريكي استبق الموقف الروسي وأكد قبول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدعوته، في حين، لا يزال الموقف الرسمي إلى اليوم غير معلن، مما يعطي إشارة ما إلى أن ما حدث في لقاء ألاسكا بين الزعيمين لم يكن مجرد مشاورات لإنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، وإنما كان ترتيبا لكل الملفات، وربما اتفاقا على الخطوط العامة للنظام الدولي الجديد والذي لن ترفض فيه موسكو مبدأ اقتسام النفوذ مع واشنطن، إن كان ذلك يخدم مصالحها القومية والأمنية.
ثمة أسئلة كبرى تطرح حول حدود الانسجام والتعارض بين المصالح الأمريكية والروسية والصينية عند إحلال مبدأ اقتسام النفوذ بديلا عن قواعد الشرعية الدولية لاستتباب الأمن، وإلى أي حد يمكن لتحقيق مصالح أمريكا ألا يكون على حساب مصالح روسيا، وإلى أي حد يمكن أن تكون مشترطات الأمن القومي الأمريكي منسجمة مع مشترطات الأمن القومي الروسي.
تبدو هذه الأسئلة إشكالية، لكن فكها بمعايير وقواعد النظام الدولي القائم هو ما يجعلها كذلك، فهذه المعايير، كانت تحتكم إلى قواعد تقسيم نفوذ استقرت بعد الحرب العالمية الثانية، وتم تثبيتها مع إنتاج السلاح النووي، فما الذي يمنع أن يتم تجديد خارطة تقسيم النفوذ وفق براديغم جديد، وقوى دولية جديدة، مع بقاء قواعد تدبير عدم الاحتكاك النووي بين هذه الدول، فخارطة الدول التي لا تمتلك سلاحا نوويا جد واسعة، وخارطة الدول الحيادية واسعة هي الأخرى، ودول أوروبا بخارطتها الحالية، لم تعد وحيا مقدسا لا يمكن إعادة صياغته، ومن ثمة، لا شيء يمنع تشكل هذا النظام بقواعد جديدة، وفق نفس المفهوم التقليدي السابق (تقسيم النفوذ) مع تغيير جزئي في خارطة الفاعلين الذين يملكون صوتا مؤثرا في القرار الدولي.
الكثيرون لاحظوا تنامي الخلاف الأمريكي الأوروبي في قضايا عديدة مرتبطة بأوكرانيا، وبالأمن الدفاعي والناتو بالجملة، وبالتجارة والتعريفات الجمركية، وبالحدود والطموحات الترابية، لكن، من الممكن أن نستقرئ مفردات الخطاب في كل هذه القضايا، وكيف صارت أوروبا، في خطاب الرئيس الأمريكي، عاجزة فاشلة غير قادرة على تأمين ذاتها، وعلى تقوية اقتصادها حتى يؤمن لها الزيادة في النفقات الدفاعية بما يؤمن كفايتها الأمنية وعدم حاجتها لواشنطن، فطالما تحدث الرئيس الأمريكي عن تحمل واشنطن مسؤولية أمن أوروبا، ومسؤولية الناتو، وأنها في نهاية المطاف، هي الخاسرة الأكبر في تبادلها التجاري مع أوروبا.
هذا الخطاب بمجموع مفرداته، وفي كل مستويات الخلاف المذكورة، يكشف بأن المستهدف بالنظام الدولي الجديد، الذي ترغب واشنطن تصدره كما تصدرت النظام القائم، ليس فقط دول إفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية أو حتى العالم العربي، وإنما المستهدف الأساسي والأول به، هو المعسكر الغربي الذي لا تتردد واشنطن في الإيحاء بإعادة صياغته وفق المصلحة الاستراتيجية الأمريكية.
الكثيرون يرون أن الرئيس الأمريكي ماض في خطة الحلم والوهم، وأنه في نهاية المطاف سيصطدم بالجميع، بالداخل والخارج، بالمعسكرين الحليف والخصم، لكن الزخم الذي أحدثه مجلس السلام وحجم الاستجابة الفورية له، تكشف بأن اجتماع ألاسكا ربما حسم كل شيء، وأن الخلاف ليس بين واشنطن وموسكو، وربما لن يكون بين وانشطن وبكين، وإنما سيكون في دوائر أخرى، فطالما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه يجيد التفاوض مع الأقوياء، وأنه لا يحب الضعفاء، وهذا في الواقع، ما يعكس سياسته الجديدة، أي إقامة نظام دولي جديد، ليس بمنظور الهيمنة الأمريكية على العالم، ولكن بمنظور تقوية مصالحها الاستراتيجية، بتوافق مع مصالح خصومها، على أن يدفع الثمن، الثلث المتبقي في العالم، بمن فيهم حلفاء واشنطن الضعفاء.
القدس العربي